بنت الاصول للكاتبة نرمين عادل همام

بسم الله والصلاه والسلام على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه وسلم
بنت الاصول بقلم نرمين عادل همام
ياسين القاضي كان قاعد في مكتبه عينه متبتة في التابلت اللي قدامه وكأنه بيخطط لمعركة حربية. قدامه قائمة الضيوف النهائية لحفلة جالا الفرسان.. أسماء تقيلة أوي وزراء رجال أعمال من الحيتان وورثة عائلات الباشوات بتوع زمان. الناس دي مش بس جاية تحضر دي الناس اللي بكلمة منها السوق كله يتغير.
ياسين كان راسم لليلة دي بقاله خمس سنين دي الليلة اللي هيعلن فيها عن صفقة مجموعة استرليني الصفقة اللي هتنقله من مجرد شاب طموح لواحد من ملوك السوق.
وفجأة صباعه وقف عند اسم ليلى القاضي.
اسم مراته كان محطوط في أول قائمة ال VIP. في اللحظة دي ياسين حس ب كسوف ملوش معنى. ليلى كانت.. هي ليلى الست الطيبة اللي صوتها واطي اللي بتحب بيتها والمطبخ وريحة العجين وبتفرح بالورد البلدي وكأنه كنز. ليلى كانت ست بيت بالأصالة بس ياسين في غروره كان شايف إنها مش هتعرف تشرفه قدام زوجات المستثمرين وسيدات المجتمع اللي جايين الحفلة. كان خايف من بساطتها وصدقها وشايف إن الصدق في مكان زي ده يعتبر خسارة.
ياسين خد نفس طويل وحس بقلبه بيتحجر. مروان مساعده كان واقف جنبه وساكت.. السكون اللي بيعبر عن إن مروان فاهم اللي بيدور في دماغ ياسين. مروان قال بوشوشة القائمة هتروح للمطبعة كمان عشر دقايق يا فندم لو اتقفلت مش هنغير فيها كلمة.
ياسين ومن غير ما يرفع عينه ضغط على اسم ليلى وظهرت له الخيارات.. وعينه جت على كلمة حذف. مروان اتخض يا فندم ياسين رد ببرود مرعب ليلى مش هينفع تيجي الليلة دي. مروان استغرب جدا مدام ليلى دي دايما

معاك في كل خطوة!
ياسين بص له بحدة وقال الحفلة دي يعني برستيج وواجهة يا مروان مش خروجة عائلية. أنا محتاج الناس تشوفني راجل مكانه القمة مش واحد متجوز حبيبته بتاعة الكلية وماسك فيها عشان يحس بالأمان. مروان اتضايق وقال بس هي مش مجرد أمان يا فندم دي شريكة عمرك. ياسين مسكتش ومال على الشاشة وداس حذف. ظهرت له رسالة هل تريد إلغاء تصريح الدخول داس نعم بكل قسوة وكأنه بيمسح تاريخها من حياته.
مروان سأله تحب أبلغها يا فندم ياسين وقف وبدأ يظبط ازرار بتاع قميصه الغالي وقال بزهو لا أنا هعرف أتصرف. لبس الجاكيت وهو فاكر إنه كدة بيبني مستقبله مكنش يعرف إن ليلى مدارية عنه بحر من الأسرار وإنها بنت عيلة أصول وثروتها وتاريخ أهلها أكبر بكتير من كل اللي بيحلم بيه وإنها كانت بس مستنية تشوف أصله لكنه للاسف سقط في أول اختبار.
ياسين وهو ماشي ناحية الباب بص لمروان وقال بلهجة مفيهاش نقاش ابعت العربية تجيب نورا هشام.. هي اللي هتكون معايا الليلة دي في الحفلة.
مروان عينه برقت من القلق والدهشة نورا هشام بس يا فندم دي مش..
ياسين قطعه ببرود وكأنه بيتكلم عن صفقة تجارية هي دي اللي الكاميرات بتجري وراها.. والكاميرات والمنظرة هما العملة اللي بنتعامل بيها في الزمن ده والناس مش عايزة تشوف ست بيت عايزة تشوف واجهة.
وقف عند باب المكتب ولف راسه لورا كأنه افتكر حاجة بسيطة مش مستاهلة الذكر وعلى فكرة يا مروان أيوة يا فندم لو ليلى جت الحفلة لأي سبب أو حاولت تدخل.. ابتسم ياسين ابتسامة باردة وزي حد السكين .. متخليهاش تعتب الباب مش عايز شوشرة ولا شكل ملوش لازمة قدام الضيوف.
مروان اتسمر مكانه مذهول من جبروت ياسين. أما ياسين فخرج من المكتب وهو حاسس إنه خفيف كأنه أخيرا قص آخر خيط بيربطه بحياته القديمة اللي كان شايفها بيئة ومبتناسبش مقامه الجديد.
