طعم الخيانة ج1 بقلم الكاتبة نرمين عادل همام
ج1
كانت دوشة المكتب الهندسي في الوقت ده من اليوم هادية، مفيش غير صوت تكاد تكة كيبوردات الأجهزة وصوت تكييف مركزي شغال في الخلفية.
كنت قاعد على مكتبي وسط لوحات التصاميم الهندسية والخرائط اللي مغطياني، وراسي مصدعة من مراجعة أبعاد مشروع جديد. رفعت عيني للحظة أبص على المكاتب اللي حواليا، ولقيت المشهد متكرر ومريب.
كل واحد من زمايلي المهندسين متقوقع في مكانه..
اللي ساند ضهره ومقضيها شات وعينه بتلمع مع كل رنة إشعار، واللي ماسك الفون ومستخبي ورا شاشة الكمبيوتر الكبيرة بيتكلم بصوت واطي ومبحوح كأنه بيقرأ تعويذة سرية، والابتسامة السارحة مش مفارقة وشه.
فجأة، لفينا الكراسي لبعض وقت البريك، وبدأ كريم، مهندس الموقع اللي لسه راجع بملامحه المتبهدلة من شمس المعاينة، يطوح الخوذة بتاعته على المكتب بزهو ويفتح سيرة المغامرات بتاعته. قعد يحكي وعينيه ماليها الفخر عن الستات والمهندسات اللي بيقابلهم في المواقع برة الشغل، وإزاي نزوله الميداني ده عاطيله غطاء ذهبي وحجة مابتخرش المية قدام مراته..
مجرد “معاينة موقع” أو “إشراف على صب خرسانة” كفيلة تقعده بالساعات مع أي ست من غير ما حد يشك في البيت. الباقيين بدؤوا يسندوا على المكاتب ويهزوا رؤوسهم بإعجاب وحماس، وكل واحد يسحب خيط الكلام ويحكي عن مغامرته وعن الست اللي مصاحبها على مراته، وإزاي الموبايل مبقاش يفارق إيديهم عشان الكلمة الحلوة والدلع.
وسط كل الرغي والمفاخرة بالخيانة دي، حسيت بخنقة ودمي حِني، ومقدرتش أسكت. عدلت قعدتي، وبصيتلهم بنظرة ماليها الاستنكار والتعجب الحقيقي، ووجهت كلامي ليهم وقولت:
“نفسي أعرف إيه الجميل والممتع إنك تصاحب ست على مراتك؟! وليه راجل مهندس بشنبه، متعلم وناضج، ممكن يرمي نفسه في سكة شمال زي دي؟”
قلتها بنبرة فيها تعجب حقيقي وعلامات استفهام مالية دماغي، وأنا قاعد وسط زمايلي المهندسين في مكتب الشركة. كنا في وقت البريك بعد لف ومرمطة الصبح، والكلام أخدنا لمواضيع شخصية لحد ما اتفاجأت إنهم بيتكلموا في موضوع العلاقات ده بأريحية شديدة،
وكأنه أمر واقع أو شطارة صايعة سارية بينهم. الصدمة هزتني لما لقيت إن أغلب مهندسين المكتب والمواقع تقريباً عايشين الحكاية دي ومصاحبين!
الكاتبة نرمين عادل همام
رد عليا كريم، مهندس التنفيذ اللي مبيريحش، بضحكة خبيثة ماليها الاستهتار وهو بيعدل الخوذة بتاعته ويقول:
“متعة؟ يا باشمهندس شريف دي متعة وأي متعة! أنت بس مستغرب ومستنكر عشان قافل على نفسك ومجربتش السكة دي قبل كده. يا صاحبي، بعد يوم شغل طويل ومطحنة وسط الخرسانة والطوب ومجيرة من الاستشاري، بتبقى محتاج كلمة حلوة تفك ضيقتك.
