اخبتار الفتاه
سما سامح
أخدت خطيبتي لبيت أمي المهدود في البلد كنت فاكر اني بختبرها….
بس على آخر اليوم ده، عرفت إن البني آدم الوحيد اللي سقط في الاختبار هو أنا.
اسمي طارق، عندي 32 سنة، وشغال مدير القسم الفني في شركة مقاولات كبيرة في القاهرة.
دخلي في السنة يدخل في المليون جنيه، يعني مكفيني وزيادة إني أركب عربية أحدث موديل، وأأجر شقة تشطيب راقي في كومباوند نظيف، وآكل في مطاعم غالية، والناس من حولي يقولوا عليا راجل ناجح.
خطيبتي اسمها هبة. شغالة مدرسة حضانة في مدرسة خاصة صغيرة على أطراف الجيزة، ومرتبها على قدها خالص.
بس هي طيبة، وبالها طويل، وحنينة أوي مع العيال. وبقالنا 3 سنين بتحبني من غير ما تسألني عمري في يوم معايا كام، ولا هشتريلها إيه، ولا عيشتها معايا هتبقى شكلها إيه.
جوازنا كان خلاص على الأبواب.. ورق كتب الكتاب جهز، وقاعة الفرح اتجزت، وفستانها اتفصل واتقاس، والمعازيم من العيلتين جالهم الفرح.
كل اللي يشوفني كان يقولي يا بختك يا طارق.. أنت محظوظ إنك لقيت واحدة زي هبة.
بس كل ما يوم الفرح يقرب، كان فيه قلق في قلبي بيزيد.
في الشغل، كنت بقعد اسمع حكاوي زمايلي المتجوزين، وكل واحد يقولك يا عم إحنا اتدبسنا، ومكتشفناش إن الستات مبيفهموش غير لغة الفلوس والشقة والعربية والمنظرة غير بعد الجواز.
صحابامي كانوا بيضحكوا ويقولوا لي يا طارق، البنات بيبقوا ملايكة ومبيطلبوش حاجة قبل الفرح.. بس أول ما تعرف إن أمك ست بسيطة وعلى قد حالها وعيلتك مش مريشة، ساعتها هتشوف الوش التاني.
كنت بضحك معاهم من برايا.
بس كلامهم من جوايا كان عامل زي السم اللي عمال يبوظ دماغي.
أنا
اتولدت وكبرت في قرية صغيرة مقطوعة في ريف الغربية. أمي، الحاجة كريمة، لسه عايشة لوحدها في البيت القديم اللي أنا كبرت فيه؛ بيت طين قديم جدرانه مشققة، وسقفه صاج وقش، والدهان مقشر، وحواليه حوش تراب فيه شوية درة ونخلتين، وكانون قديم بتولع فيه حطب.
بقالي سنين بحايل في أمي وسحبها معايا تعيش في مصر القاهرة، بس كانت تبتسم وتقولي يا ابني أنا اتعودت على ريحة الأرض، وصوت الفراخ والبط الصبح، والعيش السخن وهو طالع من الفرن.. أنا مقدرش أتنفس في زحمة البندر يا طارق.
كنت بحب أمي أوي..
بس لو هكون صريح مع نفسي، كنت بتكسف من بيتنا ده.
قبل الفرح بأسبوع، قررت أعمل اللعبة دي واختبر هبة.
قلت لها الويك إند ده، أنا هاخدك معايا البلد عشان تشوفي أمي وتتعرفي عليها.
وش هبة نوّر وفرحت من قلبها في ثانية.
وقالت لي بجد يا طارق؟ ده أنا كان نفسي أشوفها من زمان أوي! وعايزاها كمان تخليني أقف معاها وتعلمني سر خبيزها والقرص الفلاحي اللي بتعملها.
مرديتش أروح بعربيتي زي كل مرة، قلت لها إنها عطلانة في التوكيل، وأخدتها من إيدها ورحنا على
موقف الأقاليم.
ركبنا ميكروباص مكركب ومخرع من القاهرة، وبعدين نزلنا ركبنا ورا في عربية ربع نقل بتاعة واحد جارنا، فضلت ماشية بينا في وسط مدقات تراب، وأراضي زراعية، وبيوت ريفية هادية نايمة تحت شمس العصر.
طول السكة، عيني مشلتهاش من على هبة.
الميكروباص كان زحمة وكتمة، والتراب عمال يدخل من الشباك يغرقنا، بس هي مكنتش بتنطق ولا تشتكي.
كل اللي عملته إنها طلعت منديل من شنطتها، ومسحت العرق من على جبيني براحة، وابتسمت وقالت
المكان اللي أنت طلعت منه جميل
أوي يا طارق.. فيه راحة بال غريبة.