ياسين مكنش يعرف إن نظام الشركة أرسل فورا تقرير بعملية الحذف دي.. مش بس لأمن الحفلة لا ده راح لسيرفر سري في مدينة زيورخ. سيرفر تابع لشركة قابضة مستخبية هي اللي بتملك فعليا مجموعة القاضي وكل قرش فيها. شركة العالم كله ميعرفش عنها غير اسمها بس مجموعة أورورا.
وبعد خمس دقايق في فيلا قديمة أوي وراقية جدا في حي جاردن سيتي الفيلا دي ملك لوالد ليلى الله يرحمه وياسين عمره ما دخلها ولا يعرف عنها حاجة كانت ليلى قاعدة في الجنينة ورا ساندة على ركبها في الطينة بتزرع وردة جديدة بابتسامة هادية وإيدها كلها تراب. شعرها كان ملموم لورا ببساطة ولابسة هدوم شغل قديمة عليها بقع بوية. كانت باينة زي ما ياسين بيوصفها دايما قدام الصحفيين عشان يبان متواضع ومثالي مراتي ست بسيطة.. هي اللي مخلياني دايما رجل في الأرض وعارف أصلنا.
ليلى مسحت إيدها في المريلة ومسكت الموبايل. شافت إشعار على الشاشة مكتوب بوضوح يوجع أي حد إلا هي تنبيه تم إلغاء تصريح الدخول الخاص بك.. الاسم ليلى القاضي.. بناء على أمر السيد ياسين القاضي.
ليلى بصت للرسالة ببرود غريب. مشهقتش.. معيطتش.. حتى الموبايل موقعش من إيدها في الطينة. الحنية اللي كانت دايما في عينيها.. اختفت تماما. وحل مكانها نظرة حادة وكأنها شفرة حلاقة.
مسحت الإشعار وفتحت تطبيق تاني على الموبايل.. تطبيق محمي ببصمة عين وشفرات معقدة. حطت صباعها على الحساس الشاشة اسودت ثانية.. وبعدين ظهر شعار ذهبي فخم مكتوب عليه مجموعة أورورا.
الشركة دي اللي مكنش ليها حتى موقع على الإنترنت من كتر قوتها. الشركة اللي بتملك مواني وبراءات اختراع وخطوط شحن وعقارات في أرقى مناطق القاهرة أكتر من اللي بتملكه شركات عالمية. الشركة اللي ب هدوء استثمرت في أول مشروع فاشل لياسين من خمس سنين.. بالظبط قبل ما يتحول فجأة ل غول في السوق.
ياسين كان عايش في وهم إن مستثمرين أجانب هما اللي اكتشفوا عبقريته. عمره ما اتخيل إن الفلوس اللي كبرته كانت قاعدة تفطر معاه كل يوم الصبح على نفس التربيزة وبتاكل من إيدها عيش وفينو.
ليلى ضغطت على اسم متسجل بكلمة واحدة الذئب. الرد كان في ثانية مدام ليلى وصلنا تقرير الإلغاء.. هل فيه غلط في النظام
صوت ليلى مكنش هو الصوت الرقيق اللي ياسين متعود عليه. كان صوت واحدة تانية خالص صوت حد بيأمر بجد لا مفيش غلط.. جوزي قرر إنه يستكبر عليا وشايف إني كسفة ومش من مقامه في حفلة الليلة.
سكتة صغيرة.. سكتة مرعبة. الذئب رد مفهوم.. تحبي نوقف تمويل صفقة استرليني ونهد المعبد دلوقت
ليلى قامت ودخلت الفيلا وهي بتفك المريلة بحركات بطيئة وموزونة. وقالت بصوت هادي وواثق لا.. كدة الموضوع هيبقى سهل وخلص في ثانية وأنا عايزة أعلمه درس ميتنسيش.
سكتة تانية. أومال تحبي نعمل إيه يا هانم
ليلى دخلت غرف الملابس في فيلتها الخاصة الفيلا اللي هي شايلة فيها أصلها وتاريخ عيلتها الكبير اللي ياسين ميعرفش عنه غير القشور. شالت شوية فساتين عادية وطلعت مفتاح قديم. فتحت خزنة كبيرة في الحيطة كانت مستخبية ورا مراية.
الخزنة كانت مليانة فساتين سهرة عالمية وخزن مجوهرات مبيتلبسش غير في القصور ووثائق رسمية تخص نص شركات السوق. شفايف ليلى اترسمت عليها ابتسامة ملمستش
لمحة نيوز

عينيها. وقالت ببرود جوزي عايز واجهة.. عايز منظرة.. أنا بقى هوريه الواجهة الحقيقية بيبقى شكلها إيه لما بنت الأصول تقرر تكشف عن وشها الحقيقي وتوقف التمثيل.