تلاقي واحدة على الموبايل بتكلمك برقة وتدلعك، تهتم بأدق تفاصيلك، تسألك يومك في الموقع كان عامل إزاي وتسمعك بإنصات، وتبعتلك صور ليها وهي في كامل أناقتها وجمالها عشان تفتح نفسك على الدنيا.. مش زي ‘البومة’ اللي قاعدة في البيت!”
أخد نفس طويل وكمل بمرارة تبرير واضحة:
“أنا بدخل البيت بلاقي الزعيق والنكد والشكاوى هما أول حاجة بتستقبلني، وشكلها يسد النفس ويقطع الخميرة من البيت. يا أخي، دي مبتراعيش إني شقيان وتعبان طول اليوم في الشمس والتراب عشانهم عشان تهتم بيا شوية. الستات دول كل همهم المطبخ والعيال ومسح البيت وتنضيفه، كأن البيت ده فندق وهي شغالة فيه، وأنا؟ أنا برة الحسابات تماماً!
ده أنا بيجيلي شغل وإشراف في مواقع برة، وبنزل أقابل ستات وعملاء ومهندسات، وبقالي تلت سنين كاملين عايش حياتي وعامل علاقات، وهي محستش ولا شكت ولو لمرة واحدة! وكل ما تكلمني أقولها ‘أنا في الموقع وورايا صب خرسانة ومش فاضي’. عارف ليه مابتشكش؟
مش ذكاء مني.. لأ، لأنها ببساطة مش شايفاني ومش حاطاني في حساباتها أصلًا، هي شايفة العيال وبس.”
الكاتبة نرمين عادل همام
نهى كريم كلامه، ولقيت الباقيين كلهم بيهزوا رؤوسهم بالموافقة ويأيدوا كلامه بحماس، خصوصاً مهندسين الموقع اللي قالوا إن نزولهم برة الشركة بيديهم غطاء ذهبي وحجة جاهزة لأي مقابلة أو مكالمة تحت اسم “معاينة موقع” أو “شغل خارجي”.
وكل واحد بدأ يبرر لنفسه ويدافع عن نزواته ويقولوا إن الموضوع كله مبيتعداش حدود “الصحاب” اللي بيهونوا على بعض ضغوط الحياة وبيحكوا عن يومهم!
كنت قاعد وسطهم مستغرب كلامهم، بل متعجب ومنكر له بكل جوارحي. دماغي كمهندس بيفكر بالمنطق مش قادرة تستوعب:
هو إزاي حد عاقل وناضج، يغامر بأمان بيته، ويخاطر باستقرار عيلته وولاده وسمعته عشان خاطر شوية كلام ودلع ومقابلات من ورا مراته؟ إزاي يبيع الحلال الغالي برخيص؟
انتهى يوم الشغل والمطحنة ورجعت بيتي. وبمجرد ما حطيت المفتاح في الباب وفتحته، استقبلتني ريحة الأكل الطيبة والدافية وهي مالية الممر، ووصل لودني صوت الراديو الهادي وهو شغال من المطبخ على إذاعة القرآن الكريم، صوت بيبث في المكان طمأنينة وسك..ينة غريبة بتمحي تعب الموقع والشمس.
لمحتها خارجة من المطبخ وبتبتسم أول ما شافتني، وقالت بنبرة كلها ترحيب وحنان:
“حمدًا لله على سلامتك يا باشمهندس.. نورت بيتك.”
كانت دي حنان، زوجتي وأم عيالي. ابتسمت تلقائي في وشها، وحسيت براحة وجوايا بيقول الحمد لله على نعمة البيت المستقر والست الأصيلة، وقلت بنبرة دافية:
“الله يسلمك يا حبيبتي.. ربنا يخليكي ليا.”
سيبتها ودخلت على الأوضة عشان أغير هدوم الشغل المتربة وأرتاح. لكن في اللحظة دي بالذات، بدأت كلمات زمايلي المهندسين وسخريتهم وتبريراتهم عن المواقع والستات تتكرر في دماغي زي صدى صوت مزعج مش عايز يقف. ولأول مرة في حياتي، لقيت نفسي بركز في تفاصيل عمر ما بالي راح ليها قبل كده!
