حكايات اماني سيد ج الاخير
وقفت قدامهم في وسط الشارع، وبصيت لحماتي وخالتها بكل قوة وعيني لمعت بالنصر وقلت لهم:
ـ أهو العفش اللي قولتوا عليا جربوعة ومستاهلوش، ومستخسرين فيا حتة اللقمة بسببه، نزل من شقتكم بفضيحة بجلاجل والمنطقة كلها بتتفرج عليكم! يا شماتة أبلة طازة فيكم!
فوزية خالت جوزي كانت بتصوت من البلكونة وتلطم على خدودها:
ـ يا فضيحتنا وسط الناس! يا ناس يا عالم الحقونا، جايبين لنا البوليس لحد باب البيت عشان شوية خشب! منك لله يا جملات أنتِ وابنك، طينتوا عيشتي وفضحتوني في منطقتي!
أما جملات، فكانت واقفة على الرصيف، وشها أزرق وعينها طالعة لبرة من الصدمة، قربت مني وهي بتقدم رجل وتأخر رجل، ونبرة الصوت الملكية اللي كانت بتكلمني بيها اختفت تماماً، وقالت بصوت مرعوب ومبحوح:
ـ مريم.. يا بنتي استهدي بالله، إحنا أهل برضه وميصحش الفضايح دي في الشوارع.. لمي الدور والناس اللي اتلمت دي، وكل اللي أنتِ عايزاه هيجرالك، بس بلاش حبس طارق.. طارق ده ابنك وسندك برضه!
ضحكت بصوت عالي سمّع المحضرين والعساكر وقلت لها:
ـ بنتك؟ دلوقتي بقيت بنتك يا جملات؟ فين الكلام ده وأنا بغسل السجاجيد وضهري بيتقطم؟ فين الكلام ده وأنا واقفة من النجمة بعمل المحاشي والبط وصواني البشاميل اللي طفحتوها؟ فين “بنتي” دي لما طردتيني من على السفرة وقولتيلي اطلعي كلي حتة جبنة قريش فوق في الهدوء؟ أهو أنا دلوقتي هاكل الشهد، وأنتِ وابنك هتاكلوا صوابعكم من الندم!
المحضر زعق وقال:
ـ يلا يا أساتذة، مفيش وقت للكلام ده.. افتحوا الأبواب عشان ننفذ قرار النيابة ونحمل العفش، وإلا هنكسر القفل بتهمة إعاقة تنفيذ حكم قضائي.
فوزية جريت وفتحت الباب وهي بتعيط وتدعي على جملات:
ـ خدو حاجتكم الله لا يكسركم! اطلعي يا مريم خدي شقاكي وعفشك وسيبيني في حالي، أنا ماليش دعوة باللي حصل، دي جملات هي اللي وزت طارق وقالتله انقل العفش هنا!
بدأوا العمال ينزلوا العفش.. أوض النوم، الصالون، الأجهزة الكهربائية اللي كانت لسه بكرتونتها، وحتى المواعين والحلل التيفال اللي استخسروها فيا. كل حتة خشب كانت بتنزل، كانت بتنزل معاها حتة من كرامتي اللي داست عليها جملات، بس المرة دي بتتردلي تالت ومتلت والشارع كله بيتفرج ويقول: “ياما تحت السواهي دواهي.. يستاهلوا عشان ظلموا البنت الشقيانة”.
في المحكمة، القاضي أصدر حكمه غيابياً على طارق بالحبس سنة مع الشغل بتهمة تبديد منقولات الزوجية، بناءً على الفيديوهات وتقارير المحضرين اللي أثبتت نقل العفش لبيت خالتها.
طارق من يومها مكنش بيبيت في بيته، بقا هربان زي الفأر من قسم لقسم، وخايف يتمسك في أي كمين. ورشته قفلت، وحاله اتقطع، وبقا يبعت ناس وأقارب عشان أتنازل عن القضية مقابل إنه يطلقني رسمي ويدي مؤخر الصداق.
وفي يوم، كنت قاعدة في بيت أهلي بأسيوط، وحاطة رجل على رجل، وبشرب كوباية الشاي السادة اللي كانت حماتي بتعايرني بيها، بس المرة دي كانت سادة بمزاجي وبصحتي اللي ردت فيا، وتليفوني رن.. رقم طارق!
فتحت الخط وجالي صوته المخنوق المكسور وهو بيبكي:
ـ مريم.. أرجوكي ارحميني، أنا بقيت هربان ومش عارف أمشي في الشارع، وأمي جايلها جلطة في البيت ومش قادرة تتحرك من كتر الحزن والفضايح.. أنا مستعد أطلقك وأديكي كل حقوقك كاش، بس اتنازلي عن قضية الحبس.. حرّمي عليا يا مريم، أنا عرفت قيمتك والله وأمي ندمانة.