الساعة ٧ ١٢ مساء ياسين القاضي نزل من عربية فخمة سودة قدام سلم الفندق الكبير. السجادة الحمراء كانت عبارة عن بحر من الكاميرات وصريخ بأسماء المشاهير. ياسين بيه! بص هنا! يا أستاذ ياسين! ابتسامة للكاميرا! دي نورا هشام اللي معاك
ياسين لف دراعه حوالين وسط نورا وكأنها جائزة فاز بيها ومصدقش نفسه. نورا كانت لابسة فستان فضي مكشوف وشعرها متسرح بزيادة نوع من الجمال اللي بيخطف العين بس ملهوش هيبة. ياسين كان مبهور بنظرات الناس ليهم.. مبهور بالفلاشات اللي كانت بتحسسه إنه خلاص بقى من الآلهة بتوع السوق.
صحفي زعق وسط الزحمة فين المدام يا ياسين بيه مش متعودين نشوفك من غيرها! ياسين مردش بلهفة كان مجهز الرد ليلى تعبانة شوية قالها بنظرة تمثيلية فيها شفقة عشان تطلع في الصور ممتازة هي بتفضل الهدوء والبيت والجو الصاخب ده مش سكتها بصراحة. نورا ضحكت رقة ودلعت عليه وحسست الكل إن مكانها هنا هو الطبيعي وإن الزوجة اللي في البيت دي خلاص موضة قديمة.
طلعوا السلم وسط تصفيق وفلاشات الكاميرات اللي مكنتش بتهدأ. جوه القاعة الحفلة كانت عبارة عن لوحة فنية من الفخامة اللي تخطف العين.. الورد الأبيض مالي المكان ونافورات الكريستال بتصب شربات وفرقة جاز صوتها فخم وراقي حتى وهي بتهز المكان بهدوء. ياسين كان بيلف في القاعة وكأنه ملك متوج بيسلم على ده ويضحك لده وبيجمع في نظرات الإعجاب تأكيدات على عظمته ونجاحه.
وفجأة سمع الصوت اللي كان مستنيه بفارغ الصبر ياسين! ثروت استرليني. . راجل بكتفين عراض هيبته تسبقه عنده 60 سنة ومن النوع اللي بكلمة منه يشتري شركات ويدفنها في ثانية. ابتسامة ياسين بقت أعرض من أي وقت فات ثروت بيه.. منور الحفلة كلها. عيني ثروت راحت ل نورا اللي واقفة جنب ياسين وبعدين رجعت لياسين بنظرة مفيهاش أي انبهار كنت مستني أقابل ليلى.. مراتي معجبة جدا بنشاطها الخيري وبأصلها.
صدر ياسين اتشنج من الضيق بس حافظ على الابتسامة المرسومة بصعوبة والله ليلى في البيت.. جالها صداع نصفي مفاجئ ومقدرتش تيجي. ملامح ثروت مغيرتش بس قرب من ياسين وقال له بلهجة جد مندوب أورورا واصل الليلة دي.. والخبر الأكيد إن رئيس المجموعة نفسه هيحضر الحفلة بشخصه.
قلب ياسين نط من مكانه أورورا الرئيس بنفسه حاول يبان هادي بس فشل وعرقه بدأ يبان. ثروت هز راسه محدش شافه قبل كدة.. بس الإشاعات بتقول إنهم بيملكوا نص البلد. ياسين حس بكهرباء في عروقه.. لو قدر يبهر رئيس أورورا.. لو أخد الصورة ولا السلام.. مش بس هيبقى غني ده هيبقى فوق أي مساءلة. لف ل نورا بحماس وهو بيقول سمعتي الليلة دي هتغير كل حاجة في تاريخنا.
وفجأة.. المزيكا وقفت تماما. القاعة سكتت سكوت مريب.. هدوء نزل على الناس كأن حد سحب الأكسجين من المكان. عند السلم الكبير الأبواب الضخمة بدأت تتفتح ببطء وهيبة. المذيع طلع قدام وهو باين عليه التوتر والمايك في إيده بيترعش سيداتي وسادتي.. من فضلكم وسعوا الممر النصفي.. فيه وصول أولوية قصوى حالا.
ياسين طلع قدام فورا وشد نورا معاه بقوة. وقف نفسه عند أول السلم في زاوية مثالية للكاميرات كان عايز يكون أول وش يشوفه رئيس أورورا العظيم. الأبواب اتفتحت على آخرها وظهر خيال لست.. طويلة.. بتمشي بتمهل وثبات يهد جبال. الخيال طلع للنور والقاعة اللي مليانة بناس نادرا لما بتهتم بحد طلعت صوت شهقة جماعية من الذهول.