الكاتبة نرمين عادل همام
أول مرة ألاحظ إني كل يوم برجع من الشغل بلاقيها واقفة في المطبخ وسط النار والصهد بتطبخ وتغسل وتجهز. ركزت في لبسها المتبهدل من وقفة الطبيخ وبقع الصلصة, وشعرها اللي مش متظبط وملموم كالعادة بأي طريقة سريعة عشان ما يضايقهاش وهي بتشتغل في الشقة، وجسمها اللي باين عليه الإرهاق وعرقان من المجهود وتلبية طلبات الولاد.
كلام زمايلي المقارن بين الست الفاضية اللي بتتدلع على الموبايل وبتقابل في المواقع، والست الشقيانة اللي شايلة البيت بدأ يرمي ضله على تفكيري، وخلاني أقف مكاني وأنا بسأل نفسي بجفاء غريب بدأ يتسلل ليا: هل فعلاً دي الحقيقة؟ وهل أنا مظلوم زي ما بيقولوا؟
انتهى يوم الشغل والمطحنة ورجعت بيتي وجوايا دوشة مش عايزة تصفى. وبمجرد ما حطيت المفتاح في الباب وفتحته، استقبلتني ريحة الأكل الطيبة والدافية وهي مالية الممر، ووصل لودني صوت الراديو الهادي وهو شغال من المطبخ على إذاعة القرآن الكريم؛
صوت بيبث في المكان طمأنينة وسك..ينة غريبة بتمحي تعب الموقع والشمس وتراب اللوحات.
لمحتها خارجة من المطبخ وبتبتسم أول ما شافتني، وقالت بنبرة كلها ترحيب وحنان يهدّي أي تعب: “حمدًا لله على سلامتك يا باشمهندس.. نورت بيتك ودنيتك.”
كانت دي حنان، زوجتي وأم عيالي وسندي. ابتسمت تلقائي في وشها، وحسيت براحة وجوايا بيقول الحمد لله على نعمة البيت المستقر والست الأصيلة اللي صايناه، وقلت بنبرة دافية: “الله يسلمك يا حبيبتي.. ربنا يخليكي ليا وما يحجمنيش منك.”
سيبتها ودخلت على الأوضة عشان أغير هدوم الشغل وأرتاح من لف الصبح. لكن في اللحظة دي بالذات، بدأت كلمات زمايلي المهندسين في المكتب، وسخريتهم وتبريرات كريم عن نزولات الموقع ومقابلات الستات تتكرر في دماغي زي صدى صوت مزعج وشرير مش عايز يقف. ولأول مرة في حياتي، لقيت نفسي بركز في تفاصيل عمري ما التفت ليها ولا راحت في بالي قبل كده!
أول مرة ألاحظ إني كل يوم برجع من الشغل بلاقيها واقفة في المطبخ وسط النار والصهد بتطبخ وتغسل وتجهز. ركزت في لبسها المتبهدل من وقفة الطبيخ وبقع الصلصة،
وشعرها اللي مش متظبط وملموم كالعادة بأي توكة سريعة عشان ما يضايقهاش وهي بتشتغل وتجري في الشقة، وجسمها اللي باين عليه الإرهاق التام وعرقان من المجهود وتلبية طلبات العيال طول اليوم.
كلام زمايلي المقارن بين الست الفاضية اللي بتتدلع على الموبايل وبتقابل المهندسين في المواقع بكامل أناقتها، والست الشقيانة اللي شايلة البيت بدأ يرمي ضله المسموم على تفكيري، وخلاني أقف مكاني في نص الأوضة وأنا بسأل نفسي بجفاء وغرور بدأ يتسلل ليا: هل فعلاً دي الحقيقة؟ وهل أنا مقضّيها شقا ومحروم من الدلع؟
الكاتبة نرمين عادل همام
“يلا يا بابا.. الأكل جاهز وكلنا مستنيينك على السفرة.”
