رايح أطلق مراتي

كنت رايح أطلّق مراتي… لحد ما سمعت بالصدفة كلام بينها وبين أمها قلب حياتي كلها.
أحمد المنشاوي وصل بيت حماته وهو شايل في إيده ظرف بني فيه ورق الطلاق، وكان مقتنع إن مراته سارة بطلت تحبه.
طول الطريق كان بيحفظ هيقولها إيه.
قرر إنه مش هيزعق، ومش هيسأل أسئلة كتير، ومش هيترجاها تفتكر التسع سنين اللي عاشوهم سوا.
كان ناوي بس يديها الظرف، ويحط قدامها القلم… ويقبل إن جوازهم انتهى.
لكن قبل ما يخبط على الباب، سمع صوت سارة وهي بتعيط من شباك مفتوح نص فتحة.
أحمد وقف مكانه.
من حوالي سنة، سارة بقت واحدة تانية.
البنت اللي كانت أول ما يشوفها تبتسم، بطلت حتى تسأله يومه كان عامل إزاي.
مبقتش تمسك إيده وهما بيتفرجوا على فيلم، ولا تنام جنبه وهي حضناه.
على السفرة كانت بتاكل في صمت.
وأول ما يدخل أوضة… كانت تلاقي أي حجة وتقوم تمشي.
وفي كل ويك إند كانت تركب عربيتها وتروح عند أمها أمينة في مدينة المنصورة.
في الأول أحمد قال يمكن ضغط شغل.
سارة كانت شغالة موظفة إدارية في مستشفى خاص، وبقت تاخد شيفتات زيادة وترجع كل يوم متأخر.
وهو كمان كان مرهق.
كان عنده شركة مقاولات صغيرة بناها من الصفر، وكل يوم غرقان في حسابات ومشاكل مواقع وتأخير شغل.
كان نفسه يكبر الشركة ويشتري بيت أكبر، ويحقق الحياة اللي كانوا بيحلموا بيها من أول جوازهم.

لكن وهو بيبني مستقبلهم…
كان حاضرهم بيضيع من بين إيديهم.
كل مكالمة متردش عليها…
كانت بتزرع جواه شك جديد.
كل رسالة تتمسح…
كان يحس إنها دليل على سر مستخبي.
وكل زيارة لبيت أمها…
كانت تخليه يسأل نفسه
يا ترى فيه راجل تاني؟
دور كتير…
ملقاش صورة، ولا رسالة حب، ولا حتى كدبة واضحة.
كل اللي كان عنده هو الصمت.
وأول ما الشك يدخل أي علاقة…
بيخلي كل لحظة هدوء تتحول لأبشع السيناريوهات.
حاول يكلمها أكتر من مرة.
قال لها
مالِك يا سارة؟
كانت تبتسم ابتسامة باهتة وتقول
أنا تعبانة شوية… متشغلش بالك.
قال
بقيتي مبتبصيش لي زي الأول.
ردت
ضغط الشغل.
سألها وهو بيبص في عينيها
فيه حد غيري؟
وشها اصفر فجأة.
وقالت بسرعة
لا يا أحمد.
قال
أمال قوليلي الحقيقة.
نزلت عينيها للأرض وقالت كلمة واحدة
مفيش.
الكلمة دي وجعته أكتر من أي اعتراف.
مفيش.
إزاي كلمة صغيرة كده…
تخبي وراها المسافة الكبيرة اللي بقت بينهم؟
في الليلة اللي قرر فيها يتصل بمحامي طلاق…
قعدوا يتعشوا في هدوء تام.
الساعة بس هي اللي كان صوتها مسموع في المطبخ.
لاحظ إن عينيها مورمين…
كأنها كانت بتعيط قبل ما ترجع البيت.
كان نفسه يقوم يطبطب عليها…
بس افتكر كل مرة حاول يقرب منها وهي كانت تبعد.
قام حط الطبق في الحوض وقال
أظن مابقاش فيه كلام بينا.
سارة قفلت عينيها وقالت بهدوء
يمكن عندك حق.
أحمد فهمها إنها نهاية كل حاجة.
لكن اللي مكانش يعرفه…
إن سارة في نفس اليوم خرجت من المستشفى، بعد ما حددوا لها معاد عملية…
يا إما تنقذ حياتها…
يا إما تكون آخر يوم فيها.
بعد أسبوعين، المحامي سلّمه ورق الطلاق.
وقال له
فاضل توقيعكم بس… إنت متأكد؟
أحمد بص على المكان الفاضي اللي المفروض سارة تمضي فيه.
وقال
هي اللي أنهت الجواز من شهور… أنا بس بقبل الواقع.
الصبح اللي قرر يديها الورق…
لقى البيت فاضي.
ولقى ورقة على الترابيزة مكتوب فيها
أنا عند ماما… هرجع العصر.
كان ممكن يسيب الظرف ويمشي.
لكن حاجة جواه منعته.
يمكن كان محتاج يبصلها آخر مرة…
أو يسمع منها الحقيقة بعينيها.
ركب عربيته وراح بيت حماته.
ولما وصل…
شاف عربية سارة واقفة قدام البيت.
طلع السلم ومد إيده على الجرس…
لكن قبل ما يرن…
سمع اسمه.
سارة كانت بتقول من جوه
أحمد مينفعش يعرف دلوقتي.
أحمد قرب بهدوء من الشباك المفتوح.
سمع أمها بتقول وهي بتعيط
مينفعش تفضلي مخبية عليه… إنتِ قوتك بقت بتخلص.
ردت سارة بصوت مكسور
لو عرف… هيبيع الشركة.
ده جوزك يا بنتي.
وعشان هو جوزي… أنا عارفاه. أول ما يعرف هيلغي أكبر عقد شغال عليه، وهيبيع كل حاجة تعب فيها، ويفضل جنبي ليل ونهار. أنا مش هسمح إنه يضيع حلم عمره عشاني.
أحمد حس إن الأرض بتهتز تحت رجليه.
أمها قالت وهي بتبكي
إنتِ مش حمل يا سارة.
ردت سارة وهي بتحاول تمنع دموعها
الدكاترة قالوا مفيش ضمان إني أخرج من العملية عايشة…
الظرف اللي فيه ورق الطلاق بدأ يترعش في إيد أحمد…أحمد حس إن أنفاسه اتقطعت.
إيده كانت بترتعش لدرجة إن الظرف وقع منه على الأرض، لكنه لحقه قبل ما الصوت يوصل لجوه.
فضل واقف مكانه، مش قادر يستوعب.
كل اللي بناه في دماغه خلال سنة كاملة… انهار في ثانية.
افتكر كل مرة رجعت فيها سارة متأخرة من المستشفى.
كل مرة دخل عليها لقاها بتستخبى في الحمام.
كل مرة شاف عينيها حمرا وقال لنفسه أكيد كانت بتكلم حد.
طلع موبايله بسرعة.
فتح سجل المكالمات.
افتكر عشرات المرات اللي اتصل بيها وهي كانت مبتردش.
وقتها كان بيقول لنفسه
أكيد معاه.
دلوقتي بس فهم.
يمكن كانت في أشعة…
أو تحاليل…
أو قاعدة قدام دكتور بيسألها هتعيش قد إيه.
جواه إحساس بالذنب خنقه.
لكن قبل ما يستوعب أكتر…
سمع أمها بتقول
هو لسه فاكر إنك بتروحي هنا كل ويك إند.
ردت سارة بصوت واطي
آه… وسيبته يفتكر كده.
طب والمستشفى؟
العربية بركنها هنا… وبعدين يوسف، السواق بتاع المستشفى، بياخدني للمركز المتخصص.
أحمد عقد حواجبه.
مركز متخصص؟
أمها سألتها
والدكتور قالك إيه بعد آخر فحوصات؟
سارة سكتت شوية…
وبعدين طلعت ورقة من شنطتها.
صوت الورق وهو بيتفرد كان واضح.
قالت وهي بتحاول تضحك
قال إن الورم كبر أسرع من المتوقع.
أمها شهقت وحطت إيدها على بقها.
يعني العملية لازم
لمحة نيوز

الأسبوع الجاي؟
سارة هزت راسها.
لو اتأخرت… ممكن ميبقاش فيه عملية أصلاً.
أحمد سند ضهره على الحيطة.