لأن الست اللي نازلة من على السلم مكنتش خواجة سويسري عجوز ولا مستثمر أجنبي. كانت لابسة فستان قطيفة كحلي ملكي مرصع بألماظ حر بيخطف النور وكأنه مجرة نجوم في ليلة ضلمة. شعرها نازل بتموجات ناعمة وراقية وعلى رقبتها فص ياقوت أزرق ضخم لدرجة إنه يبان خيالي ومن أغلى مجوهرات عيلة فياض العريقة. مبصتش للقاعة بتوتر.. القاعة هي اللي كانت بتنحني لهيبتها.
كأس الشربات وقع من إيد ياسين واتدغدغ ميت حتة على الرخام ومخدش باله أصلا لأن عقله كان رافض يصدق اللي عينيه شايفاه. دي ليلى.. بس مستحيل تكون هي! ليلى البسيطة اللي سابها في البيت بتزرع ورد.. ليلى اللي اتمسحت من القائمة عشان تكسفه.
الست وصلت لنص السلم والمذيع بلع ريقه وأعلن بصوت بيترعش من الرهبة نرجو الوقوف للترحيب بمؤسس ورئيس مجموعة أورورا.. السيدة ليلى فياض القاضي.
وفي ثانية الكل وقف. مش مجرد تصفيق.. ده كان احترام نابع من الخوف والاعتراف بالقوة. نوع من الطاعة العمياء اللي بتحصل لما القوة الحقيقية تدخل المكان. ياسين موقفش هو مكنش قادر يقف أصلا.. ركبه خانته ومسمعتش الكلام. ليلى نزلت آخر سلمة ووقفت على بعد متر منه. مبصتش ل نورا ولا بصت للكاميرات اللي كانت هتتجنن عليها. بصت لياسين وكأنه شخص غريب تاه ودخل حياتها غلط.
أهلا يا ياسين ليلى قالت بصوت واطي أنيق وشيك بس حامي لدرجة إنه يقطع الإزاز. سمعت إن كان فيه مشكلة في كشف الضيوف والسيستم حذف اسمي.
ياسين غصب على نفسه ضحكة صفراء مهزوزة وهو بيحاول يجمع شتات نفسه ليلى همس بفحيح وهو بيحاول يسيطر على الموقف كأنه بيمسك دخان إنتي بتعملي إيه إنتي بتصغري نفسك كدة.. اتفضلي روحي البيت حالا.
ليلى مالت براسها شوية وكأنها بتتفرج على طفل بيحاول يمثل البيت رددت الكلمة بسخرية هادية بس الحفلة دي.. حفلي أنا.. والقاعة دي بإيجارها بناسها بيك إنت شخصيا.. ملكي.
ياسين قرب خطوة ومد إيده يمسك دراعها أوتوماتيك عشان يجرها لبره بأسلوبه المعتاد في السيطرة. وقبل ما صوابعه تلمس طرف فستانها إيد ضخمة كلبشت في معصمه وعصرته. سيف الفياض.. أخوها الكبير.. هيبة تمشي على الأرض طوله فارع وفيه جرح قديم عند حاجبه بيحكي قصص قوة.. النوع اللي ميهددش ده بينفذ فورا. مش أنصحك تعمل كدة خالص سيف همس في ودنه ببرود يرعب.
ريق ياسين نشف تماما. نورا حبت تتدخل عشان ترجع الأضواء ليها وتحاول تنقذ الموقف بجهل فضحكت بصوت عالي وماسخ يا خبر! بجد الموقف قلب دراما أوي.. يا ياسين المدام الطيبة شكلها قررت تلبس فستان تنكري وتعمل فيها هانم النهاردة.
نظرة ليلى راحت ل نورا لأول مرة من ساعة ما دخلت. مكنش فيه في عينيها غضب ولا غيرة كان مجرد تقييم بارد نظرة حد قرا تاريخ نورا كله في ثانية.
ليلى بلطافة مرعبة يا أهلا يا نورا.. نورا هشام موديل إعلانات سابقة واتطردتي من الوكالة في 2021 بسبب سلوك غير احترافي ومشاكل مع زمايلك.
ضحكة نورا المصطنعة اختفت فورا وليلى كملت بمنتهى الهدوء دلوقت إنتي متأخرة في إيجار الشقة اللي قاعدة فيها في المعادي والشقة دي تملكها شركة عقارات تابعة ل أورورا.. ولابسة فستان مستلفاه من أتيليه ولازم يرجع بكرة الصبح قبل الساعة 9.
عيني ليلى نزلت لشنطة نورا الصغيرة وحتى الأوبر اللي جابك هنا إنتي محاسبة عليه ب فيزا شركة ياسين.