بصيت لأخويا أحمد ولأمي اللي كانوا قاعدين جنبي ومبتسمين، وخدت بق من الشاي وقلت لطارق ببرود يفرس:
ـ ولسه يا طارق.. لسه اللي جاي أشد.. أنا مش هتنازل عن قضية الحبس غير بشرط واحد.. والشرط ده مش هيخطر على بال أمك جملات ولا أهلها كلهم..
طارق اتمسك بالقشة وقال بلهفة:
ـ شرط إيه؟ قولي وأنا هفذه فوراً، لو عايزة الشقة هكتبهالك، بس بلاش السجن يا مريم!
قلتله والابتسامة مالية وشي:
ـ شرطي هو…
قلتله والابتسامة مالية وشي، وصوتي فيه كل الثقة والتشفي:
ـ شرطي يا طارق إن أمك جملات، وخالتك فوزية، وبنت خالتك هناء، وسعاد مرات خالك.. الأربعة ييجوا لحد بيت أهلي هنا في أسيوط، ويقعدوا قدام أهلي وجيراني، ويعتذروا لي واحدة واحدة على كل كلمة قالوها في حقي ع السفرة. ومش بس كدة.. أمك تطلع فيديو لايف على صفحتي اللي فضحتوني عليها، وتقول قدام الناس كلها: “مريم ست الستات، وإحنا اللي ظلمناها وجينا عليها”.
طارق صرخ في التليفون بصوت مخنوق من الصدمة:
ـ إيه؟ أنتِ بتقولي إيه يا مريم؟ أمي أنا تيجي لحد عندك وتعتذر على المشاع وتطلع لايف؟ دي تموت فيها! جملات بكبريائها ده كله يستحيل توافق!
رديت عليه بكل برود وأنا بقفل السكة في وشها:
ـ خلاص يا طارق، طالما كبرياء أمك غالي عليك قوي كدة، خليها تنفعك وهي بتزورك في ليمان طرة.. قدامك ٢٤ ساعة، يا الشروط دي تتنفذ، يا تلبس البدلة الزرقا. سلام.
قفلت التليفون ورميته على الكنبة، وأمي فضلت تزغرد في الصالة من الفرحة، وأحمد أخويا قالي وهو بيطبطب على كتفي: “عافرم عليكي يا بنت أبويا، كدة جبتي حقك وحق شقاكي تالت ومتلت”.
في القاهرة، طارق كان قاعد في الصالة شادد في شعره، وجملات نايمة على الكنبة وحاطة قماشة بخل على رأسها وبتئن من التعب والهم. طارق قالها بصوت يرتعش:
ـ أمي.. مريم مش هتنازل، وطالبة إنك تروحي معاها أنتِ وخالاتي لأسيوط وتعتذروا لها، وتطلعي لايف على الفيس بوك تقولي إنك ظلمتيها.. وإلا المحامي بيقولي التنفيذ هيقبض عليا بكره الصبح!
جملات قعدت صرخت ولمت العمارة بصوتها:
ـ أنا؟ أنا جملات أروح لبت الأرياف أعتذر لها قدام أهلها؟ لا وعايزاني أتشهر في الفيس بوك والناس تاكل وشي؟ يستحيل! تموتني ولا تعمل فيا كدة!
خالتها فوزية دخلت عليهم الشقة وهي بتزعق:
advertisement
ـ هتعملي كدة يا جملات ورجلك فوق رقبتك! ابنك هيتحبس وأنا بيتي اتفضح بسبابكم، والبت مريم معاها حكم محكمة وقالبة الدنيا.. أنا مستعدة أسافر أسيوط وأبوس على رأسها كمان بس نخلص من المصيبة دي! هتروحي يعني هتروحي!
بدأ الضغط يزيد على جملات من كل ناحية، وأخواتها كلهم اتقلبوا عليها وخافوا من سيرة الحبس والفضايا اللي لفت المنطقة.. وتحت التهديد والذل، جملات وافقت وهي بتبكي دم بدل الدموع.
تاني يوم الصبح، كانت عربية ميكروباص مأجورة واقفة تحت بيت أهلي في أسيوط.. ونزل منها طارق، ووراه جملات وهي جارة رجليها بالغل والكسرة، ومعاها فوزية وهناء وسعاد.. وشوشهم كلها كانت في الأرض، ومفيش في عينيهم غير نبرة الانكسار.
أحمد أخويا استقبلهم في المندرة الكبيرة، وجمع كبار العيلة والجيران عشان يشهدوا على القعدة. دخلت أنا المندرة وأنا لابس أحسن طقم عندي، وشي منور، وراسي مرفوعة فوق في السماء..
أول ما قعدت، جملات بصت في الأرض، وبدأت تتكلم بصوت واطي ومكسور:
ـ إحنا جينا يا مريم عشان.. عشان نقولك حقك علينا، وإحنا غلطنا في حقك يوم العزومة.. وأنتِ ست الستات وشاطرة وتعبتي معانا..
وقفتهم بـ إيدي وقلت بصوت عالي سمّع الكل:
ـ الصوت واطي يا طنط جملات، أنا مش سامعة.. والكلام ده لازم يتقال في الموبايل دلوقتي حالا وأنا فاتحة اللايف، والكل يشوفه!
أحمد أخويا طلع الموبايل، وفتح صفحة الفيس بوك وفتح البث المباشر، ووجه الكاميرا لوش جملات وخالاتها.. جملات بلعت ريقها بصعوبة، وعينها دمعت من الذل، وبصت للكاميرا وبدأت تقول الكلام اللي يكسر كبريائها قدام الآلاف..
وفي اللحظة دي، وأنا شيفاهم مكسورين تحت رجلي بعد ما حاولوا ينهشوا في كرامتي، تليفون طارق رن برقم غريب.. طارق رد وشه اتقلب فجأة وبقى زي الأموات، وبص لأمه وقال بصوت يرتعش:
ـ الحق يا أمي.. المصيبة الكبيرة حصلت دلوقتي في الشقة في القاهرة!
طارق وقع تليفونه من إيده على السجادة، وشه بقى أبيض زي القماشة، وعينه برقت وهو بيبص لأمه وجسمه كله بيترعش. جملات سابت الموبايل واللايف وبصتله برعب وقالت:
ـ في إيه يا طارق؟ انطق يا ابني خضيتني! مصيبة إيه اللي حصلت في الشقة؟
طارق صوته كان طالع بالعافية وهو بيقول:
ـ الشقة.. الشقة اتمكنت منها يا أمي! المحامي بتاع مريم نفذ قرار التمكين التاني اللي كان واخده من النيابة، وكسروا القفل وغيروا الكوالين، وأجروا الشقة لواحد غريب بعقد قانوني وخدوا الفلوس كاش لحساب مريم! إحنا ملناش مكان نرجع فيه في القاهرة يا أمي!
جملات حطت إيدها على قلبها وصوتت صرخة هزت المندرة كلها، ووقعت من طولها على الأرض وأخواتها جريوا عليها يفوّقوا فيها.
أنا قعدت على الكرسي بتاعي، وبصيت لطارق وبصيت لأمه وهي مرمية في الأرض، ومتهزش فيا شعرة واحدة. اللي يظلم ويدوس على كرامة الناس، لازم يستحمل لما الديرة تدور عليه وتجيبه الأرض.
قمت وقفت، وبصيت لطارق وقلتله بمنتهى البرود:
ـ الشقة دي شقتي، شقايا وتعب السنين اللي كنت بتديه لأمك عشان ترضى عنك. والحمد لله القانون جابلي حقي ورجعلي شقتي اللي استخسرتوا فيا القعاد فيها. دلوقتي بقى يا طارق.. ورقتي تطلعي حالا، وتديني مؤخر الصداق بتاعي كاش قدام الرجالة دي كلها، وإلا قسم بالله اللايف ده مش هيقفل، والمحامي بتاعي واقف بره مع المحضرين يكملوا إجراءات حبسك!
طارق بص لخالاته وبص للرجالة، وعرف إن ملوش مفر، ولا بقاله ظهر يقف عليه. طلع دفتر شيكات من جيبه وهو إيده بترعش، وكتب شيك بكامل قيمة المؤخر والنفقة اللي المحامي كان طالبها، ورماه قدام أخويا أحمد وقال بصوت مكسور:
ـ أهو.. أهو حقك كله وزيادة يا مريم.. بس التنازل يتكتب دلوقتي حالا، وأنا هطلقك عند المأذون في أول دقيقة نوصل فيها الشارع.
أحمد خد الشيك، والمحامي دخل ومضاهم على التنازل عن قضية الحبس بعد ما استلمنا كل حقوقنا تالت ومتلت.
جملات قامت وهي ساندة على أخواتها، عينيها كانت مكسورة، وبصتلي نظرة أخيرة مفيهاش أي شماتة ولا كبرياء، نظرة واحدة عرفت إن الله حق، وإن دعوة المظلوم ملهاش حجاب. خدوا بعضهم وخرجوا من باب البيت وجروا وراهم خيبتهم وفضيحتهم اللي لفت مصر كلها في اللايف.
أول ما الباب اتقفل وراهم، حسيت إن جبل كان شايل لاه على صدري وانزاح. رميت نفسي في حضن أمي وأخويا وأنا بضحك من قلبي، ضحكة صافية مفيهاش أي دموع.
عرفت يومها إن الواحدة مننا لما بتيجي على كرامتها عشان “المركب تمشي”، المركب بتغرق بيها هي لوحدها. لكن لما بتقف وتجيب حقها بإيدها، الدنيا كلها بتعملها ألف حساب. قفلت تليفوني، وقعدت مع أمي وأخويا، وطلبت من أمي تعملي أحلى صينية محشي وبط، بس المرة دي.. هاكل منها وأنا حاطة رجل على رجل، وراسي مرفوعة في السماء، وكرامتي غالية ومحدش يقدر يمسها.
