مريم ج1 بقلم الكاتبة ترمين عادل همام
ج1 حصري لمنصتي جولد والمحتوى
بيتنا مكنش كبير اوي شقة من بتوع زمان بس كان واسع بلمتنا. أحنا عيلة بتمشي بمبدأ “لقمتنا الهنية تكفي مية”، ومفيش حد فينا كان بيشيل من التاني، الحب كان مالي الحيطان.
ومع ذلك كان عندنا شغاله طيبة كانت معانا في حاجة ابويا ماكنش حارمنا من حاجة ابدا
أنا اسمي مريم، وكنت البنت اللي في النص، الفرفوشة بتاعة البيت اللي مبتفصلش مقالب. كان ليا أخ كبير اسمه أحمد، أكبر مني بخمس سنين، دا بقى كان السند والراجل الصغير اللي بنستخبي وراه. وبعدي كان فيه مصطفى، أصغر مني بست سنين، شقي بس قلبه أبيض. وأختين زي العصافير:
نور عندها تمن سنين، وندى الصغيرة خالص، يدوب أربع سنين، دي كانت فاكهة البيت.
أبويا “عم حسن” وأمي “خديجة ” ربونا على الرضا. أبويا كان ديماً يقولنا:
«يا ولاد، الدنيا دي دار ممر، والقلب الكبير بيشيل ومبيشتكيش، حبوا بعض عشان لما أنا وأمكم نمشي، متلاقوش غير ضهر بعض».
الكاتبة: نرمين عادل همام
أمي “خديجة ” عاشت عمرها كله بتعافر. أبوها مات وهي لسه في اللفة، مكنش ليها في الدنيا غير أخ كبير اسمه “عم عبد العزيز”، أكبر منها بتمانتاشر سنة كاملة، كان ليها أب وأخ. وفي أول سنة جواز ليها من أبويا، أمها كمان اتوفت. أمي كبرت قبل أوانها، شافت المر وهي لسه صبية، عشان كده طلعت صلبة، بس حنينة حنية تكفي بلد.
أما أبويا بقى، فكان هو الكبير بتاع إخواته. مكنش ليه غير أخت واحدة، “عمتي كريمة”، ودي مكانتش بتجيلنا غير فين وفين، جوزها كان شغال في التجارة وسفره كتير وواخدها معاه ديماً. وكان ليه أخين؛ واحد اسمه “محمود” ودا كان على طول في مشاكل وخناق مع أبويا على الورث والدنيا، ومقاطعنا بقاله سنين. والأخ التاني “عمي رضا”.. دا بقى كان بركة العيلة، ربنا كان واخد منه العقل ومخليه بعقل طفل صغير، طيب وغلبان، بس أبويا كان شايله في عينه لحد ما ربنا افتكره.
أنا بقى مكنتش أعرف يعني إيه جد ولا جدة، لا من ناحية أبويا ولا أمي، وعيت على الدنيا والكل كان فارقها، بس عوضت دا كله في إخواتي. كنت بموت فيهم، لدرجة إني كنت بدلعهم زيادة عن اللزوم، ومكنش حد فيهم يرضى ينام إلا لما ييجي يرمي جسمه جمبي على السرير.
في يوم من الأيام، عملت مقلب في مصطفى، استخبيت ورا الباب ولبست ملاية بيضا وعملت “بوووو!”. الواد صرخ ووقع في الأرض، وأحمد أخويا الكبير قعد يزعق:
— «بس يا مريم! الواد هيموت في إيده، خفي جنان شوية!»
أمي دخلت وعلى وشها الابتسامة الرايقة بتاعتها وقالت:
— «سيبها يا أحمد، البيت من غير شقاوتها يبقى ضلمة، بس براحة على أخوك يا مريم، قلب الصغير ميتحملش».