وش نورا بقى

أبيض زي الورقة وبدأت تتهته إنتي.. إنتي عرفتي الكلام ده منين
ليلى قربت منها خطوة وصوتها لسه هادي عشان مفيش فتفوتة في عالم ياسين ملكه أصلا.. حتى الوهم اللي هو عايشك فيه أنا اللي دافعة تمنه.
نورا بصت لياسين برعب وياسين زوره اتحشر فيه الكلام وبصوت مهزوز قال ليلى.. بس كفاية.. إيه الجنان ده
ليلى سابته خالص ومدت إيدها لثروت استرليني اللي كان واقف مبهول ثروت بيه.. بعتذر جدا لو اتأخرت عليكم.
ثروت مترددش ثانية واحدة أخد إيدها وباسها كأنه بيحيي ملكة ده الشرف لينا إحنا يا مدام ليلى.. نورتي بيتك.
ياسين حس إن الأرض بتلف بيه وروحه بتتسحب منه. ليلى بصت له ببرود تام وقالت دلوقت يا ياسين.. نقدر نقعد ونتكلم في صفقة الدمج.
ياسين طلع لقدام بصوت عالي من كتر اليأس أنا المتحدث الرسمي! دي شركتي أنا اللي بنيتها بدمي!
ليلى عينيها مرمشتش حتى وقالت بصوت واطي بجد ياسين بقه اتفتح وليلى كملت وهي بتهده قدام حيتان السوق مين اللي سدد ديونك الأولى لما كنت هتقفل أورورا. مين اللي اشترى براءات الاختراع اللي خلت الناس تفتكر إنك عبقري أورورا. مين اللي بيملك السيرفرات وعقود إيجار المقرات وحتى القرض اللي ماشي بيه حالك
ياسين فضل واقف متجمد مكانة وليلى ختمت كلامها إنت مكنتش ملك يا ياسين.. إنت كنت مجرد الوش اللي محطوط على الإعلان.. والليلة دي الإعلان ده هيتشال.
العشا كان كابوس لياسين. مكانه اتغير في لحظة ليلى قعدت على التربيزة البلاتينية مع ثروت بيه والوزراء وياسين لقى اسمه على تربيزة 42 في آخر القاعة جنب باب المطبخ. نورا أول ما عرفت إن ياسين ملوش سلطة فص ملح وداب واختفت من الحفلة فورا.
ياسين قعد لوحده بيتفرج على ليلى وهي بتضحك وتتكلم فرنساوي بطلاقة مع ناس هو بقاله سنين بيحلم بس يسلموا عليه. وفي الآخر ومن كتر الذل قام ومشي وسط القاعة وضرب بإيده على تربيزة ليلى.
ياسين بزعيق كفاية بقى! بطلي التمثيلية دي! إنتي جيتي هنا عشان تكسفيني وتصغري مني امضي الورق وخلصينا وخليني أشوف شغلي!
القاعة كلها سكتت. ثروت استرليني بص له ونظرة القرف مالية وشه وبصوت حازم قال ياسين.. إحنا كنا بنناقش تفاصيل لوجستية معقدة حاجة إنت نفسك معرفتش تشرحها في آخر اجتماع.
وش ياسين احتقن بالدم وبقى أحمر وشاور على ليلى بهستيريا دي متعرفش أي حاجة! دي آخرها تزرع ورد وتعمل عيش في المطبخ! دي كانت بتلعب بيت بيوت وأنا اللي بنيت الكيان ده.. أنا اللي بشتغل 18 ساعة في اليوم!
ليلى حطت كاس العصير من إيدها بهدوء.. صوت رنة الكاس على التربيزة كان أقوى من زعيق ياسين.
ليلى بصوت موزون 18 ساعة.. خلينا نكون دقيقين يا ياسين.
ياسين سخر منها بمرارة أيوة.. وريني هتقولي إيه.
ليلى معليتش صوتها مسكت ريموت صغير كان على التربيزة وضغطت على زرار. الشاشة الضخمة اللي كانت محطوطة عشان عرض ياسين نورت فجأة بس مظهرش عليها مشروع.. ظهرت وثائق مالية مرعبة.
صوت ليلى طلع واضح ومسيطر دي سحوبات غير قانونية من حسابات الشركة اتحولت لحسابات بره البلد تحت بند استشارات لشركة وهمية تملكها الآنسة نورا هشام.
وش ياسين بقى أبيض زي الجير لا.. مستحيل..