خرجت من الدوامة والدوشة السودا اللي في دماغي على صوت ابننا ياسين وهو واقف عند باب الأوضة وبيشدني من إيدي. هزيت راسي وبادلتُه ابتسامة هادية، وقومت اتجهت للسفرة. أول ما قعدت، بصيت للأكل اللي كان مترصص بنظام ونظافة تفتح النفس،
عليه ما لذ وطاب من الأصناف اللي بنقّيها وبحبها، وكلها معمولة بنفس وحب واضحين.
بدأت أكل وآلياً من غير ما أنطق، مكنتش حاسس بطعم اللقمة لأن بالي وعقلي كانوا في مكان تاني خالص. فجأة، نبرة صوت حنان القلقانة قطعت حبل أفكاري الملوثة وهي بتبصلي بتمعن وتأسف وتسألني:
“إيه يا شريف.. الأكل وحش؟ مش عاجبك النهاردة؟”
رفعت عيني ليها وبصيت في ملامحها المستغربة، وقلت بتعجب وأنا بحاول أداري سرحاني: “لأ طبعاً يا حبيبتي، الأكل حلو جداً وتسلم إيدك وعينيكي.. بس اشمعنى بتسألي السؤال ده؟”
ردت برقة وفي عينيها لوم خفيف وكله حنان:
“أصل دي أول مرة من يوم ما اتجوزنا تقعد تأكل وتخلص نص طبقك من قبل ما تقولي تسلم إيدك يا حنان! حسيتك مش معايا خالص وبالك غايب، أو إن الأكل ملوش طعم عندك.”
حسيت بوخزة ضمير حادة في قلبي وهزتني من جوايا. مسكت إيدها وبوستها باعتذار وندم سريع، وقلت:
“معلشي يا حبيبتي، حقك عليا ما تزعليش. ضغط الشغل في المكتب واللوحات والمسؤوليات اليومين دول مخليني مش مركز ومشتت شوية، ضغط حقيقي مأثر على نفوخي.”
ابتسامتها الطيبة رجعت تنور وشها تاني في ثانية، وردت بحنانها المعتاد ودعوتها اللي بتطمن قلبي وبتريحني:
“ولا يهمك يا حبيبي، مقدرة تعبك وشقاك برة.. ربنا يعطيك الصحة والعافية يا رب، ويرزقك من حيث لا تحتسب ويهون عليك تعب الهندسة والمواقع.”
أمّنت على كلامها ودعوتها الصافية:
“آمين يا رب.” ورجعت أكمل أكل. لكن الصدق؟ كنت باكل وأنا بغصب على نفسي وببلع اللقمة بمرار؛ لأن كلام كريم وصحابه رجع يتردد تاني في ودني ويزن. بقيت غصب عني أركز في التفاصيل اللي قالوا عنها.. بقيت أقارن ريحة الطبيخ والصلصة اللي فـ لبسها، بشكل الستات الأنيقات اللي زمايلي في المكتب بيقعدوا يتفاخروا بمكالماتهم وصورهم ومقابلاتهم برة!
خلصنا أكل، وقامت حنان بهمتها ونشاطها المعتاد تلم السفرة وتدخل المطبخ عشان تغسل الصحون وتروق المكان وتخليه زي الفل. بعد شوية، عملت الشاي المظبوط وجت قعدت جنبي في الصالون عشان تتكلم معايا كالعادة اليومية الدافية بتاعتنا. بدأت تحكيلي عن يومها البسيط، عن طلبات الشقة ومصاريف العيال، وأنا كمان شاركتها تفاصيل يومي والمشاكل اللي واجهتني في مراجعة لوحات المشاريع والتصاميم الهندسية، لكن طبعاً، كتمت جوايا ومحكيتش ولا حرف عن النقاش المسموم اللي دار بيني وبين كريم وبقية المهندسين الصبح في الشركة.
شربت الشاي، وسحبت الموبايل وبدأت أتصفح فيه وأتابع الأخبار، وهي سابتني على راحتي وقامت قعدت مع ياسين وليلى على السفرة تذاكرلهم وتتابع واجباتهم. كنت سامع صوتها الواطي والنقي وهي بتشرحلهم بصبر وطولة بال يحسد عليها، واندمجت مع الولاد تماماً في المذاكرة. مع الوقت والهدوء الساري في الشقة، بدأت عيني تتقل وأنعس من تعب اليوم واللف. قومت، صليت العشاء، ودخلت السرير ونمت في هدوء تام.
فضلت أيامي بعد كده تتكرر ورا بعض بنفس الروتين. مع الوقت، نجحت إني أشيل كلام زمايلي المقارن ده من دماغي تماماً وقفلت السيرة دي، وبدأت أشوف الأمور بميزان عادل ومنطقي خالص؛ بقيت أفكر في اللي حنان بتعمله في يومها من أول ما الشمس تطلع لحد ما ننام، وقد إيه هي بتتعب وتبذل مجهود وجري أضعاف تعبي في المكاتب لأجل البيت والعيال ولأجلي أنا شخصياً، ومن غير ما تشتكي أو تِئِن.
وفي يوم، كنت قاعد في مكتبي بالشركة، غرقان وسط اللوحات وتفاصيل ومقاسات الأبعاد الهندسية لمعاملة رخصة مباني،
وفجأة سمعت صوت ناعم قوي ورقيق بيقول من ورايا:
“باشمهندس شريف؟”
رفعت راسي بسرعة وبصيت قدامي، واتفاجأت بـ ست واقفة قدام المكتب مباشرة.. كانت جميلة أوي، جمال لافت ومصنوع بعناية فائقة. لابسة فستان أنيق وقصير راسم تفاصيل جسمها ورشاقتها بشكل واضح، وآخر جزء من رجلها ظاهر. حاطة ميكب خفيف لكنه مرسوم بالمسطرة ومبرز ملامحها ونعومتها بوضوح، ومخرجة جزء من شعرها من الطرحة بإنقاص لافت، فمخليها تبان أحلى وأحلى وسط كآبة المكاتب واللوحات.
بلعت ريقي بصعوبة، وحمحمت بحرج شديد وأنا بحاول أداري ارتباكي المفاجئ وهزتني من طريقتها. رجعت بصيت بسرعة في اللوحات الرسمية اللي على المكتب قدامي عشان أغض بصري عنها وعن عينيها، وقلت بنبرة جافة ورسمية جداً حاولت أظهر فيها إني غرقان في الشغل ومش فاضي: “خير يا فندم.. قولي تحت أمرك في إيه؟ أنا ورايا مراجعة تصاميم ومستعجل.”
قربت خطوة كمان، وعطرها الناعم سبَقها وقلب ريحة المكتب، وحطت ملف ورق قدامي على المكتب، واتكلمت برقة مبالغ فيها ودلال أنثوي وهي بتقول: “أنا آسفة جداً لو كنت أزعجتك أو قطعت تركيزك، بس هما برة في الاستقبال وسكرتارية الإدارة الهندسية قالولي إن حضرتك الباشمهندس المسؤول عن مراجعة الرخص الاستثمارية، وإنك أنت بالذات اللي هتخلصلي وتعتمدلي ملف الورق ده.”
أخدت الملف منها بسرعة عشان أنهي المقابلة دي ومقعدش معاها كتير، وبدأت أبص في الأوراق والرسومات الهندسية، ولقيت إن في خرائط كروكي وأوراق رسمية مهمة ناقصة من ملفها. اتنحنحت وقلت لها بوضوح وجفاء على النواقص الرسمية اللي لازم تجهزها وتجيبها عشان الرخصة تطلع.