سكت ومرديتش.
وقلت في بالي استني بس لما تشوفي بيت أمي.. هبقى أشوف هتقولي جميل وإنتي قرفانة ولا لأ.
قبل ما نسافر، كنت مكلم أمي وموصيها يا أمي، البسي أقدم جلابية عندك.. ولو هبة سألتك عن حالك، قولي لها إن ضهرك وركبك تعبانينك، وإن البيت مهدود ومش قادرة تنظفيه.. اشتكي لها شوية يعني.
أمي سكتت على التليفون كتير..
وبعدين سألتني بكسرة خاطر أنت بتختبر البنت يا ابني؟
حسيت بذنب، بس برضه عاندت وقلت لها أنا بس عايز أطمن يا أمي.
تنهدت وقالت فيه ناس يا طارق مش محتاجة نختبرها عشان نعرف إنهم ولاد أصول ونظاف من جوه.. بس لو ده اللي هيريحك، هعمل اللي أنت عايزه.
على العصر كده، لما العربية الربع نقل وقفت قدام بوابة البيت الخشب الموربة، قلبي بدأ يدق زي الطبلة.
البيت القديم كان زي ما هو مقصرش.
سقف الصاج مايل على جنب، الحيطان متبهدلة ومبقّعة من شتا السنة اللي فاتت، الحوش التراب مليان قش، وعناقيد الفلفل الأحمر ناشفة ومتعلقة على العروق الخشب، والستائر القماش البسيطة عمالة تطير مع الهوا الدافي.
أمي كانت قاعدة على كرسي خشب واطي جمب باب الدار، لابس جلابية قديمة منقوشة وباهتة.. ظهرها كان محني شوية، وإيدها ساندة على ركبها، وتبان كأنها مش قادرة تقف على رجلها من الوجع.
بصيت لهبة بطرف عيني.
كنت مستنيها تتصدم في مكانها..
مستني أشوف وشها يقع ويزعل..
مستني ضحكتها تختفي أول ما تفهم إن المكان الفقر المهدود ده هو ده أصل الراجل اللي هتتجوزه.
بس اللي حصل مكنش ليه أي علاقة باللي في دماغي المريضة.
أول ما هبة شافت أمي، ملامح وشها هديت خالص وضحكت
ضحكة صافية من قلبها.. مشيت عليها علطول من غير تردد، ووطت عليها، وأخدت إيدها باستها، واتكلمت معاها بمنتهى العشم والتلقائية كأنها عارفاها من سنين!
وقالت لها بحنية تشفي العليل يا أمي.. يا حاجة كريمة.. أنا جيت أهو. أكلتي ولا لسه؟ وركبك لسه بتوجعك؟ سيبيني أبص عليكي وأطمن.
أنا وقفت متسمر في مكاني مش عارف أتحرك.
حتى أمي نفسها اتفاجئت، وعينيها العجوزة فجأة دمعت.
هبة مفرقش معاها الحوش المترب، ولا الحيطان المشققة، ولا ريحة الدخان اللي مالية المكان.
حطت شنطتها على جنب، وشمرت كمامها، وسندت أمي ودخلتها جوا البيت، وسألتها على المطبخ فين
عشان تدخله وتشوف لو فيه عيش فلاحي تسخنهولها.
وقبل ما أنطق بحرف واحد، هبة لفت ليا، وطلعت ورقة متطبقة كويس من جيب الجاكيت بتاعها.
وقالت لي اقرأ دي كده يا طارق.
كرمشت وشي وأخدت الورقة من يدها.
كانت ورقة مكتوبة بخط إيدها، منظمة ومرتبة أوي، وجنب كل سطر فيه أرقام وملاحظات.
وفوق خالص، كانت كاتبة عنوان
حاجات نفسي أعملها لأمي الحاجة كريمة بعد الفرح
ريقي نشف والكلام وقف في زوري.
أول سطر كان مكتوب فيه إنها عايزة تشيل جزء من جمعية قبضاها عشان نصلح سقف البيت ونعزله قبل ما الشتا والمطر يدخلوا.
تاني سطر إنها عايزة تشتري مرتبة طبية مريحة لأمي، عشان كبار السن حرام يناموا وهم جسمهم بيوجعهم.
تالت سطر إننا لازم نيجي البلد كل أسبوع لغاية ما الحاجة كريمة تاخد عليها وتحبها.
أما آخر سطر.. فده اللي كسر عيني وكسر كبريائي تماماً
مش هخلي طارق يختار أبداً بين مراته وأمه.. البيت الأصيل بيساع الإثنين.
فضلت مبحلق في الورقة ووشي قايد نار من الكسوف
والخزي.
هبة مجتش هنا عشان تقيم أمي ولا تبص على فقرها.
دي
كانت جاية ومجهزة نفسها إزاي تحبها وتكرمها.
في الوقت اللي أنا جيبتها فيه زي المغفل، وفاكر إن الفقر هو اللي هيكشف معدنها..
لكنه في الحقيقة.. كشف معدني أنا والوساخة اللي في دماغي.
لما رفعت عيني أخيراً، كانت هبة واقفة جمب أمي، وبتعدل لها الشال الصوف القديم بتاعها على كتافها برفق.
بصت لي، ومكنش في وشها لا غضب ولا عتاب..
وده بالذات اللي خلا قلبي يتعصر من الوجع..
لأن الكلمة اللي قالتها بعد كده، كانت أخف من الهمس.. بس جرحتني وقطعت فيا أكتر من أي شتيمة.
بصتلي هبة بعينيها الهادية وقالت بصوت واطي
الفقير الحقيقي مش اللي بيته قديم يا طارق الفقير بجد هو اللي قلبه يضيق بالناس اللي حبته.
الجملة نزلت على صدري كأن حد ضربني بحديدة سخنة.
مقدرتش أبصلها.
أمي كانت واقفة ساكتة، باصة لي بحزن عمره ما ظهر في عينيها قبل كده.
وفجأة حسيت إني صغير أوي.
أصغر من البيت اللي كنت مكسوف منه.
وأقل من الست اللي جاية تحب أمي أكتر مني.
دخلت البيت من غير ما أتكلم.
هبة كانت بالفعل دخلت المطبخ، وبدأت تتحرك فيه كأنها بنت البيت من زمان.
سمعتها بتضحك مع أمي وهي بتقول يا حاجة كريمة، هو طارق كان بياكل كل ده وهو صغير؟ ده أكيد كان تخين ومقرقف.
وأمي ضحكت لأول مرة من قلبها وقالت ده كان عفريت وكان بياكل العجين قبل ما يستوي.
وقفت ورا الباب أسمعهم وحاجة جوايا كانت بتتكسر.
أنا اللي بقالي سنين كل زيارة للبلد بالنسبة لي عبء، وهي في أقل من ساعة خلت أمي تضحك وتونس.
بالليل، الكهربا
قطعت كالعادة.
والبيت غرق في ضلمة خفيفة، منورة بس بفانوس قديم.
قعدنا كلنا في الحوش.
أمي نامت بدري من التعب، وهبة كانت قاعدة جنبي على المصطبة الطين.
فضلت ساكت شوية وبعدين قلت
لها أخيرًا إنتي زعلانة مني؟
ابتسمت ابتسامة صغيرة وقالت مش زعلانة بس موجوعة.
الكلمة وجعتني أكتر.
قالت وهي باصة للسما أنا طول عمري فاكرة إن أكتر حاجة صعبة إن الواحد يتحكم عليه عشان فقير بس طلع الأصعب إن اللي بيحبك هو اللي يعمل كده.
بلعت ريقي وقلت أنا آسف.
هزت راسها وقالت عارف يا طارق أنا كنت يتيمة تقريبًا.
بصتلها باستغراب.
أول مرة تحكي.
قالت أبويا مات وأنا صغيرة وأمي كانت ست غلبانة بتشتغل في البيوت عشان تعرف تصرف علينا. الناس كانت تبصلنا بشفقة، وفي ناس كانت تعاملنا كأننا أقل.
سكتت لحظة وعينيها لمعت.
عشان كده أول ما قولتلي إننا رايحين البلد، أنا خفت مش من الفقر، لا خفت تكون بتتكسف من أهلك.
اتجمدت مكاني.
هي كانت فاهمة من البداية
فاهمة اللعبة القذرة اللي بلعبها.
بس مع ذلك كملت.
قالت كنت مستعدة أستحمل أي حاجة إلا إنك تكون شايف أمك عبء.
حسيت إن الأرض بتبلعني.
في اللحظة دي، سمعت صوت خبط جامد على باب البيت الخارجي.
قومت بسرعة.
لقيت واحد من أهل البلد واقف ووشه متوتر.
قال الحق يا طارق أم حسن وقعت في الترعة والناس مش عارفة تطلعها!
قبل حتى ما أفهم، هبة كانت قامت تجري برا البيت.
جريت وراها.
البلد كلها كانت متجمعة عند الترعة الصغيرة اللي جنب الأراضي.
ست كبيرة كانت
بتصرخ وهي بتحاول تمسك في الحشائش.
والناس واقفة مترددة عشان المية كانت عميقة والتيار قوي.
أنا اتجمدت ثانية
لكن هبة؟!
خلعت الطرحة بسرعة، ونزلت في المية من غير تفكير.
صرخت هبة انتي مجنونة؟!
لكنها كانت وصلت للست بالفعل.
فضلت تسندها وتحاول تزقها ناحية الناس.
وأنا نزلت بعدها أجري.
بصراحة؟ أنا ما نزلتش عشان الست
أنا نزلت عشان أنقذ هبة.
بعد دقائق صعبة، طلعنا الست بالعافية.
هبة كانت بتترعش من البرد، هدومها كلها طين ومية، لكن أول ما الست حضنتها وهي بتعيط وتقول ربنا يخليكي يا بنتي
هبة ابتسمت.
البلد كلها كانت بتبصلها بانبهار.
واحد من الرجالة قال بصوت عالي البت دي بنت أصول والله ما تستاهلش غير كل خير.
الكلمة خبطتني تاني.
بنت أصول.
وأنا؟ أنا كنت عامل إيه؟
رجعنا البيت متبللين.
أمي أول ما شافت هبة بالحالة دي فضلت تعيط وتقول يا ضنايا كان جرالك حاجة!
ولأول مرة شفت أمي بتحضنها كأنها بنتها بجد.
في الليلة دي، مقدرتش أنام.
فضلت باصص للسقف القديم وأفتكر كل مرة اتأخرت فيها على أمي عشان شكلي قدام الناس.
كل مرة كدبت فيها لما حد يسألني أنا منين.
كل مرة حسست أمي إنها أقل من الحياة اللي عايشها.
وقبل الفجر، قومت من مكاني بهدوء.
طلعت الورقة اللي هبة كانت كتباها.
وقعدت تحت كل سطر أكتب تنفيذ.
تصليح السقف؟ هيبدأ الأسبوع الجاي.
مرتبة جديدة؟ هتتوصل بكرة.
زيارة كل أسبوع؟ وعد.
لكن تحت آخر سطر وقفت طويلًا.
مش هخلي طارق يختار بين مراته وأمه.
إيدي اترعشت وكتبت
تحتها
وأنا أوعدك عمري ما هتكسف تاني من الست اللي تعبت عمرها كله عشاني.
تاني يوم الصبح، صحيت هبة على صوت عربيات كبيرة داخلة البيت.
خرجت
هي وأمي مستغربين.
كان معايا عمال ومهندس ومواد بناء.
هبة بصتلي بدهشة إيه ده؟
بصيت لأمي وقلت البيت ده اتعب فيه أبويا وأمي عمر كامل وأنا عمري ما اسمح له يفضل مهدود تاني.
أمي دموعها نزلت فورًا.
لكن المفاجأة الحقيقية حصلت بعدها بثواني.
واحد من العمال نده عليا وقال يا باشمهندس تعالى بسرعة.
طلعت أجري.
لقيت جزء من المخزن القديم اللي ورا البيت وقع وهو بينضفوه
ومن تحت الركام، ظهر صندوق حديد قديم مترب.
أمي أول ما شافته شهقت وحطت إيدها على قلبها.
وقالت بصوت مرتعش يا نهار أبيض الصندوق ده لسه موجود؟!
فتحت الصندوق بإيدي
ولقيت جواه حاجات قديمة لأبويا صور جوابات وكيس قماش صغير.
فتحته
واتصدمت.
دهب.
دهب كتير.
أمي قعدت على الأرض وهي بتعيط.
وقالت أبوك قبل ما يموت باع أرضه وحوّل تعبه دهب وخباه هنا عشان مستقبلك.
بصيت لها مصدوم طب ليه عمرِك ما قولتيلي؟!
قالت وهي بتبص لهبة كنت مستنية اليوم اللي أعرف فيه إن ابني بقى راجل يستاهل النعمة ومش هيبيع أهله عشان المنظرة.
السكوت قت*لني.
حتى بعد موته أبويا كان بيختبرني هو كمان.
وهبة؟ كانت الوحيدة اللي نجحت من أول لحظة.
بعد شهرين
اتعمل الفرح في البلد مش في القاعة.
هبة أصرت.
البيت اترمم بالكامل، بس من غير ما نفقد روحه القديمة.
وأمي بقت قاعدة كل يوم وسط الناس تضحك وتحكي بفخر
دي مش مرات ابني دي البنت اللي رجعتلي ابني لنفسي.
أما أنا
فأول مرة في حياتي، بقيت فخور فعلًا بالمكان اللي جيت منه.