أبويا كان قاعد ع الكنبة، صوته بالضحكة العالية يملى المكان:
— «ههههه، سيبوها دي سكرة البيت، بس تعالي هنا يا بنت يا مريم، لو مصطفى اشتكى منك تاني، هحرمك من المصروف الأسبوع ده!»
حتى لما كنت بتعب ويسخن جسمي من شوية برد، كنت ألاقي الأربعة متجمعين حوالين السرير بيبكوا، ونور الصغيرة تقولي والدموع في عينيها:
— «مريم.. متسبيناش وتمشي، مين هيحكيلنا حكاية قبل النوم؟» كنت أضحك وأنا تعبانة وأقولهم: — «يا هبل، دا شوية برد، أنا قاعدة على قلبكم مش ماشية في حتة».
كل الدفا دا.. كان قبل اللحظة اللي الدنيا فيها قررت تورينا وشها التاني. بدأت الحكاية بجد لما تميت ستاشر سنة. كنت في ثانوية عامة، والبيت كله كان على مشط رجل عشان امتحاناتي.
في ليلة من ليالي شهر طوبة والتكتكة، كان فيه مناسبة مهمة عند عمتي كريمة، كانت لسه راجعة من السفر وعملة عزومة كبيرة للعلية كلها. أمي دخلت عليا الأوضة وأنا دافنة راسي وسط الكتب، وقالتلي وهي بتعدل الشال بتاعها:
— «يلا يا مريم، البسي يا بنتي عشان نروح لعمتك، بقالنا كتير مشفناهاش، وميصحش نغيب كلنا».
بصيتلها وأنا هموت من التعب والتوتر، ودموعي قربت تنزل:
— «يا أمي مش هقدر والله، الامتحان بعد بكرة وأنا لسه مخلصتش مراجعة التاريخ، لو ضيعت ساعة واحدة دلوقتي هضيع، روحي إنتي وأبويا وإخواتي وسيبوني أركز».
أبويا دخل على صوتنا، طبطب على كتفي وقال:
— «خلاص يا ،خديجة سبيها براحتها، المستقبل مفيش فيه هزار، والامتحان مبيتأجلش».
أمي قلقلت وقالت:
— «طب هنسيبها لوحدها في البيت يا حسن؟»
أبويا رد:
— «لأ، “الشغالة” موجودة معاها، وإنتي عارفة الشغالة حنينة وبتخاف عليهم أكتر مننا، متقلقيش، يلا بينا عشان متأخرش».
الشغالة دي كانت ست غلبانة جداً شغال معانا، لسانها مبيتكلمش عربي كتير بس عينيها وفعلها كله حنية، كانت بتخاف علينا كأننا عيالها اللي سابتهم في بلادها.
مشوا كلهم، وقفلوا الباب وراهم. البيت فجأة بقى هادي.. هدوء غريب ومقبض مكنتش متعودة عليه. قعدت أذاكر، والساعة بدأت تتحرك، لحد ما النور حسيته بيزغلل في عيني، وراسي تقلت من كتر الحفظ، وغفلت وأنا حاطة راسي على المكتب وسط الكتب والملازم.
الكاتبة: نرمين عادل همام
صحيت فجأة.. مش عارفة إيه اللي صحاني، بس حسيت برعشة في جسمي. دقات الساعة كانت مسموعة “تك.. تك.. تك”. بصيت في الساعة لقيتها دخلت على اتنين بعد نص الليل! البيت كان ضلمة، بس كان فيه نور خفيف جاي من الصالة. قمت وقفت وأنا لسه مش فايقة، وبنادي بصوت كسلان: — «ماما؟ أحمد؟ إنتوا جيتوا؟»
محدش رد، بس سمعت صوت شهقات مكتومة وصوت عياط جاي من الصالة. مشيت براحة، وقلبي بدأ يدق بسرعة غريبة، الخوف اتسرب لعضمي من غير سبب. اول ما دخلت الصالة، لقيت “عمتي كريمة” قاعدة على الكنبة، مغطية وشها بإيديها وجسمها كله بيترعش وبتعيط بحرقة.
اتصمرت في مكاني، الليل متأخر.. وعمتي هنا؟ وبتعيط كده ليه؟ فين أبويا وأمي وإخواتي؟ رجلي مكانتش شيلاني وأنا بقرب منها، وبصوت مرعوب ويدوب طالع: — «عمتي؟ في إيه؟ إنتي هنا ليه دلوقتي؟ فين بابا وماما؟ هما لسه عندك؟»
عمتي رفعت راسها.. وشها كان شاحب زي الأموات، وعينيها حمرا من كتر العياط. أول ما شافتني، قامت وقفت بسرعة ومسكت إيديا الإثنين، إيديها كانت تلتج زي التلج.
بصت في عيني ونظرتها كانت مليانة كسرة وخوف، وقالتلي بصوت مخنوق بالدموع:
— «مريم.. يا بنتي.. إنتي كبرتي وبقيتي عاقلة وفاهمة.. وعارفة إن الصبر الحقيقي بيبان عند الصدمة الأولى.. وحدي الله يا بنتي..»
الكلام نزل عليا زي مية نار..
؟ الكلمة دي مبيقولهاش الناس إلا لما يكون فيه حد مات! الدنيا لفت بيا، والحيطان بدأت تضيق، حسيت إن الهوا اتسحب من الأوضة. مسكت في هدوم عمتي وأنا بصرخ بصوت مش طالع من حلقي: — «مين يا عمتي؟! انطقي بالله عليكي! بابا؟ ماما جرى لها حاجة؟ حد من العيال؟! انطقي متسيبنيش كده!»
عمتي مكنتش قادرة تتكلم، كانت بس بتهز راسها ودموعها نازلة مغرقة وشها. في اللحظة دي، جسمي كله ساب، ورجلي مأشالتنيش، وقعت على ركبي في الأرض وأنا بصرخ بهستيريا.
الشغالة الشغالة جت تجري وهي بتعيط وتلطم على وشها، راحت جابت عبايتي وطرحتي وبدأت تلبسهملي وهي بتترعش وتتكلم لغتها مع العربي لانها مش مصرية:
— «مريم.. حبيبتي.. البسي.. يلا روحي مستشفى.. يارب استر يارب!»
خرجت وأنا بجر رجلي جر، لقيت جوز عمتي “عم صادق” واقف بره الشقة، وشه كان أسود وعينيه في الأرض، مكنش قادر يبص في عيني. ركبنا العربية وأنا عقلي عمال يودي ويجيب، قلبي كان مقبوض لدرجة الوجع، وبلف حوالين نفسي.. يارب يكون حادثة بسيطة، يارب يقوموا بالسلامة.. يارب متوجعش قلبي عليهم!
من كتر الرعب والضغط، دماغي فجأة تقلت، ومحستش بالدنيا بعدها.. كل اللي فاكراه إن الإسعاف جت ولقيت نفسي بغيب عن الوعي.
فقت.. لقيت نفسي على سرير في المستشفى، وريحة المطهرات تكمش النفس. أول ما فتحت عيني، لقيت عمتي وجوزها واقفين فوق راسي، ودكتور واقف جمبهم بيقيسلي الضغط.
بصيت لعمتي ودموعي نزلت في صمت: — «هما فين؟ خدوني ليهم.. أنا بقيت كويسة والله، خدوني لماما وبابا».
الدكتور بص في الأرض وانسحب براحة من الأوضة. جوز عمتي قرب مني، قعد على طرف السرير، وصوته كان بيترعش وهو بيقول: — «يا مريم يا بنتي.. شد حيلك، إنتي مؤمنة بالله.. القطر وهو راجع بيهم خبط في عربية نقل.. الميكروباص كله اتقلب..»
سكت.. ومقدرش يكمل. أنا كنت ببص لعينيه وعايزة أقوله “كمل.. قول إنهم عايشين!” بس النظرة اللي في عينيه قالت كل حاجة. أبويا.. أمي.. مصطفى الشقي.. ونور وندى العصافير الصغيرين.. كلهم.. كلهم راحوا في لحظة واحدة! العيلة اللي كانت مالية عليا الدنيا، الدفا، الضحك، اللمة.. كل دا اتبخر في ثانية على طريق سريع.
صرخت؟ ميعرفش. صراخي كان مكتوم جوه صدري كأن فيه جبل قفل على نفسي. مكنش فاضل من ريحتهم غير أحمد.. أخويا الكبير.. السند اللي باقيلي.
أحمد مكنش مات، بس كان بين الحياة والموت. نقلوني على كرسية متحرك لحد العناية المركزة. وقفت قدام لوح الإزاز الكبير، وبصيت جوه.
كان نايم، الأجهزة مغطية كل حتة في جسمه، خراطيم في بقه ونافوخه ملفوف بالشاش، وصوت جهاز ضربات القلب “بيب.. بيب.. بيب” هو الصوت الوحيد اللي مالي الأوضة. لزقت وشي في الإزاز ودموعي بتغسل خطوط إيديا:
— «أحمد.. متسبنيش يا أحمد.. أنا ملعيش حد غيرك خلاص، البيت فِضي يا أخويا.. قوم عشان خاطري، مين هيشيلني؟ مين هيبقى ضهري؟ قوم وأنا مش هعمل مقالب تاني ومش هعصبك.. قوم يا أحمد!»
الأطباء كانوا بيدخلوا ويخرجوا، وكل ما أسأل حد فيهم يقولي:
“ادعيلوا يا بنتي، هو في غيبوبة كاملة والنفس على الأجهزة، الحالة حرجة جداً”. فضلت قاعدة قدام الإزاز تلات أيام، لا باكل ولا بشرب، ومستنية معجزة من ربنا ترجعلي أخويا.
وفي اليوم الرابع.. الصبح بدري، لقيت حركة غريبة جوه الأوضة.. الدكاترة جريوا، والجهاز بدأ يصفر صفارة واحدة طويلة ومستمرة.. . الدكتور خرج، بصلي بأسف، وطبطب على كتفي:
— «البقاء لله يا بنتي.. شد حيلك، ربنا يرحمه».
الكاتبة: نرمين عادل همام
في اللحظة دي.. الدنيا وقفت. مبقاش فيه صوت، ومبقاش فيه زمن. مبقتش حاسة بالناس اللي حواليا وهي بتصرخ ولا اللي بيعزوا. كنت حاسة إن قلبي بيدق، بس الدق دا مش جوه صدري.. دا في مكان تاني بعيد جداً عني، كأن روحي سابت جسمي ووقفت تتفرج عليا من بعيد. مكنتش قادرة أعيط، ولا قادرة أتكلم، ولا حتى أصرخ. دموعي نشفت جوه عيني.
خلصت الجنازة والعزا، ورجعت الشقة.. شقة السيدة زينب اللي كانت مليانة ضحك وأغاني ودوشة. الشقة كانت ضلمة، وريحتهم لسه في الحيطان.
عمتي كريمة قعدت معايا أسبوع كامل، كانت بتمشيلّي أموري وتأكلني بالعافية. بس بعد الأسبوع ما خلص، لميت حاجتها وقالتلي وهي مكسوفة:
— «يا مريم يا بنتي.. إنتي عارفة إني نفسي أفضل معاكي، بس جوزك عمك صادق تعبان جداً، ولازم نرجع عشان يتابع مع الدكاترة بره.. أنا هسيبلك قرشين، وخلي الشغالة معاكي ومتقفليش تليفونك».
مشيت عمتي.. ومن يومها، مشوفتش وشها تاني……تابع للجزء التاني