بصتلي بنظرة كلها رجاء رقيق وعينيها تاهت في عيني، وقالت بنعومة:
“تمام فهمت كل اللي حضرتك قلته.. طب ممكن رقم تليفون حضرتك المباشر؟ عشان لو توهت في الإجراءات أو احتجت أسأل عن تفاصيل في الرسومات الهندسية وأنا بجهزهم في المكتب الاستشاري أكلمك وتفيدني.”
ترددت لثواني، وكلمات كريم عن الستات والمواقع رنت في ودني ثانية واختفت. أخدت نفس عميق وسحبت ورقة صغيرة من النوت بوك، كتبت فيها رقمي وناولتهالها وأنا بقول بتحفظ:
“اتفضلي.. ده رقم المكتب المباشر عشان لو في أي استفسار تخص الرخص.”
أخدت الورقة وهي بتلمس طرف إيدي برقة، وشكرتني بابتسامة رقيقة وساحرة وقالت:
“ميرسي يا باشمهندس.. أنا ياسمين.” ومشيت بخطوات دلع برة المكتب. وأنا رجعت بسرعة أحاول أركز وأكمل شغلي، بس الصراحة كان جوايا إحساس غريب بالإجهاد النفسي والدوشة، وصوت ياسمين فضل معلم في ودني.
انتهى اليوم، ورجعت البيت وأنا حاسس بتعب وهلاك مش طبيعي من كتر الضغط والتفكير. أول ما فتحت الباب ودخلت الممر، لقيت ق وليلى بيجروا عليا بلهفة وفرحة عارمة كالعادة، وارتموا في حضني بقوة.
“وحشتوني أوي يا حبايب قلبي ونور عيني.” قولتها وأنا بضمهم لصدري بحب حقيقي وأمان، وحسيت إن حضنهم الصافي ده بيغسل تعب اليوم كله وبيرجعني لنفسي. أخدتهم في إيدي وقعدت معاهم على الكنبة في الصالة نضحك ونهزر، وفي اللحظة دي، خرجت حنان من المطبخ على صوت ضحكنا، وبصتلي بابتسامتها المعهودة الطيبة وقالت…
“البيت نوّر يا شريف.. حمد الله على سلامتك.”
قالتها حنان أول ما شافتني، وهي بتبصلي بابتسامتها الصافية الدافية اللي غسلت في ثانية جزء كبير من همومي وتعب اليوم. وقفت قدامها وبادلتها الابتسامة بحب حقيقي طالع من قلبي، وقربت خطوة وقلت: “البيت ده منور بأهله يا حبيبتي، بشمسه وقمره اللي واقفة قدامي دلوقتي.”
ضحكت بكسوف طفولي نقي زي عادتها، وهي بتبعد عينيها عني هرباً من نظراتي، وقالت بنبرة رقيقة ماليها الحنان:
“طب يالا يا باشمهندس، هروح أرص الأكل بسرعة على السفرة عبال ما تغير هدومك المتربة دي وتستريح.”
قربت منها أكتر، وبست جبينها بطمأنينة وقلت:
“استني عليا شوية صغيرة، هاخد شاور سريع بمية دافية يفوقني من طحن اللوحات والمكتب واللف بتاع الصبح، وجايلكم على السفرة فوراً.”
هزت رأسها بالموافقة وهي بتبتسم وتقول:
“ماشي يا حبيبي، مستنيينك.” ودخلت المطبخ بكل همتها ونشاطها.
سيبتها ودخلت الأوضة، أخدت الشاور وغيرت هدومي وخرجت لقيت السفرة جاهزة ومتستفة بنظافة تخطف العين، والولاد قاعدين في أماكنهم مستنييني بلهفة كبيرة. انضميت ليهم وبدأنا ناكل وسط ضحك العيال الصافي وحكااويهم البسيطة عن المدرسة واللعب. كنت بحاول أندمج معاهم وأنسى شكل ياسمين
وصوتها اللي كان لسه رانن في ودني…..تابع للجزء الثاني