ليلى داست على زرار تاني ظهر فيديو من كاميرات مراقبة وصوت ياسين كان واضح وهو بيضحك في اجتماع سري مش فارق معايا الأمان.. نزلوا المنتج السوق فورا ولو حصلت مشاكل نلبسها للمستخدمين. أنا بس عايز السهم يعلى قبل الحفلة عشان أسيل أسهمي وأخلع وأطلق ليلى. . هي خلاص مصلحتي معاها خلصت وبقت حمل تقيل عليا.
القاعة ماتت من السكوت. ثروت استرليني وقف وصوته بيترعش من الغضب حفيدتي بتستخدم أجهزتك.. إنت كنت مستعد تخاطر بحياة الناس عشان قرشين زيادة
ياسين بدأ يرجع لورا وهو بيترعش ثروت بيه.. استنى بس.. ده كلام خارج سياقه
ثروت بزئير أمن!! شيلوا البني آدم ده من قدامي!
اتنين من رجال الأمن قربوا عليه ليلى رفعت إيدها فوقفوا مكانهم. وقالت ببرود مرعب لسه.
قامت من مكانها وفستانها القطيفة بيجر وراها وياسين بدأ يتذلل لها وهو مخنوق ليلى.. أبوس إيدك.. أنا كنت تحت ضغط.. أنا كنت غبي.. إحنا فريق واحد.. فاكرة وعودنا لبعض
ونزل على ركبه قدام الكل.. الراجل اللي كان بيستكبر عليها نزل تحت رجليها بيطلب السماح. ليلى بصت له من فوق وللحظة ظهرت في عينيها لمحة حزن على العشرة بس اختفت فورا لأنها عرفت إن ياسين مكنش بيحبها هي كان بيحب الستر اللي كانت موفراه له.
ليلى شالت إيده من على فستانها بكل رقة وبصت في عينيه بنظرة أخيرة كلها أسى على الشخص اللي كانت فاكرة إنها تعرفه وقالت بصوت واطي وحزين لا يا ياسين.. إنت مبتحبنيش إنت حبيت الصورة اللي أنا رسمتهالك.
ياسين ملامح وشه اتشنجت وبدأ ينهار بحبك! والله بحبك! إنتي كل حياتي! ليلى لفت وشها عنه وبصت ل سيف الفياض وقالت بلهجة آمرة سيف. أمرك يا مدام ليلى. نفذ ال إعادة ضبط.
ياسين رمش بعينه وهو مش فاهم الرعب بدأ يتسلل لقلبه ال إيه إنتي بتقولي إيه سيف لمس السماعة اللي في ودنه وقال كلمة واحدة نفذ.
في لحظتها موبايل ياسين اللي في جيبه بدأ يتهز بعنف.. طلعه بلهفة وهو بيحاول يتصل بمحاميه لكن الإشعارات بدأت تنزل على الشاشة زي المطر
تم إلغاء بصمة الوجه.
تم إغلاق جميع كروتالائتمان.
تم سحب تصريح دخول السيارة التابعة للمجموعة.
تم إلغاء كود دخول الشقة الفاخرة.
تم تعطيل مفتاح السيارة الذكي.
جميع الحسابات البنكية مجمدة رهن التحقيق الرسمي.
ياسين فضل باصص للموبايل وهو بيترعش بجنون إنتي بتعملي إيه إنتي بتدمريني صرخ وسط القاعة. صوت ليلى مشي في المكان وكأنه حكم نهائي من محكمة كل حاجة بتستخدمها يا ياسين.. من أول البدلة اللي إنت لابسها لحد مكتبك اللي بتقعد عليه.. كلها إيجار من مجموعة أورورا.
عيني ياسين بقت بتلف زي المجنون تحويشة عمري.. فلوسي اللي في الحسابات الشخصية! ليلى ملامحها متهزتش وقالت ببرود كانت في حسابات بره.. ومن 3 دقايق بالظبط البنك المركزي جمدها بعد بلاغ رسمي بإنها ناتجة عن عمليات مشبوهة.
نفس ياسين اتقطع إنتي.. إنتي بلغتي عني ليلى بصت لهدوء لناحية باب القاعة وقالت أنا مكنتش محتاجة أبلغ.. الجماعة بتوع الأموال العامة كانوا معزومين معانا الليلة بقلمي نرمين عادل همام
أربعة من رجالة المباحث بملابس مدنية طلعوا قدام وظهرت شاراتهم الرسمية. ياسين ركبه خانته ووقع في الأرض وسط ذهول الحاضرين. الأمن مسكه من كتافه وهما بيجروه لبره القاعة لف راسه لورا وبدأ يصرخ بكل غل عشان يحاول يكسرها لآخر لحظة إنتي ولا حاجة من غيري! إنتي مجرد واحدة جناينية بتاعة ورد! الشركة دي هتخرب في إيدك في أسبوع!
ليلى مسكت المايك وبكل هدوء زي التلج اللي بيغطي الأرض قالت أنا مش مجرد ست بيت يا ياسين. القاعة كلها كتمت نفسها. عيني ليلى كانت ثابتة وصوتها كان هو الكلمة الأخيرة في الحكاية أنا البيت كله.. والبيت دايما هو اللي بيكسب في الآخر.
الأبواب اتقفلت وراه بقوة ورزع هزت المكان. ساد صمت رهيب لمدة تلات

ثواني وبعدين ثروت استرليني بدأ يصفق.. ببطء.. وبكل احترام. تصفيق واحد بقى ميات والقاعة كلها وقفت في زلزال من التصفيق مش عشان النمرة اللي حصلت لكن تقديرا للقوة الحقيقية اللي كانت مستخبية وظهرت بكل هيبتها.
بعد ست شهور
المطر في شوارع القاهرة كان بينزل بغزارة كأنه بيحاول يغسل المدينة وينضفها من كل الوجع والخداع اللي فات. جوه مقر شركة أورورا الفياض الدور الإداري كان شكله اتغير تماما مفيش صور ولا أغلفة مجلات تلمع فيها صور ياسين ولا الجوائز المزيفة.. القاعة بقت عبارة عن خطوط هندسية راقية هدوء بيوحي بالهيبة والعمل الجاد بقلمي نرمين عادل همام
ليلى كانت واقفة قدام الشباك الضخم بتبص على النيل اللي كان ياسين دايما بيتعامل معاه كأنه ملكه. صوت مروان جه من جهاز الإنتركوم يا مدام ليلى.. الشؤون القانونية وصلوا.. وهو كمان وصل. ليلى متهزتش وردت ببرود دخلهم.
نجلاء بهنسي المحامية اللي الكل بيخاف منها دخلت الأول ووراها دخل ياسين. الراجل كان باين كأنه خيال لعنوان قديم في جريدة نفس الوش بس مطفي وباهت البدلة واسعة عليه كأنه خاسس النص وعينيه مكسورة فيها خليط من الغل والتعب والندم.
ياسين حاول يرسم ابتسامة باهتة وهو بيبص للمكان ليلى.. إنتي.. غيرتي المكان خالص. ليلى ردت وهي بتشاور له على الكرسي ببرود المكان بقى عملي أكتر وبيهتم بالشغل مش بالمنظرة.. اتفضل اقعد.
نجلاء المحامية زقت الفولدر ناحيته دا حكم خلع.. إنت بتلتزم بعدم التعرض. في المقابل مدام ليلى وافقت تسدد لك كل ديونك القانونية والمصاريف اللي باقية عليك عشان تخرج من القضايا دي طبعا بشرط إنك تلتزم بالاتفاق وتبعد تماما.
ياسين بص للورقة وكأنه بيبص لشهادة وفاته وهمس بصوت مخنوق أنا اللي بنيت الكيان ده. ليلى صححت له المعلومة بكل هدوء وثقة إنت كنت مجرد واجهة.. أنا اللي بنيت وأنا اللي كنت بدفع وأنا اللي كنت بصلح غلطاتك من وراك.
عيني ياسين دمعت وهو بيسألها هو أنا كنت مجرد استثمار بالنسبة لك ليلى بصت له بتركيز وقالت بصدق يوجع لا.. إنت كنت جوزي وأنا حبيتك بجد.. حبيتك لدرجة إني طفيت نوري عشان إنت تنور وسبتك تاخد كل اللقطة وكنت أنا الأساس الساكت اللي شايلك وإنت بتلعب دور الملك. مالت لقدام شوية وكملت بس إنت مكنتش عايز شريكة.. إنت كنت عايز إكسسوار تكمل بيه صورتك قدام الناس.
إيد ياسين كانت بترتعش وهو بيمضي الورق إنتي فاكرة إنك كدة كسبتي بكره تموتي لوحدك في البرج العالي ده.. بردانة ووحيدة. ليلى ابتسمت ومكنتش ابتسامة شماتة كانت ابتسامة راحة حقيقية امضي يا ياسين.. ووفر نصايحك لنفسك.
مضى ياسين وصوت القلم على الورق كان هو صوت نهاية الفصل ده من حياتها للأبد. قام وهو بيحاول يلملم اللي فاضل من كرامته أتمنى الفلوس دي تخنقك. ليلى مبصتش له وقالت كلمة واحدة مع السلامة يا ياسين.
خرج والباب اتقفل وراه. ليلى وقفت في الهدوء ولأول مرة من سنين الهدوء مكنش فراغ.. كان سلام نفسي. نجلاء المحامية سألتها باستغراب إنتي بجد بعتي له المبلغ ده ليلى بصت للمطر اللي بدأ يهدى وقالت أيوة.. عشان أنا ليلى الفياض مش هو.. الفلوس دي عشان ميترميش في الشارع كصدقة على الأيام اللي فاتت بس مش عشان يرجع حياتي تاني بقلمي نرمين عادل همام
بعد الظهر المطر وقف والشمس طلعت تنور القاهرة من جديد. ليلى خرجت من مبنى الشركة السواق فتح لها باب العربية. مروان جرى وراها وهو بينهج مدام ليلى.. الصحافة بره مالية المكان تحبي نخرج من الباب الخلفي
ليلى ظبطت الطرحة بتاعتها بوقار وقالت لا يا مروان.. النهاردة أنا هتمشى وسط الناس. مروان اتصدم يا فندم.. المصورين والناس والزحمة خليهم يصوروا ليلى قالت بقوة وابتسامة صافية أنا مابقتش مستخبية ورا حد خلاص.. أنا ليلى الفياض والنهاردة يومي.
مشت ليلى في شوارع وسط البلد بخطوات واثقة وهادية والناس بتبص لها بإعجاب وتقدير.. مكنتش مجرد ماشية في الشارع كانت كأنها بتسترد ذكرياتها في كل ركن. وقفت قدام كشك جرايد وشافت صورتها مالية غلاف مجلة اقتصادية كبيرة تحت عنوان ليلى الفياض المهندسة الصامتة التي بنت إمبراطورية بمليارات من وراء الستار.
وفي ركن بعيد في جريدة تانية لمحت خبر صغير بعنوان سقوط المدعي.. رئيس الشركة المطرود يظهر وهو يأكل على الرصيف. ليلى مضحكتش ولا شمتت ولا حتى فرحت بكسرته.. هي بس كملت طريقها ببساطة لأن ياسين بالنسبالها بقى صفحة واتقطعت من كتاب حياتها.
موبايلها رن رسالة من ثروت استرليني بيقول لها عشا النهاردة عندنا مفيش كلام في الشغل خالص.. مجرد سهرة عائلية ومراتي مصممة إنك تنورينا. ليلى ابتسمت وردت بذكاء خليها تجهز القهوة المظبوطة.. والتحلية عليا.
دخلت حديقة الأزهر وسابت زحمة القاهرة ورا ضهرها واستمتعت بريحة الزرع اللي بتعشقه. وهي بتتمشى شافت بنت صغيرة قاعدة وبترسم ورد الهيدرنجا اللي ليلى بتحبه. البنت أول ما شافتها سابت الفرشة واتسمرت مكانها بذهول يا خبر! إنتي.. إنتي ليلى الفياض
ليلى ابتسمت لها بحنية أيوة أنا يا حبيبتي. البنت عينيها اتملت دموع وقالت بتأثر أنا شوفت خطابك قدام المساهمين.. لما قلتي أوعي تسمحي لحد يصغرك عشان يناسب حجم طموحه.. أنا خطيبي كان دايما يقولي رسمي ده تضييع وقت ومالوش لازمة والمفروض أهتم بمستقبله هو.. والنهاردة وبسبب كلامك أنا سبته وقررت أبدأ طريقي.
زور ليلى اتحشر فيه الكلام من كتر التأثر وحست إن رسالتها وصلت للي محتاجها. سألتها اسمك إيه يا بطلة سارة. ليلى طلعت كارت من شنطتها كارت فخم مذهب وادتهولها كلمي الرقم ده لما تخلصي لوحاتك.. شركة أورورا محتاجة فنانين زيك ناس فاهمين إن الجمال مش مجرد تسلية.. الجمال ده قوة.
سارة أخدت الكارت وإيدها بترتعش من الفرحة شكرا.. شكرا بجد. ليلى هزت راسها وقالت لها بلهجة قوية متشكرنيش.. بس اوعديني بحاجة واحدة.. أوعي تسمحي لحد في الدنيا يمسح اسمك من حكايتك.. ولو حد حاول يمنعك.. ابتسمت ابتسامة هادية وواثقة .. ادخلي واثبتي مكانك غصب عن الكل.
ليلى لفت وكملت طريقها والشمس بتودع اليوم وبتسيب وراها ضي دهبي جميل. ياسين كان فاكر إن القوة بالبدل الغالية والمنظرة الفارغة والأسامي الرنانة.. بس اتعلم الدرس الصعب في الآخر.
القوة الحقيقية مش هي اللي بتشحت الاهتمام ولا اللي بتجري ورا الكاميرات.. القوة الحقيقية هي اللي لما بتدخل أي مكان القاعة كلها بتقوم تقف لها احتراما وهيبة.
ليلى أثبتت بنت الأصول مهما سكتت بيفضل أصلها وسندها هما اللي بيكسبوا في الآخر.
بقلمي نرمين عادل همام
تمت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *