ج الاخير جحود اهلي حكايات علي ابو الدهب
المحطة الأخيرة بريق أمل وسط الظلام
تذكر ياسين فجأة حديثاً دار بينهما في المستشفى؛ عندما سألها عن المكان الذي تشعر فيه بالراحة، فقالت له ببراءة: *”لما الدنيا بتضيق بيا، بروح أقعد على كورنيش النيل بعيد عن الزحمة.. بحس إن الميه بتغسل همومي”*.
قاد سيارته بأقصى سرعة نحو الكورنيش. كانت الأضواء تنعكس على صفحة الماء الساكن، والهواء بارداً يلف المكان. أخذ يبحث بعينيه بين المقاعد الحجرية والممرات، والملل والخوف يأكلان قلبه.
وبعد ساعة من البحث المضني.. لمحها.
كانت تجلس على حافة الرصيف، واضعة رأسها بين ركبتيها، وجسدها المهزول يرتجف من البرد ومن البكاء الصامت. فستانها البسيط وطرحتها كانا مبللين برذاذ الماء المفاجئ.
أوقف السيارة في منتصف الطريق ونزل راكضاً. اقترب منها وهتف بصوت مخنوق من شدة الفرح والخوف: “ليلى!!!”
## العناق الحامي والعهد الجديد
رفعت ليلى رأسها ببطء، وعيناها حمراوان ومنتفختان من كثرة البكاء. لم تصدق أنه وجدها. وقفت ببطء وهي تتراجع خطوة للخلف: “ياسين؟ جيت هنا ليه؟ ارجع يا ياسين.. أنا هضيعك معايا.. الناس هتاكل وشك ووش والدتك بسببى.”
ولكن ياسين لم يعطها فرصة للكلام. خطا خطوة سريعة وجذبها إليه، ومسك ذراعيها بقوة وهو ينظر في عينيها مباشرة وعيناه تدمعان لأول مرة:
> “تضيعيني؟! إنتي الحياة بالنسبة ليا يا ليلى! فاكرة نفسك لما تمشي هتحميني؟ إنتي بتدبحيني! كلام الناس تحت رجلي، وعمتك وبنتها هيتحاسبوا بالقانون على كل كلمة قالوها وكل إشاعة طلعوها. أنا شاري قلبك ونقائك، ومش هسمح لأي حد في الدنيا يكسرك تاني.”
>
انــ,,ـــــارت كلمات ياسين عتمة قلب ليلى، وانهارت حصونها تماماً، فاستسلمت لدموعها وهي تشعر لأول مرة بأن لها “ظهراً” وسنداً حقيقياً في هذه الدنيا يحميها من بطش الظالمين.
## بعد مرور شهر.. يوم الحساب والعدالة
دارت الأيام، وظهرت الحقيقة كالشمس. استطاع شريف المحامي، وبمساعدة شهادة بعض جيران الحارة الشرفاء الذين سئموا من افتراءات فوزية، أن يثبت كذب المحضر الكاذب. ليس هذا فحسب، بل رُفعت قضية سب وقذف وتشهير مدعومة بالتسجيلات وشهادة الشهود ضد فوزية وهبة وفتحي.
في قاعة المحكمة، كانت فوزية وفتحي يقفان في قفص الاتهام ووجوههما في الأرض بعد صدور حكم بحبسهما بتهمة البلاغ الكاذب والتشهير، بينما كانت هبة تبكي بحــ,,ـــــرقة في الزاوية بعد أن خسرت كل شيء؛ سمعتها في الجامعة، وحلمها في الزواج من ياسين، ونظرات الاحترام من الناس.
وفي الجهة المقابلة، كانت ليلى تقف متألقة بفستان أبيض بسيط وراقٍ، وبجانبها ياسين يمسك يدها بقوة، والسيدة أمينة تنظر إليهما بفخر وسعادة.
التفتت ليلى إلى عمتها وابنتها للمرة الأخيرة، ولم يكن في عينيها شماتة، بل كان فيهما هدوء المنتصر بالحق. قالت بصوت مسموع لياسين: “يلا نمشي يا ياسين.. مكاننا مش هنا، مكاننا في البداية الجديدة اللي ربنا كتبهالنا.”
خرجوا من المحكمة إلى حياتهم الجديدة، تاركين خلفهم أهل الشر يحصدون ما زرعته أيديهم من ظلــ,,ـــــم وحقد.
مرت عدة أشهر على ذلك اليوم المشهود في المحكمة، أشهرٌ كانت بمثابة بلسمٍ يداوي جراح قلب ليلى التي نزفت لسنوات. انتقلت ليلى للعيش في شقة ياسين الجديدة، شقة واسعة تطل على النيل، اختارها ياسين خصيصاً لتكون واجهتها على الحياة مشرقة ومليئة بالضوء، بعكس الغرفة المظلــ,,ـــــمة التي عاشت فيها طفولتها ومراهقتها.
فتحت ليلى عينيها في الصباح على رائحة القهوة التي يعشــ,,ـــــقها ياسين، ونظرت إلى الفستان الأبيض المعلق على خزانة الملابس؛ فاليوم ليس يوماً عادياً، اليوم هو حفل زفافهما المؤجل، الذي أصر ياسين أن يقيمه في أكبر قاعات القاهرة، ليرد لها اعتبارها أمام كل من عرفها.
دخلت السيدة أمينة الغرفة وعلى وجهها ابتسامة حنونة، تحمل في يدها علبة قطيفة حمراء. اقتربت من ليلى وقبلت جبينها قائلة:
> “صباح الخير يا عروسة قلبي.. النهاردة بنتي هتبقى أحلى عروسة في الدنيا كلها. العلبة دي فيها طقم ألماظ، ده هدية جوازك مني يا ليلى، إنتي غالية علينا وتستاهلي دهب الدنيا كله.”
>
انهمرت دموع الفرح من عيني ليلى، واحتضنت السيدة أمينة بقوة: “أنا مش عايزة ألماظ ولا جاه يا ماما أمينة.. أنا ربنا عوضني بيكي وبياسين عن كل الحرمان اللي عشته.”
في المساء، كانت القاعة تتلألأ بالأضواء والموسيقى الهادئة. دخلت ليلى ممسكة بذراع ياسين الذي كان يبدو كأمير في حلته السوداء، وعيناه لا تفارق وجهها المشع بالبراءة والجمال. كان الجميع يتهامسون بإعجاب عن طيبة ليلى ورقّتها، وكيف أن الله ينصر القلوب الطاهرة في النهاية.
وفي نفس ليلة الفرح، وفي حارة فوزية القديمة، كانت الأجواء كئيبة كقبــ,,ـــــر مظلــ,,ـــــم. الشقة التي كانت تعج بالصراخ والظلــ,,ـــــم أصبحت خاوية باردة.
بعد انقضاء فترة الحبس القصيرة لفوزية وفتحي، خرجا ووجوههما مسودة بين الناس. لم يعد أحد في الحارة يتحدث إليهما أو يلقي عليهما السلام. أما فتحي، فقد خسر عمله بسبب سمعته السيئة وقضية التزوير والبلاغ الكاذب، وأصبح يجلس في البيت يندب حظه ويلوم زوجته.
وفي زاوية الغرفة، كانت هبة تجلس أمام المرآة بوجه شاحب وعينين غائرتين. لم تعد تلك الفتاة المتكبرة التي تتبجح بملابسها ومكياجها. الجامعة أصبحت كابوساً لها بعد أن عرف الجميع حقيقتها ومؤامرتها الدنيئة ضد بنت عمتها اليتيمة، فقاطعتها صديقاتها، والشباب الذين كانت تحاول لفت أنظارهم باتوا ينظرون إليها باحتقار.
نظرت هبة إلى والدتها فوزية وقالت بصوت مكسور ومليء بالغل والندم:
“ارتحتي يا أمي؟ أهو ليلى اللي كنتي بتقولي عليها للخدمة والتنضيف وبس، النهاردة فرحها في أكبر أوتيل في مصر، والكل بيتكلم عن عزها وسعادتها.. وإحنا هنا مش لاقيين ناكل، وسيرتنا بقت على كل لسان!”
صرخت فوزية بحسرة وهي تلطم خديها: “كانت عمية وتفيت في عيني يا بنتي! كنا فاكرين إننا بنكسرها، طلعت الأيام بتدور وبتكسرنا إحنا.. ذنب اليتيمة حــ,,ـــــرقنا وحــ,,ـــــرق بيتنا.”
انتهى حفل الزفاف، ووقف ياسين وليلى في شرفة شقتهما الجديدة، ينظران إلى النيل والهواء العليل يداعب فستان ليلى الأبيض.
اقترب ياسين منها، وخلع سترته ليضعها على كتفيها ليحميها من برد الليل، ثم أمسك يدها وضغط عليها برفق وقال:
“فاكرة يا ليلى لما قولتلك على الكورنيش إنك الحياة بالنسبة ليا؟ أنا النهاردة بس بدأت أعيش. عهد عليا قدام ربنا، طول ما فيا نفس، مش هسمح لدمعة حزن تنزل من عينيكي، ولا هخليكي تحسي بالخوف تاني.”
نظرت إليه ليلى وعيناها تلمعان بنور الأمل، واستندت برأسها على كتفه قائلة:
“أنا نسيت كل اللي فات يا ياسين.. نسيت الظلــ,,ـــــم، ونسيت الوجع، ونسيت كلامهم. أنا من النهاردة ليلى جديدة.. ليلى اللي ربنا حبها ورزقها بيك.”
انطوت صفحة العذاب والظلــ,,ـــــم إلى الأبد، وبدأت حكاية جديدة سُطرت بحروف من الحب والوفاء والعدل الإلهي الذي لا يغفل ولا ينام.
بعد مرور خمس سنوات على تلك الليلة، لم تعد شقة النيل هادئة كما كانت، بل أصبحت تضج بضحكات بريئة وملائكية.
كانت ليلى تقف في حديقة فيلتهم الجديدة التي انتقلوا إليها مؤخراً، مرتدية ثوباً أنيقاً وبسيطاً يبرز وقارها وهدوءها الذي لم يتغير، وبجانبها طفلها الأكبر “ياسين الصغير” الذي ورث من والده عينيه الحادتين وطباعه الشهمة، وببين يديها طفلتها الصغيرة التي اسمتها “أمينة” تيمناً بوالدة ياسين.
أصبحت ليلى سيدة مجتمع يشار إليها بالبنان، ليس فقط لأنها زوجة رجل الأعمال الناجح ياسين، بل لأنها أسست جمعية خيرية كبيرة لرعاية الفتيات اليتيمات وتأهيلهن لحياة كريمة، وكأنها أرادت أن تصنع لكل فتاة مكسورة “ظهراً” وسنداً مثل الذي رزقها الله به.
اقترب ياسين من الخلف بخطوات هادئة، وطوق خصرها بذراعيه واضعاً ذقنه على كتفها وهو ينظر إلى أولادهما وهم يركضون حول العشب.
ياسين بنبرة صوت دافئة:
> “بتفكري في إيه يا ليلى قلبي؟ بقالي ربع ساعة واقف أراقب السرحان اللي في عيونك.”
>
التفتت إليه ليلى، وابتسامة رضا حقيقية ترتسم على شفتيها، وأمسكت بيده وقبلتها بنعومة:
“كنت بفتكر يا ياسين.. بفتكر اليوم اللي وقفت فيه في صالة بيت عمتي، والكلمة اللي اتقالت عليا إن ماليش غير الخدمة والتنضيف. سبحان مغير الأحوال، من قلب الوجع ده، ربنا كتبلي عمر جديد معاك، وعوضني بأم تانية وأولاد هما دنيتي كلها.”
نظر إليها ياسين بحب جارف وقبل جبينها:
“الخبيث يا ليلى دايماً بيقع في شر أعماله، والطيب ربنا بيسخر له الأرض ومن عليها عشان ينصره. إنتي مكنتيش للخدمة يا ليلى.. إنتي كنتي ومزلتي ملكة على عرش قلبي وبيتي.”
وفي مكان آخر، بعيداً عن أضواء السعادة، كانت الحارة القديمة قد نسيت تماماً عائلة فوزية. مات فتحي مقهوراً بمرضه وفقره، وظلت فوزية وابنتها هبة تعيشان في غرفتهما الضيقة، تقتاتان على مساعدات الجيران الشفوقين بعد أن دارت الأيام وأصبحتا هما من تحتاجان للمساعدة والخدمة. كانت هبة تنظر من نافذتها المكسورة إلى السماء كل ليلة، مدركة أن ذنب “ليلى” كان أسرع وأقوى من أي انتقام بشري.
أمسك ياسين بيد ليلى وسارا معاً نحو أطفالهما، والضحكات تتعالى وتشق عنان السماء. انطوت صفحة الماضي تماماً، ولم يتبقَ منها سوى درس خالد: أن الظلــ,,ـــــم ظلــ,,ـــــمات، وأن القلوب الطهرية قد تتألم، لكنها أبداً لا تنهزم، لأن عين الله لا تنام.
**تمت الحكاية بحمد الله.**
