ج الاخير طعنة في الجروب المغلق
رشا خالد
حماتي اتكتمت وسكتت لحظة، وبعدين حاولت تلطف نبرتها وتستغل طيبي وأصلي: — “يا رانيا يا بنتي.. إنتِ بنت بنوت وأهلك ناس مبسوطين وحالهم ميسور وأبوكي ربنا فاتحها عليه، وأنا عارفة إنك مش ناقصة حتة الدهب دي ولا هتفرق معاكي. أختك صفاء حظها في الجواز مكانش حلو زيك، وجوزها على قد حاله مش زي جوزك طارق بيعرف يتصرف ويجيب القرش من بؤ الأسد. جوازة الواد كريم دي طلعت روحها وخدت نص عمرها وهي بتجمع القرش. والواد كريم دا برضه ابن أخت جوزك وفي مقام ابنك، وفي جوازة زي دي لما تقفي معاه وتساعديه كخالته بقطعة دهب، دا الواجب والأصول اللي نتباكس بيها قدام الناس!”
أنا من كتر العصبية والغل اللي كان بيغلوا في صدري، صوتي بدأ يترعش بمرارة: — “يا ماما.. أنا لغاية دلوقتي ما أعلنتش إني مش هساعد ابن أخت جوزي! بس مفيش شرع ولا دين ولا عرف في الدنيا يقول إني أفرط في دهب جهازي وشقا أمي المتوفية وتفتري عليا قدام العيلة ب إني أكالة أمانات، عشان هي تجوز ابنها بفشخرة!”
نبرة حماتي اتقلبت تماماً وبقت حادة وشديدة الجفاف: — “يا رانيا.. الغويشة دي طالما في بيتك برضه فيها حق لابني طارق ورايه، وبأي حق تنفردي بالقرار لوحدك وتكسري كلمة أخت جوزك؟!”
رديت عليها بنبرة باردة، ناشفة وزي الحديد الصافية: — “خلاص يا ماما.. خلينا نشوف ابنك طارق نفسه عنده حق يقرر فيها ولا لأ، ورأيه إيه في اللي بيحصل ده!”
وقبل ما تنطق بكلمة ثانية أو تزيد في التحوير، قفلت السكة في وشها ونهيت المكالمة.
وفي الوقت اللي كنت بكلم فيه حماتي وبحارب على حقي، لقيت طارق عمال يرن عليا ورا بعض إنتظار. أول ما قفلت مع أمه، رجعت اتصلت بيه علطول وإيدي بتترعش.
صوته كان باين عليه الاستعجال الشديد، والضغط، والغضب المكتوم: — “رانيا! أنا لسه داخل على الجروب وشفت المهزلة دي.. هي أختي صفاء بتقول إيه وجايبة الجرأة دي منين؟! الغويشة الدهب دي بتاعتها إزاي وسلفتها لك إزاي؟! هو الكلام ده بجد؟!”
سألته بنبرة اختبار وصوتي محبوس: — “إنتَ مكانش عندك علم بالحوار دا يا طارق؟”
طارق صرخ بنبرة كان خلاص هينفجر فيها من كثرة العصبية: — “علم إيه وبتاع إيه يا رانيا؟! هي صفاء اتجننت ولا في عقلكوا حاجة؟! مش الغويشة دي بالذات هي دهب جهازك اللي مامتك الله يرحمها جابتهولك وعملت لك بيه العشرين جرام والتلاتين والتمانين؟! أنا فاكر كويس جداً يوم الفرح إن أختي صفاء هي نفسها نزلت صورتها وهي ماسكة إيدك على صفحتها وكتبت تتباهى بيكِ وبدهبك الفاخر قدام الناس وقرايبها! هي مالها دلوقتي؟! عايزة إيه بالذات وشغالة ندب ليه؟!”
لما سمعته بيتكلم بالشكل الحاسم ده، ومش مشترك معاهم في اللعبة الرخيصة ولا مخدوع بكلام أخته وأمه، حسيت بحمل تقيل أوي اتشال من على صدري ونفسي هدي شوية.
قلت له بصوت أهدى: — “مامتك لسه مكلماني حالا في التليفون يا طارق.. وبتقولي هاتي الغويشة دي نلحق بيها أختك ونجوز بيها كريم، وبتقول إن القرار في الأول والأخر قرارك إنتَ كرجل البيت، وإن الغويشة من حقك!”
طارق ضحك بصوت عالي كله سخرية وغل ورفض: — “حاجة مش بتاعتي أصلاً ولا ليا فيها مليم هقرر فيها بصفتي إيه؟! أقرر في شقا أمك الله يرحمها؟!”
قلت له أحاوره وأشوف آخره: — “طب لو كانت بتاعتك يا طارق.. كنت هتقرر وتديهالهم وتعدي الليلة عشان أختك؟”
شرح كلامه بسرعة وبنبرة رجل أصيل: — “أكيد لأ طبعاً! أنا مش قصدي كدة خالص يا رانيا! كل حاجة تخص دهبك وجهازك وبيتنا إنتِ صاحبة القرار الأول والأخير فيها. دي أمانتك وشقا أهلك. لو عايزة تساعدي صفاء من باب الجدعنة والفضل بقرشين سايبين ساعدي، لو مش عايزة إنتِ حرة ومحدش يقدر يجبرك! أنا معاكِ وفي ضهرك واللي تقوليه هيتم وينفذ على رقاب الكل.”
سكتت لثواني وأنا بستوعب موقفه الشريف. — “طب وإنتَ شايف الموضوع دا والافتراء اللي حصل في الجروب دا إزاي يا طارق؟”
رد بصرامة: — “هكون شايفه إزاي يعني؟! دا دهب جهازك وشقا أهلك المحفوظ، ومحدش في العيلة دي كلها له الحق يمد إيده عليه أو يلمس منه جرام واحد أو يقلل منك قدام الناس! موضوع أمي وصفاء دا سيبيه عليا تماماً.. أنا اللي هروح لهم وهتكلم معاهم وأحط حد للمهزلة دي بنفسي!”
وأوقفها عند حدها. إنتِ ما تشغليش بالك خالص ولا تحرقي في أعصابك.”
في اليوم التالي، طارق عمل اللي وعدني بيه بالظبط. اتصل بأمه وأخته وواجههم بوضوح شديد، وقال لهم إن حتة الدهب دي تخص مراته وجهازها ومحدش له دعوة بيها. بس طبعاً صفاء منشفتش دماغها بسهولة، وبدلاً ما تتكسف على دمها، فضلت تعيط بهستيريا وترن على قرايبها القريب والبعيد وتقولهم إن طارق واقع تحت تأثيري، وإني مقوياه على أهله وناكرة للجميل.
الجروب مهدِيش، والتلقيح والكلام بظهر الغيب كان عمال يزيد كل ساعة. عشان كده قررت أقطع عِرق وأسيّح دم، وعزمت العيلة كلها عندي في البيت يوم الجمعة بحجة إننا نتصافى، ونحل سوء التفاهم ده في قعدة رجالة وأصول تثبت الحق لأصحابه.
يوم الجمعة، البيت كان مليان على آخره. طنط جمالات جات وبصاتها كلها استعلاء، وعمتو نادية، ومنى بنت عمهم الكبيرة، وحتى عمو محمود اللي مش بيسيب قعدته ولا بيمشي في مشاكل حريم جه مخصوص عشان يشهد رد الحقوق ويفض المولد ده.
طبعاً صفاء دخلت البيت وهي شاردة ولابسة وش المظلومة المكسورة، حاطة وشها في الأرض ومسندة إيدها على ابنها كريم كأنها مش قادرة تمشي من التعب والظلم. وحماتي كانت قاعدة عينيها بتبص لي بنظرات عتاب ملوية وقاسية كأني جنيت على العيلة.
بعد ما ضيفتهم بنفسي، وشربوا الشاي والواجب اتعمل بالكامل، عمو محمود اتنحنح بصوت جهوري هز الصالة وقال: — “يا جماعة، إحنا اتجمعنا هنا النهاردة في بيت طارق ورانيا عشان نصلح النفوس ونراجع الأصول. يا رانيا يا بنتي، الأصول أصول ومحدش يزعل منها، والدهب ده طالما كان سلف ومأخوذ من صفاء عشان تجملي بيه نفسك يوم فرحك، لازم يرجع لأصحابه عشان الواد كريم يلحق يشتري شبكته ويتجوز.”
أنا ابتسمت بكل برود وراحة بال، وبصيت لصفاء اللي كانت منزلة عينيها الأرض وبتتمسكن قدامهم، وقلت بثبات: — “يا عمو محمود، على عيني ورأسي الأصول واللي الدين والأعرف بيمشوا بيه. بس أنا جمعتكم كلكم هنا النهاردة عشان الأصول برضه، وعشان كل واحد ياخد حقه بالمليم قدام الكل ومحدش يقول اتظلمت.”
حماتي اتدخلت بسرعة وقالت بحدة وجفاف: — “يعني هتسلمي الغويشة يا رانيا ونقفل السيرة الشؤم دي والمحاكم؟”
رديت بثقة وابتسامة واثقة: — “هتشوفوا بنفسكم دلوقتي مين اللي هيسلم ومين اللي هيتقفل بقه.”
قمت وقفت بكسوف راقي ودخلت أوضة النوم، ورجعت بعد ثواني ومعايا علبة قطيفة حمراء كبيرة، وفي إيدي التانية اللابتوب بتاعي. حطيت اللابتوب على الترابيزة الخشب في النص وفتحت الشاشة، ولفيت الظهر وخليت الشاشة في وش الكل عشان يتفرجوا.
قلت لهم والهدوء يخيم على الصالة: — “قبل ما أفتح العلبة القطيفة دي، أنا عايزة الكل من أكبركم لأصغركم يشوف الفيديو القصير ده الأول.”
شغلت فيديو قديم مسجل من ست سنين كاملة!
الفيديو كان واضح جداً، ونقي، وفيه صوت وإضاءة عالية كأنه متصور إمبارح. في الفيديو، كنت واقفة أنا وأمي الله يرحمها ويحسن إليها في محل صاغة شهير جداً ومعروف بالاسم في قلب الصاغة، والصائغ الكبير ماسك الميزان الحساس وبيوزن الغويشة دي بالذات، الغويشة المشغولة يدوي بشكل تراثي فريد وتقيل.
وفي الفيديو، صائغ الدهب بيبص لأمي وبيقول بوضوح وبصوت مسموع: “مبروك يا مدام.. الغويشة دي عيار 21 صافي، ووزنها بالظبط 50 جرام، وادي الفاتورة اهي باسم الآنسة رانيا.”
وأمي الله يرحمها في الفيديو كانت بتدعي لي والدموع في عينيها وهي بتلبسهالي في إيدي وتقول: “مبروك عليكِ يا رانيا يا بنتي، شقا عمرك وجهازك.”
أول ما الفيديو خلص، الصالة كلها وشوشهم اتقلبت 180 درجة! طنط جمالات برقت عينيها بذهول ورعب، وعمتو نادية حطت إيدها على بقها من الصدمة ومش قادرة تنطق، ومنى بصت لصفاء بنظرة شك قاتلة.
فتحت العلبة القطيفة الحمرا قدامهم، وطلعت منها أصل الفاتورة الرسمية المختومة بختم المحل والضريبة، ومعاها شهادة ضمان الدهب المكتوب فيها الوزن، والتاريخ، والعيار، واسم المشتري بالتفصيل الملل.
مسكت الفاتورة وحطيتها حازمة قدام عمو محمود على الترابيزة وقام صوتي بلهجة حاسمة وواثقة: — “ادي الفاتورة اللي صفاء طلعت في الجروب تقول إن مفيش حد بيشيل الفواتير وبتاعتها! الفاتورة مكتوبة باسمي أنا، والتاريخ ده قبل فرحي بشهر كامل يا عمو محمود! يعني لا طارق كان يعرف صفاء وقتها في حوار الدهب، ولا صفاء كانت تعرف شكل الغويشة دي أصلًا ولا شافتها غير في إيدي!”
البيت كله ساد فيه صمت قاتل، صمت تقيل لدرجة إن صوت نفس الناس كان مسموع.
عمو محمود مسك الفاتورة بإيدين بترتعش، وطلع نظارة القراية من جيبه وبص في الورقة والختم والاسم والتاريخ بتركيز شديد. بص في الورقة مرة وتنين وثلاثة، وشبّك صوابعه، وبعدين رفع رأسه ببطء شديد، وبص لصفاء اللي وشها اتصفى منه الدم وبقت زي العفريت، وقال لها بنبرة غضب وزجر هزت الصالة:
— “إيه الكلام ده يا صفاء؟! الفاتورة باسم رانيا والتاريخ قبل جوازكم بشرط.. انتِ طالعة تتبلي على مرات أخوكي وتعملي الفضيحة دي كلها في العيلة ليه؟!”
صفاء وقفت مبهوتة، لسانها اتعقد، والدموع المصنعة نشفت في عينيها، والكل بقى باصص لها بنظرات قرف واشمئزاز بعد ما انكشفت التمثيلية بالدليل القاطع!
عمو محمود رفع نظارة القراية ببطء، وهز الفاتورة الرسمية في الهواء وهو بيبص لصفاء بنظرة مليانة قرف وغضب هزت الصالة:
— إنتِ كنتِ بتتبلي على البنت وطالعة تعملي المناحة دي كلها في الجروب وعايزة تاكلي شقا أهلتها وعرقها بالباطل؟!”
صفاء وشها جاب ألوان الطيف، لسانها اتعقد، وبقت تتلعثم، وتعرَق، ونقط العرق نازلة على جبهتها. بصت لحماتي بإيدين بترتعش عشان تطلب النجدة وتلحقها من الفضيحة: — “أنا.. أنا قصدي.. يمكن اتلخبطت يا عمو! الغويشة الـ 50 جرام اللي كانت عندي وراحت مني كانت شبهها بالظبط ونفس النقشة اليدوي، افتكرتها هي!”
في اللحظة دي، طارق جوزي وقف فجأة من مكان مكانه، وصوته الجهوري الرجولي هز حيطان الشقة وألجم الكل:
— “شبهها إيه يا أختي؟! شبهها إيه اللي تخليكي تعيشي يومين كاملين تعيطي وتندبي في الجروب قدام أكتر من 30 شخص، وتتهمي مراتي بالباطل إنها حرامية وأكلت أمانتك ومال أيتامك؟! وفي الآخر كل اللف والدوران ده عشان طمعانة في دهب جهازها وشقا أمها المتوفية؟! عشان تجوزي ابنك وفشخرتك الكدابة، تفضحينا قدام القرايب والغرب وتطلعي مراتي بشكل وحش وبياعة أمانات؟!”
طنط جمالات هزت رأسها بخزي شديد، وبصت للرخام وقالت بكسرة نفس: — “يا خسارة يا صفاء.. يا ألف خسارة! خليتينا ننساق ورا كلامك ونتكلم في حق البنت ونظلمها معاكِ ونهاجمها. دا إنتِ بكيتِ في الريكوردات بدل الدموع دم، وفهمتينا كذباً إنك بتموتي وبتحتضري بسبب طمعها!”
وعمتو نادية طأطأت رأسها وهي بتبص لصفاء باستحقار، ومنى بنت عمهم مسحت على وجهها وهي بتقول: “لا حول ولا قوة إلا بالله، السحر انقلب على الساحر والظلم مابيدومش.”
أنا لميت الفاتورة الرسمية وشك الضمان بالفيديو، وحطيتهم جوة العلبة القطيفة الحمرا وقفل تها بضغطة صلبة وقوية سمّعت الكل في الصالة، وبصيت لصفاء بجمود وكبرياء:
— “أنا لغاية آخر لحظة، وقبل ما تفتحي بقك بالباطل في الجروب، كنت ناوية أقف مع ابنك كريم كواجب صلة رحم وأساعده باللي أقدر عليه من غير ما أضر نفسي.. بس بعد اللي عملتيه، وتشوية سمعتي، واتهامي بالسرقة وأكل الأمانات قدام العيلة كلها، أنا مش هقول غير: حسبي الله ونعم الوكيل. وحقي المعنوي ونظرة الشك اللي حطيتوني فيها مش مسامحة فيها قدام ربنا ولا قدام الناس دي كلها!”
حماتي نزلت عينيها في الأرض تماماً، ومبقتش عارفة تودي وشها فين من الفضيحة والكسوف بعد ما طارق ونظر القرايب أثبتوا عليها المشاركة في الظلم.
أما صفاء، فلما لقت الخناق اتضيق عليها وشافتها عين أعيان بالدليل والمستندات، قامت تجري بهستيريا، أخذت شنطتها المرمية على الكنبة وخرجت من باب البيت وهي بتعيط من الخزي والفضيحة، بعد ما كل العيلة عرفت حقيقتها، وطمعها، وكذبها اللي انكشف في لحظة فارقة.
عشت في بيتي بعدها عزيزة المكرمة، مع زوج أصيل صان كرامتي وما سمحش لأهله يظلموني، وبقت القصة دي درس لكل العيلة: إن شقا الناس ومالهم الحلال خط أحمر.. وأن اللي بيحفر حفرة لغيره بالباطل، بيقع فيها قدام الكل ويبقى عبرة لمن لا يعتبر!
تمت