حس إنه هيقع.
الورم؟
إزاي؟
إزاي كانت بتعيش كل ده لوحدها؟
وفجأة افتكر ليلة من حوالي تلات شهور…
لما صحي بالليل ولقاها قاعدة في الصالة.
كانت ماسكة ألبوم صور جوازهم.
ولما شافته قفلته بسرعة.
قال لها وقتها
مالك؟
ردت بابتسامة باهتة
ولا حاجة… كنت بفتكر أيام حلوة.
هو وقتها افتكر إنها ندمت على الجواز.
لكن دلوقتي…
فهم إنها كانت خايفة تكون دي آخر مرة تشوف الصور.
ومن جوه، أمها قالت
طب وأحمد؟ لو حصلك حاجة هيعرف منين؟
سارة نزلت دموعها لأول مرة من غير ما تخبيها.
وقالت
كتبتله جواب.
أمها اتجمدت.
جواب؟
سارة طلعت ظرف أبيض صغير من درج الكومودينو اللي جنبها.
وقالت
لو خرجت من العملية… همزقه.
ولو… مخرجتش…
ابقي اديهوله.
أمها مسكت الظرف وهي بتعيط.
مش قادرة أصدق إنك بتتكلمي كأنك مودعة الدنيا.
سارة بصت للسقف وقالت بصوت مخنوق
أنا من ساعة ما عرفت التشخيص… وأنا بودع كل حاجة بحبها.
أحمد حس قلبه بيتقطع.
لكن اللي جمد الدم في عروقه…
إن سارة كملت وقالت
وفي حاجة تانية… لو أحمد عرفها دلوقتي… عمره ما هيسامحني.
أمها رفعت رأسها بسرعة وقالت بقلق
قصدك… السر التاني؟أمها اتجمدت في مكانها.
وبصتلها بخوف.
وقالت بصوت واطي
إوعي يا سارة… بلاش تقولي الكلمة دي حتى.
سارة مسحت دموعها بطرف الطرحة وقالت
لازم أقولها لحد… أنا خلاص بقيت حاسة إن الحمل تقيل أوي.
أمها قربت منها ومسكت إيديها.
السر ده لو أحمد عرفه دلوقتي… ممكن ينهار.
سارة غمضت عينيها.
وأنا عشان كده مخبياه.
برا البيت…
أحمد كان حابس أنفاسه.
قلبه بقى بيدق بعنف.
بدأت ألف فكرة سودا تلف في دماغه من جديد.
قال لنفسه
هو فيه حاجة أسوأ من المرض؟
يا ترى كانت خاينة فعلًا؟
ولا فيه مصيبة تانية؟
لكن صوت سارة قطع كل أفكاره.
قالت
فاكرة لما أحمد باع قطعة الأرض الصغيرة اللي ورثها عن أبوه؟
أمها هزت راسها.
أيوه… علشان يدخل في مشروع الشركة.
الحقيقة… الفلوس دي ما كفتش.
أحمد فتح عينيه بدهشة.
دي كانت أول مرة يسمع الكلام ده.
سارة كملت وهي بتبص في الأرض
قبل ما أعرف إني مريضة بأسبوعين، الشركة كانت هتفلس بسبب مستحقات متأخرة، وأحمد كان رافض يستلف من أي حد.
أمها سألتها
وانتي عملتي إيه؟
سارة سكتت لحظة…
وبعدين قالت
رحت للبنك… وأخدت قرض باسمي.
أمها تنهدت.
عارفة.
ورهنت دهبي كله… وسددت جزء من مستحقات الموردين من غير ما يعرف.
أحمد حس إن رجليه مش شايلينه.
افتكر فعلًا اليوم اللي الأزمة انتهت فجأة.
وقتها افتكر إن دفعة كبيرة من عميل وصلت في آخر لحظة.
عمره ما تخيل إن اللي أنقذ شركته… كانت سارة.
أمها قالت بقلق
ولسه القرض بيتخصم من مرتبك كل شهر.
سارة ابتسمت ابتسامة حزينة.
أهو ده سبب الشيفتات الإضافية.
كنت بشتغل ليل ونهار علشان أسدد الأقساط… وفي نفس الوقت أوفر تمن العلاج.
نزلت دموع أمها وهي بتقول
يا بنتي… ليه شلتي كل ده لوحدك؟
ردت سارة بصوت مكسور
لأنه كان بيحارب عشان حلمه… وأنا كنت بحارب عشان أحافظله عليه.
في اللحظة دي…
رن موبايل سارة.
بصت للشاشة…
ولون وشها اتغير تمامًا.
همست
ده المستشفى.
ردت بسرعة.
وفضلت ساكتة وهي بتسمع.
بعد ثواني…
إيديها بدأت ترتعش.
والموبايل وقع منها على الأرض.
أمها قامت مفزوعة.
مالك؟! الدكتور قال إيه؟
سارة بصتلها وشفايفها بتترعش…
وقالت جملة خلت أحمد يحس إن قلبه وقف مكانه
التحاليل الجديدة… طلعت حاجة محدش كان متوقعها…سارة كانت باصة في الفراغ.
وكأنها مش مستوعبة اللي سمعته.
أمها هزتها برفق وقالت بلهفة
انطقي يا بنتي… الدكتور قال إيه؟
سارة أخدت نفس طويل، ولسه الدموع في عينيها.
وقالت
بيقول إن لجنة الأطباء راجعت الأشعات والتحاليل كلها من أول وجديد…
أمها قربت أكتر.
وبعدين؟
سارة ردت بصوت مرتعش
قالوا فيه حاجة ظهرت في آخر الأشعة… ولازم أعيد الفحوصات النهارده حالًا قبل العملية.
أمها شهقت.
يعني التشخيص الأول ممكن يكون مش كامل؟
سارة هزت راسها في حيرة.
معرفش… الدكتور قال ميقدرش يقول أي حاجة في التليفون، ولازم أكون في المستشفى خلال ساعة.
في اللحظة دي، قامت بسرعة تدور على شنطتها.
لكن من التوتر، وقع منها ملف أزرق مليان أوراق.
الأوراق اتناثرت على الأرض.
أمها نزلت تجمعها، وفجأة وقفت وهي ماسكة ورقة صغيرة مطوية.
بصت لسارة وقالت
دي إيه؟
سارة اتوترت جدًا، وخطفتها من إيدها بسرعة.
دي… ملهاش لازمة.
أمها لاحظت إن الورقة مكتوب عليها بخط أحمد.
سألتها باستغراب
ده خط جوزك… إزاي معاك؟
سارة حضنت الورقة لصدرها وقالت وهي بتبكي
دي أول رسالة كتبها لي بعد جوازنا.
قال فيها مهما حصل بينا، أوعي تشيلي هم لوحدك… أنا بيتك قبل ما أكون جوزك.
سكتت لحظة، وبعدين همست
وأنا عملت عكس كل كلمة قالها.
برا البيت…
أحمد كان الدموع مغرقة عينيه.
افتكر الرسالة دي.
كان كتبها فعلًا في أول سنة جواز، وحطها في بوكيه ورد جابهولها في عيد جوازهم.
كان فاكر إنها ضاعت.
لكنها كانت محتفظة بيها كل السنين دي.
وفجأة…
سمع صوت عربية وقفت قدام البيت.
وبعدها جرس الباب رن بعنف.
أمها بصت من الشباك، واتغير لون وشها.
وقالت بقلق
يا ساتر… هو جه بنفسه!
سارة قامت بسرعة وسألتها
مين؟
أمها ردت وهي بتبص بره
الدكتور… ومعاه واحد كمان، وشكلهم مستعجلين جدًا.
وفي نفس اللحظة…
اتفتح باب العربية التانية اللي كانت واقفة وراهم، ونزل منها شخص ماسك حقيبة سوداء كبيرة، واتجه بخطوات سريعة ناحية باب البيت…سارة بصت لأمها بخوف.
وقالت
الدكتور عمر؟! هو ليه جه بنفسه؟
أمها فتحت الباب بسرعة.
دخل الدكتور وهو نفسه مقطوع، وخلفه شاب شايل حقيبة طبية سوداء.
قال من غير مقدمات
آسف إني جيت من غير ميعاد… لكن مكنش ينفع أستنى.
سارة

قلبها بدأ يدق بعنف.
في إيه يا دكتور؟
الدكتور بص لها ثواني، وكأنه بيختار كلماته.
وبعدين قال
بعد ما لجنة الأشعة راجعت الصور… اكتشفنا حاجة غريبة جدًا.
أمها مسكت طرف الكرسي.
خير؟
قال
فيه ملفين كانوا متشابهين في الاسم ورقم الحجز… ولجنة المراجعة طلبت كل العينات الأصلية.
سارة اتجمدت.
يعني إيه؟
الدكتور فتح الحقيبة، وطلع منها ملفين.
واحد مكتوب عليه
سارة محمود المنشاوي.
والتاني
سارة محمود المنصور.
الفرق بين اللقبين… حرفين بس.
قال الدكتور
إحنا مش بنتهم حد، ولسه بنراجع كل خطوة… لكن فيه احتمال إن جزء من التقارير اللي اتبنت عليها خطة العلاج يكون اتبدل أثناء الأرشفة.
أمها شهقت.
يعني العملية…
الدكتور رفع إيده بسرعة.
مقدرش أقول اتلغت… ولا أقدر أقول هتتم.
لازم نعيد كل الفحوصات من أول وجديد النهارده.
لو في خطأ، لازم نكتشفه قبل أي تدخل جراحي.
سارة كانت بتحاول تستوعب.
وفجأة قالت
يعني… ممكن أكون عشت كل الشهور دي وأنا فاكرة إني هموت…
بسبب خطأ؟
الدكتور رد بهدوء
لسه منعرفش.
عشان كده أنا جيت بنفسي، ومضيت على قرار إعادة كل التحاليل بشكل عاجل.
خارج البيت…
أحمد كان واقف، والظرف البني لسه في إيده.
بص لورق الطلاق…
وبعدين بص لباب البيت.
كان قدامه اختيارين.
يا إما يدخل دلوقتي ويقول إنه سمع كل حاجة…
يا إما يفضل مستخبي، ويستنى لما الحقيقة الطبية كلها تظهر.
وبينما هو واقف محتار…
اهتز موبايله.
بص للشاشة…
ولقى رسالة من محاميه بتقول
أنا قدام المحكمة دلوقتي. لو ناوي تكمل إجراءات الطلاق، ابعتلي تأكيد خلال نص ساعة.
أحمد فضل باصص للرسالة…
وصباعه قرب من زر إرسال… لكنه لسه ما ضغطش أحمد فضل واقف للحظات، وعينه بين شاشة الموبايل وباب البيت.
إيده كانت بتترعش.
وفجأة…
مسح رسالة المحامي من غير ما يرد.
لكن قبل ما يحط الموبايل في جيبه، رن تاني.
المرة دي كان رقم غريب.
رد وهو لسه واقف قدام الباب.
ألو؟
جاله صوت راجل هادي.
أستاذ أحمد المنشاوي؟
أيوه.
مع حضرتك قسم الحسابات في مستشفى الحياة الخاصة… كنا بنحاول نوصل لمدام سارة، لكن تليفونها مقفول.
أحمد اتوتر.
خير؟
الراجل سكت ثانية، وقال
فيه شخص مجهول سدد كامل تكلفة العملية من ساعة تقريبًا… لكن رفض يسيب اسمه، وطلب إن الموضوع يفضل سري.
أحمد اتفاجئ.
إيه؟!
وإحنا محتاجين نعرف إذا كانت المدام موافقة على استكمال الإجراءات ولا لأ.
أحمد قفل المكالمة وهو مش فاهم.
مين اللي ممكن يدفع مبلغ ضخم زي ده؟
وهل سارة كانت تعرف؟
في نفس اللحظة، باب البيت اتفتح.
خرج الدكتور بسرعة وهو بيتكلم في التليفون
جهزوا غرفة الأشعة… إحنا جايين حالًا.
وراه خرجت سارة، ووشها شاحب، لكنها أول ما رفعت عينها…
اتجمدت.
أحمد كان واقف قدامها.
الظرف البني في إيده.
الاتنين فضلوا يبصوا لبعض من غير كلمة.
ثواني عدت كأنها ساعات.
سارة بصت للظرف، وابتسمت ابتسامة حزينة.
وقالت بهدوء
واضح إنك عرفت… وجبت ورق الطلاق.
أحمد حاول يتكلم…
لكن الكلمات خانته.
أما سارة، فنزلت عينها للأرض وقالت
متقلقش… همضي.
ولفت ناحية العربية، وهي فاكرة إن قراره خلاص اتاخد.
أما أحمد…
فشد على الظرف بقوة، وخطا خطوة ناحيتها، ثم قال بصوت مبحوح
استني يا سارة… قبل ما تمضي على أي ورقة… فيه حاجة لازم تعرفيها.
وساعتها فقط…
لفتت سارة تبصله، وعينيها مليانة خوف وحيرة، مستنية تسمع أول كلمة هيقولها أحمد جرى ناحيتها قبل ما تركب العربية.
شد الظرف البني من إيده…
وبدون ما يقول كلمة، مزق ورق الطلاق حتة حتة.
سارة بصتله وهي مش مصدقة.
قال وعينيه مليانة دموع
سامحيني… أنا كنت أعمى. افتكرت إنك بعدتي عني لأنك بطلتِ تحبيني، وماعرفتش إنك كنتِ بتحاولي تحميني.
سارة انهارت في العياط.
وقالت
كنت خايفة أخسرك… وخايفة أشوف حلمك بيضيع بسببي.
أحمد حضنها لأول مرة من شهور.
وقال
الشركة تتباع… الفلوس تروح… الدنيا كلها تروح… لكن إنتِ لأ.
ركب معاها العربية، وراحوا المستشفى.
بدأت الفحوصات من أول وجديد.
كانت ساعات الانتظار كأنها سنين.
وأخيرًا خرج الدكتور ومعاه لجنة من الأطباء.
ابتسم ابتسامة هادية وقال
عندي خبرين… واحد صعب، وواحد حلو.
أحمد قال بسرعة
قول أي حاجة… المهم الحقيقة.
الدكتور قال
الحقيقة إن حصل خطأ في جزء من التقارير فعلًا، لكن بعد إعادة الفحوصات اكتشفنا إن فيه ورم… لكنه في مرحلة أبكر بكتير من اللي كنا فاكرينه، ولسه قدامنا فرصة كبيرة جدًا للعلاج، ونسبة نجاح العملية مرتفعة.
سارة حطت إيديها على وشها وهي بتبكي.
وأحمد سجد على أرض المستشفى شكرًا لله.
بعد أيام، دخلت سارة العملية.
الساعات كانت تقيلة على أحمد.
كان قاعد برة أوضة العمليات، ماسك إيد أمها، وكل دقيقة يبص للباب.
وأخيرًا خرج الدكتور وهو بيبتسم.
قال
الحمد لله… العملية نجحت.
أحمد بكى من الفرحة، وجري أول ما سُمح له يدخل يشوفها.
لما فتحت سارة عينيها، لقت أحمد ماسك إيدها.
ابتسمت وقالت بصوت ضعيف
الشركة راحت؟
ضحك وسط دموعه وقال
لأ… والشركة هتتعوض لو راحت. لكن إنتِ… إنتِ أغلى من أي حلم.
بعد شهور، بدأت سارة تتعافى.
واكتشف أحمد كمان إنها كانت فعلًا اقترضت وسددت ديون الشركة من غير ما يعرف.
قرر يسدد القرض كله، ورجع يشتري لها دهب جديد بدل اللي باعته، لكن المرة دي كتب على العلبة
شكرًا لأنك أنقذتِ حلمي… وأنا أوعدك إني عمري ما هخلي الشك يهزم الحب بينا.
وفي عيد جوازهم العاشر، وقف أحمد قدام كل أهلهم وقال
أكبر غلطة عملتها إني فسرت الصمت على إنه خيانة… مع إن الحقيقة كانت تضحية.
ابتسمت سارة، ومسكت إيده بنفس الطريقة اللي كانت بتمسكها زمان.
ورجعوا يبدأوا حياتهم من جديد…
لكن المرة دي، بوعد واحد
مهما كان الوجع كبير… الحقيقة هتتقال، لأن الحب اللي مبني على الثقة أقوى من أي شك.
تمت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *