قسوة بنتي الكاتبة نرمين عادل همام
بنتي ظهرت فجأة ومعاها جوزها ، وطلبت مني أحضر له الفطار الساعة 5 الصبح وكأني خدامة عنده.. وبعدها حاولوا يبيعوا بيتي من ورايا.. بس هما مكنش عندهم فكرة أنا لقيت إيه في أوراقه!
يا ماما، بكره الصبح الساعة 5 بالظبط، عايزة الفطار يكون جاهز عشان ‘وائل’.. وخليكي عارفة، هو مابيحبش يستنى أبداً.”
بنتي “هبة” رمت مفاتيح عربيتها على رخامة المطبخ بكل برود، وكأنها هي صاحبة البيت.. مش كأن ده البيت اللي أنا دفعت تمنه من شقا عمري وغربتي وتعب 20 سنة. لا سألتني أنا عاملة إيه، ولا حتى رفعت سماعة التليفون تقولي إنها جاية.. ولا كأنها بتكلم أمها، كانت بتكلم “شغالة” عندها.
كنت واقفة قدام البوتاجاز، بعمل قهوتي بالتحويجة وببص على جنينة بيتي الصغيرة في “الشيخ زايد” والهدوء اللي بيملا المكان، لما لقيتها داخلة فجأة ومعاها تلات شنط سفر كبار، ونضارة شمس سودة، وفستان ماركة.. ومعاها راجل عمري ما شوفته في حياتي.
بصيت له باستغراب.. وبعدين بصيت للخاتم الألماظ اللي في إيدها.الكاتبة نرمين عادل همام
“مين ده يا هبة؟” سألتها وقلبي واكلني. رفعت إيدها لفوق كأنها بتفرجني على جايزة كسبتها وقالت:
“جوزي.. وائل. اتجوزنا يوم السبت اللي فات وعلى فكرة عملنا فرح واهل ابويا حضروا كلهم واصحابي وكل الناس .”
في اللحظة دي، نِسيت إزاي آخد نفسي. بنتي الوحيدة اتجوزت! ؟ من غير ما تقولي؟ ولا حتى رسالة واتساب؟ ودلوقتي واقفة في مطبخي بتعرفني على جوزها وكأني جارتها اللي متعرفهاش كويس.
وائل ابتسم لي ببرود ورسمة وش كلها لؤم:
“أهلاً يا ست كريمة.. هبة حكت لي حاجات تشرح القلب عن ‘الفيلا’ دي.” ما قالش حكت لي عنك إنتي.. قال عن الفيلا. دي كانت أول “صفارة إنذار” خبطت في ودني، بس أنا مكنتش لسه استوعبت حجم المصيبة.
قالوا إنهم هيقعدوا “كام يوم” بس.. “شهر عسل هادي” زي ما هبة سمته. وائل قال إن الفنادق بقيت غالية ونار، وإن “مفيش أحلى من لِمة العيلة”. بس من تاني يوم، لقيتهم بيتكلموا عن تغيير العفش. وفي اليوم التالت، كانوا بيتناقشوا يهدوا أنهي حيطة عشان يوسعوا الصالة. وفي اليوم الرابع، وائل وقف في “التراس” بتاعي اللي بيطل على الجنينة وقال بوقاحة:
“المكان ده ممكن يتقسم شقق فندقية للأجانب، هيجيب مبالغ خيالية في الشهر.”
التراس بتاعي! نفس المكان اللي كبّرت فيه بنتي.. نفس المكان اللي كنت بشرب فيه قهوتي بعد طلاقي وأنا بحاول ألملم جراحي وأفتكر أنا مين.. نفس المكان اللي عيطت فيه لوحدي بالليالي عشان بنتي ما تشوفش كسرني إزاي أبوها لما سابنا وهرب.
سكتُّ.. وصبيت القهوة.. وكنت بسمع وبراقب في صمت. وفي الليلة التالتة، ووائل بيعمل مكالمة في الجنينة، هبة قعدت قدامي على التربيزة بنفس الوش “الكيوت” اللي كانت بتعمله وهي صغيرة لما تعوز مني حاجة.
“ماما.. أنا ووائل كنا بنفكر..” مفيش حاجة خير أبداً بتبدأ بالجملة دي.
“إنتي مابقتيش ينفع تعيشي هنا لوحدك.. الفيلا دي كبيرة عليكي قوي ومصاريفها كتير، وإنتي خلاص دخلتي في الـ 55. شقة شيك في ‘كومباوند’ في التجمع أو أكتوبر هتكون أمان ليكي أكتر.. وائل يعرف ناس تقال في العقارات، وممكن يساعدك تبيعي المكان ده بسعر خيالي ومن غير مشاكل.”
ضحكت.. لأني كنت فاكراها بتهزر. بس هي مكنتش بتهزر. بصيت لبنتي.. الضنا اللي شيلته وربيته وحميته من كل عاصفة خبطت في حياتنا.. وكل اللي هي شايفاه فيا دلوقتي هو “عقار” عايزة تبيعه وتلهف تمنه! سألتها بهدوء: “إنتي جاية هنا تقضي شهر عسل.. ولا جاية تبيعي بيتي يا هبة؟” وشها اتخشب وقالت: “ماتبقيش درامية يا ماما.. إحنا بنفكر في مستقبلك.”
في اللحظة دي دخل وائل وهو شايل “دوسيه” أسود تحت دراعه، وحطه على التربيزة كأننا في اجتماع مجلس إدارة:
“يا ست كريمة، أنا شغلي كله في الاستثمارات العقارية.. البيت ده مش ‘مستغل صح’. ومع المشتري المناسب، هتقدي تعيشي ملكة في أي مكان تاني.”
“مش مستغل صح”.. دي الكلمة اللي اختارها لوصف “بيتي”. المكان اللي بنيته طوبة طوبة بعد ما اتسندت على نفسي. كنت عايزة أطردهم برا.. بس ابتسمت ببرود. لأن فيه حاجة جوايا هديت فجأة.. هدوء ما قبل العاصفة.
تاني يوم الصبح، بنتي خلت الموضوع أسوأ.. دخلت المطبخ ببيجامة ستان وهي ماسكة الموبايل وقالت:
“وائل عنده مكالمات شغل مهمة مع عملاء من دبي من الساعة 6 الصبح، فعايز الفطار جاهز الساعة 5.. قهوة سادة، بيض عيون، وفاكهة متقطعة صغير. إنتي كدة كدة بتصحي للفجر، صح؟”
وائل حتى مارفعش عينه من الموبايل: “هكون شاكر ليكي جداً يا ست كريمة.. النظام مهم جداً للرجالة الناجحة اللي وقتها بفلوس.”
الرجالة الناجحة! كنت هضحك.. في اللحظة دي فهمت كل حاجة. بالنسبة لهم، أنا مابقتيش “أم”.. ولا “صاحبة البيت”.. أنا بقيت “عقبة”.. مجرد طباخة، ست كبرت في السن ممكن يضغطوا عليها ويطلعوها من بيتها قبل ما تحس باللي بيحصل.
قلت بابتسامة: “طبعاً.. بكره الساعة 5 كل حاجة هتكون جاهزة.” بنتي باستني من خدي كأنها انتصرت. بس ليلتها، ظبطت المنبه على الساعة 4 الفجر. مش عشان أطبخ.. الساعة 4:15، والبيت كله ساكت، دخلت أوضة الضيوف.. وائل كان سايب الدوسيه الأسود مفتوح جنب شنطته. واللي لقيته جوه خلا جسمي كله يتلج.
نسخ من “عقد ملكية” الفيلا بتاعتي.. اسم مشتري عمري ما سمعت عنه.. تثمين مزور للبيت.. وورقة فيها “إمضائي” منقولة بالكربون في آخر صفحة! بس مش ده اللي وجعني.. لأني لما دوّرت في الأوراق أكتر، لقيت “قسيمة الجواز”. ولما قريت اسم وائل بالكامل.. عرفت إن بنتي ماتجوزتش واحد غريب. دي اتجوزت ابن الراجل اللي حاول يسرق مني البيت ده من 15 سنة بدعوى إن الأرض دي ملكه!
الساعة 5 بالظبط، وائل نزل وهو مستني الفطار.. القهوة السادة، والبيض. بس اللي حطيته قدامه على التربيزة كان حاجة تانية خالص. الدوسيه بتاعه.. الأوراق المضروبة بتاعته.. وصورة قديمة عمري ما تخيل إني لسه شايلاها.
بص للتربيزة.. وبعدين بص لي.. ولأول مرة من ساعة ما دخل بيتي، وائل مابقتش على وشه الابتسامة الباردة دي.
واللي حصل بعد كدة.. مكنش يخطر على باله ولا بال بنتي!
الساعة كانت 4 الفجر، والبيت كان هادي لدرجة إنك تسمعي نِفس الجنينة برا. كنت واقفة حافية في الطرقة، لافة نفسي بالروب الكحلي القديم، وببص للدوسيه الأسود اللي “وائل” سابه على التربيزة بكل ثقة، كأنه راجل مش خايف من أي عواقب. الدوسيه مكنش مستخبي، وده في حد ذاته كان “إهانة” لذكائي.
مفتحتوش فوراً. بصيت لأوضة الضيوف اللي بنتي نايمة فيها جنب الغريب اللي سمته جوزها، ولثانية واحدة وجعت قلبي، افتكرت “هبة” وهي عندها 6 سنين، وهي بتجري في نفس الطرقة دي والشوكولاتة مغطية وشها.. زمان كانت بتجري تستخبى في حضني لما الرعد يضرب، ودلوقتي هي اللي جابت العاصفة لحد عندي.الكاتبة نرمين عادل همام
لما فتحت الدوسيه، إيدي كانت ثابتة. أول ورقة كانت “تثمين للبيت”، بس مش التثمين اللي يطلبه مشتري محترم. كان مكتوب اسمي بالكامل، وعنواني، ومساحة الأرض، وجنبها ملاحظة مكتوبة بلغة بيزنس باردة وقاسية:
“المالكة مرتبطة بالمكان عاطفياً لكنها غير مؤهلة مادياً لإدارته.. الابنة يمكنها الضغط عليها.”
قريت الجملة دي مرتين.. وتلاتة. القهوة اللي كنت ناوية أعملها مكنش ليها لزوم، لأن دمي كان بيغلي لدرجة تصحي الأموات.
الورقة التانية كانت أسوأ.. مكتوب عليها “خطة الانتقال”، وكأن حياتي دي “أوتيل” بيجددوه. وائل كاتب جدول زمني: (فرض السيطرة على المكان، إثارة مخاوف أمنية، التوصية بتقييم طبي، تقديم المشتري، الضغط للاستعجال، الحصول على التوقيع).
بس الجملة اللي خلت نفسي يتقطع كانت تحت خالص:
“اختبار طاعة الفطار: لو كريمة نفذت طلب الساعة 5، نبدأ في إجراءات إثبات عدم قدرتها على رعاية نفسها.”
معيطتش.. مش وقت عياط. فيه حاجة أبرد من الدموع مشيت في عروقي، القوة اللي الستات بتبنيها لما بيتحطوا في خانة “الضعف” لسنين طويلة. قلبت الورقة وشفت مسودة “توكيل عام”.. اسمي مطبوع فوق، وإمضائي “متزور” تحت خالص.
البيت لف بيا لثانية. ساندت على طرف التربيزة، مش ضعف، بس الغضب ساعات بيبقى أكبر من إن جسمك يستحمله. هما مكنوش جايين يزوروني، هما كانوا جايين “يمسحوني” من الوجود.
الدوسيه كان فيه كمان جواب طبي.. بيقول إني بظهر علامات “خرف، وقلق، وفقدان ذاكرة”، ودكتور عمري ما قابلته كاتب إني “محتاجة مساعدة العائلة في القرارات المالية”.
كنت هضحك.. كانوا عايزين يحولوا صمتي لمرض، وطولة بالي لدليل إني مش قادرة أحمي نفسي.
لحد ما لقيت آخر ورقة..
اتفاق خاص بين وائل وهبة، متوقع قبل فرحهم بأسبوعين. هبة موافقة فيه إن أي “ورث، أو نقل ملكية، أو بيع” يخص أملاك والدتها، يكون “منفعة زوجية مشتركة”. يعني بالعربي، وائل اتجوز بنتي وعينه على “فيلا الشيخ زايد”.
قفلت الدوسيه بالراحة. دخلت المطبخ وبدأت أحضر الفطار بهدوء الست اللي بتنصب “فخ”. قهوة، بيض، وفاكهة متقطعة بالمسطرة.
الساعة 5 بالظبط، وائل دخل بقميصه المكوي ووشه اللي بيقول إن العالم كله تحت رجله. هبة دخلت وراه وهي بتثائب، ولافة نفسها بشال من شالاتي من غير ما تستأذن حتى.
ابتسمت لما شافت السفرة وقالت له بصوت واطي:
— “شوفت؟ مش قلتلك ماما عاقلة وهتسمع الكلام.”
حطيت القهوة قدام وائل، وبعدين حطيت الدوسيه الأسود جنب طبقه.
الابتسامة اختفت من وشه قبل ما يلمس الكاس.
هبة بربشت بعينيها وهي مش فاهمة الدوسيه ده بيعمل هنا إيه. وائل حاول يلم نفسه بسرعة بس مالحقش.. شوفت الخوف في عينيه زي البرق.
— “إنتي جبتي ده منين؟” سأل بحدة.
قعدت قدامه، وفردت إيدي على التربيزة وابتسمت:
— “في بيتي.”الكاتبة نرمين عادل همام
هبة بصت بيني وبينه، وصوتها طلع فيه نبرة نرفزة بس وراها قلق:
— “ماما، هو إنتي بتفتشي في حاجتنا؟”
مبصتش ليها.. فضلت عيني في عين وائل:
— “وإيه اللي جاب إمضائي المتزور في حاجتكم؟”
المكان سكت تماماً.
برا، أول خيط نور لمس الجنينة. وجوا، بنتي نفسها اقطع زي العيلة اللي اتمسكت وهي بتسرق من الشنطة. وائل رجع بضهره لورا، وحاول يبان إنه “مظلوم”، بس صوابعه كانت بتضغط على فنجان القهوة بقوة:
— “يا ست كريمة، اعتقد إنتي فهمتي غلط.”
— سألته ببرود.. ” ده ‘نصب’ قبل الفطار؟”
هبة خطفت الدوسيه وفتحته. في الأول كانت بتبص بزهق ومستعدة تدافع عنه، بس عينيها بدأت تجري بين السطور. وشها لونه خطف.. لخبطة، كسوف، وبعدين خوف.
— “وائل.. إيه ده؟” همست وهي مش مصدقة.
وائل مد إيده ياخد الدوسيه، بس أنا حطيت إيدي عليه بقوة. مكنتش محتاجة أعلي صوتي:
— “سيبيها تقرأ.”
هبة سحبت الدوسيه وقرأت ورقة ورا ورقة.. لما وصلت لـ “اختبار طاعة الفطار”، بقها اتفتح وكأن الهوا هرب منها.
— “إنت قلت لي موضوع الفطار ده عشان عندك مكالمات شغل!”
وائل ضحك ضحكة صفرا، الضحكة اللي الرجالة بيستخدموها عشان يحسسوا الست إنها تافهة:
— “دي مجرد ملاحظات بيزنس يا هبة، ماتبقيش درامية.”
قربت من التربيزة وقلت لها:
— “غريبة.. دي نفس الكلمة اللي قالتها لي لما سألتها إنتي جاية تبيعي بيتي؟”
هبة اتنفضت.. وفي اللحظة دي، فيه عربية وقفت قدام الباب.
وائل بص من الشباك، وشوفته بيستعيد ثقته لثانية، أكيد افتكر إنهم ناس تبعُه. بس لما شاف ست وقورة ببدلة غامقة نازلة، ووراها راجل طويل شايل شنطة جلد، وشه اتشد.
هبة سألت بخوف: “مين دول؟”
قمت وقفت وأخدت قهوتي وقلت:
— “دول ضيوف الفطار اللي أنا عزمتهم.”
الست كانت “الأستاذة ماجدة”، المحامية اللي خلصت لي إجراءات طلاقي وتمليك البيت، والراجل اللي معاها كان “إبراهيم”، محامي متخصص في قضايا التزوير والنصب. دخلوا من غير شوشرة.. وده أكتر حاجة خوفت وائل. الناس اللي بتخوف بجد مش محتاجة تخبط الأبواب.
ماجدة سلمت عليا وبستني من خدي، وإبراهيم بص للدوسيه، وبعدين بص لوائل وابتسم ابتسامة حد بيصطاد فريسة:
— “الأستاذ وائل المنشاوي، مش كده؟”
وائل قام وقف فوراً: “دي مسائل عائلية خاصة.”
إبراهيم حط شنطته على التربيزة وقال ببرود: “التزوير مبيبقاش مسألة خاصة أبداً.”
هبة همست باسمي: “ماما..”
لفيت ليها، ولأول مرة يومها، صوتي حن شوية:
— “اقعدي يا هبة.. محتاجة تسمعي ده وإنتي لسه قدامك فرصة تختاري إنتي مين.”
الجملة دي وجعتها أكتر من الزعيق.
ماجدة فتحت الدوسيه بتاعها، كان فيه صور من عقود الملكية والقيود اللي أنا حطيتها على البيت من 5 سنين. وائل مكنش يعرف إن البيت ده “وقف” أو عليه قيود تمنع بيعه إلا بوجودي شخصياً وبصمة عيني وتوقيع ماجدة شخصياً. لا بنتي ولا جوز بنتي ولا دكتور مزور يقدروا يلمسوا طوبة فيه.
وائل حاول يضحك: “الموضوع مش محتاج كل التعقيد ده.”
بصيت له وقلت: “ولا كان محتاج تصحيني الساعة 5 عشان تختبر طاعتي.”
إبراهيم زق التوكيل المتزور على التربيزة: “التوكيل ده مأخوذ سكنر من بوليصة تأمين كريمة هانم وقعت عليها السنة اللي فاتت.. المسافات بين الحروف متطابقة بالملي، وده معناه إنه منقول مش ممضي.”
هبة لفت لوائل: “إنت قلت لي إنها وافقت خلاص!”
وائل جز على أسنانه: “كانت هتوافق.. أمك عاطفية، وأنا كنت بحاول أوفر وقت على الكل.”
بنتي بصت له وكأنها بتشوفه من غير “الماسك” لأول مرة:
“إنت قلت لي إنها وحيدة وعنيدة ومحتاجة اللي يوجهها!”
— “وهي فعلاً كدة!” زعق فيها.
وهنا كانت أول غلطة ليه. الخوف خلاه يقلع قناع الأدب ويظهر الوش الحقيقي.
ماجدة قلبت ورقة تانية:
— “وفيه كمان جواب طبي في الدوسيه ده.. كريمة هانم عمرها ما شافت الدكتور ده، والدكتور ده أصلاً مشطوب من النقابة بقاله سنة ونص.”
إبراهيم كمل بهدوء:
— “وشركة الاستثمار اللي في الورق دي، شركة وهمية مسجلة في “قبرص” وليها سوابق نصب كتير.”
هبة قامت وقفت بحدة: “سوابق نصب؟”
وائل شاور لإبراهيم بتهديد: “الزم حدودك.”
إبراهيم ابتسم: “إنت اللي تبدأ.”
طلعت من جيب الروب ورقة أخيرة، كنت طبعتها الساعة 4:30 بعد ما دورت على اسم لقيته في دوسيه وائل.. كانت دعوى قضائية من محكمة في “المنصورة”.
زقيتها ناحية هبة وقلت:الكاتبة نرمين عادل همام
— “اسألي جوزك.. مين هي ‘مروة’؟”
وائل وشه بقى أبيض زي الورقة.
هبة سألت وهي بتترعش: “مين مروة؟”
وائل سكت.. فقلت أنا:
— “مراته.. وأم عياله اللي لسه على ذمته.”
الكلمة كانت زي قزاز واتكسر 100 حتة. هبة هزت راسها برفض: “لأ.. مستحيل.”
مكنش إنكار، كان صوت بنت اكتشفت إن “قصة الحب” اللي عاشتها كانت مجرد “قفص” معمول عشان يتنصب عليها وعلى أمها.
ماجدة بصت لوائل وقالت: “حسب السجلات الرسمية، قض..ية طلاقك من مروة المنشاوي مشطوبة لأنك مابتحضرش الجلسات.. يعني إنت متجوز هبة بورق مزور يا أستاذ.”
هبة ساندت بإيدها على التربيزة.. بنتي مابقتش هي الست اللي دخلت المطبخ تطلب فطار بكل بجاحة، كتافها نزلت، وخاتم الألماظ في إيدها فجأة بقى تقيل قوي ومملوك لراجل مبيملكش غير الكدب.
— “إنت اتجوزتني وإنت لسه متجوز وانا زوجة تانيه ؟” همست هبة وهي مش مصدقة. هنا “وائل” قلع القناع تماماً وشيطانه ظهر: — “إنتي كنتِ عايزة تعيشي عيشة كبيرة يا هبة، فبلاش تمثلي دور البريئة وبعدين انت مراتي امام الناس مراتي شرعا وقانونا .. إنتي عجبك شكل المطاعم واللبس، وعجبتك فكرة إن بيت أمك يتحول لمشروع بيجيب ملايين.”الكاتبة نرمين عادل همام
صوته كان فيه كمية قسوة ملت المطبخ: — “إنتي كنتِ بتكرهي إنها بتمتلك كل ده وإنتي محتاجة تطلبي المساعدة.. أنا بس ورّيتك إيه اللي ممكن يحصل لو البيت ده بقى بتاعك.”
هبة بصت لي في اللحظة دي.. شفت في عينيها الخزي، بس شفت حاجة أوحش: “الاعتراف”. وائل ما اخترعش الغيرة والحقد، هو بس سقاهم مية وكبّرهم. حسيت بالكلام ده زي السك..ينة في قلبي، بس مابعدتش عيني عنها. قلت بهدوء: “أيوة.. هو استخدم اللي كان موجود جواكي فعلاً.”
هبة بدأت تعيط بانهيار: “يا ماما، أنا مكنتش أعرف موضوع الورق المتزور.” — “بس كنتِ عارفة إنه عايز يبيع البيت.” غمضت عينيها وسكتت.. والسكوت ده كان هو الاعتراف الصريح.
وائل خطف موبايله وقال: “أنا ماشي من هنا.” إبراهيم المحامي وقف في طريقه بكل برود: “طبعاً.. بس عربيتك مش هتمشي بعيد.”
وائل اتسمر مكانه.. وفجأة، عربية شرطة وقفت قدام الباب، ووراها عربية تانية سودة. هبة حطت إيدها على بقها من الرعب. أنا مكلمتش البوليس عشان أعمل “نمرة”، أنا كلمتهم لأن ناس زي وائل بيعيشوا على إن “العائلات” بتكسف تخلي المواضيع رسمية، بيعيشوا في الهمس والاعتذارات و”خلينا نحلها ودي”. بس أنا خلاص، مفيش حاجة عندي بقت “ودي”.
دخل اتنين ضباط ومعاهم واحدة من مباحث الأموال العامة. وائل في ثانية اتحول.. صوته بقى مؤدب، مجروح، كأنه راجل شريف: — “يا فندم، ده مجرد سوء تفاهم.. حماتي زعلانة عشان خلافات مع بنتها ”
الظابط بص لوائل بصرامة: “إحنا محتاجينك معانا عشان ترد على بلاغات تزوير أوراق رسمية، ومحاولة نصب عقاري، وانتحال صفة.” وائل رفع إيده: “إنتو معندكمش دليل إني استخدمت حاجة.” إبراهيم خبط بصباعه على الدوسيه الأسود: “الدليل إنت اللي جبته معاك على الفطار.”
ولأول مرة من ساعة ما دخل بيتي، وائل ملقاش كلمة ذكية يقولها. هبة قامت وقفت فجأة: “أنا عايزة أدلي بأقوالي.” وائل لف ليها وزعق: “اقعدي مكانك!”
الجو في الأوضة اتغير تماماً.. هبة بصت له وهي بتبكي، وبعدين قلعت الخاتم من إيدها وحطته على التربيزة: “لأ.”
الكلمة كانت صغيرة، بس كان ليها صدى زي باب بيتفتح. وائل حاول يهجم عشان ياخد الخاتم، بس الظابط وقف في طريقه. وشه اللي كان متلمع بالبرود اتحول لغضب بشع، وفي اللحظة دي، شوفت بالظبط بنتي كانت هتعيش إزاي لو البيت اتباع والفلوس بقت في إيده. يمكن أكون خسرت “عزومة فرحها”، بس أنا أنقذت حياتها.الكاتبة نرمين عادل همام
أخدوا وائل على برا.. وقبل ما يخرج من الباب حاول لآخر مرة: — “يا هبة، ماتبقيش غبية.. من غيري إنتي ولا حاجة.” بنتي بصت له وهي بتمسح دموعها، وبعدين بصت لي وقالت وصوتها بيقطع: “ده مش حقيقي.”
عربية البوليس مشيت، والجنينة رجعت هادية تاني. المطبخ كانت ريحته قهوة وبيض.. و”غدر”. لعدة دقائق، محدش نطق. ماجدة المحامية لمّت الورق، وإبراهيم عمل مكالمتين، وهبة فضلت قاعدة وحاطة إيدها حوالين الكوباية اللي ملمستهاش.
وقفت عند الحوض وغسلت السك..ينة اللي قطعت بيها الفاكهة.. حركة ملهاش لزمة، بس الوجع ساعات بيحتاج “شغلانة صغيرة” عشان ما يبلعش المكان كله. أخيراً، هبة همست: “ماما.. أنا آسفة.” فضلت أغسل: “على إيه؟” رفعت راسها بصدمة: “على كل حاجة.”
قفلت المية: “كل حاجة دي كلمة كبيرة قوي.. ابدئي بالحقيقة.” بنتي وشها انهار: “آسفة إني اتجوزته.. وإني جبته هنا.. وإني سبته يتكلم عن بيتك كأنه ملكي.. وآسفة إني طلبت منك تعملي فطار وكأنك مديونة لينا بحاجة.” نشفت إيدي بالراحة: “وبس؟” بلعت ريقها بصعوبة: “وآسفة.. إني كنت عايزة البيت ده يبقى بتاعي.”
هي دي.. هي دي الحقيقة اللي كانت ناقصة. رجعت قعدت قدامها على التربيزة. كنت عايزة أخدها في حضني، بس ملمستهاش. فيه دروس لازم تفضل “مسافة” بينك وبين اللي قدامك عشان “السماح” لما يجي يبقى حقيقي.
قلت لها: “لما أبوكي سابنا، البيت ده كان هيضيع.. كان عايزني أبيعه، قالي إنه غالي، وإني هبقى وحيدة، وإنه كتير على ست لوحدها. أنا حاربت عشان البيت ده لأنه المكان الوحيد اللي لسه بحس فيه إني ‘أنا’.. أنا مكنتش مخبية البيت ده عنك يا هبة، أنا كنت محافظ عليه ‘ليا’.”
هبة هزت راسها وهي بتعيط، بس الكسرة اللي في وشها قالت لي إنها عمرها ما فهمت الفرق ده. إبراهيم رجع المطبخ وقال: “البوليس هيكلمكم عشان الأقوال الرسمية.. وائل ممكن يخرج بكفالة بس الورق اللي معانا قوي، وتزوير الإمضاء لوحده كفيل يوديه في داهية.”
هبة سألت بخوف: “ممكن يرجع هنا؟” رديت أنا قبل المحامي: “لأ.” الكلمة كانت زي الحيطة.. مابتتهزش.
ماجدة طبطبت على كتفي: “يا كريمة، لازم تغيري الكوالين والترابيس النهارده.” قلت لها: “أنا كلمت ‘عم دانيال’ بتاع الكوالين من بدري.” هبة بصت لي: “عم دانيال؟ لسه شغال؟” — “لسه شغال يا هبة.”
بنتي بدأت تعيط أكتر.. يمكن افتكرته من أيام طفولتها، أو يمكن اكتشفت إن أنا ليا حياة، وصداقات، وأنظمة دفاع وحماية هي مكلفتش نفسها تشوفها أبداً.
على الضهر، كانت شنطة وائل على الباب برا.. محطوطة بنظام، مش مترمية بغضب، لأن الكرامة مكنتش عشانه هو، كانت عشاني أنا. هبة لمّت حاجتها في صمت. كنت فاكرة إنها ماشية هي كمان، وجزء مني ارتاح، وجزء تاني حس بوجع الأم اللي بيشدك لضناكي حتى وهو جارحك.
جات وقفت عند باب المطبخ وهي شايلة شنطة صغيرة: — “ممكن أبيد عندك ليلة واحدة؟ مش كصاحبة بيت.. ولا كضيفة شرف.. بس كبنتك؟”
بصيت لها كتير.. الرد السهل كان “أيوة”، والرد الدرامي كان “لأ”. بس الحياة أصعب من الاتنين. قلت لها: “تقدري تباتي النهارده.. وبكره نتكلم في اللي هيحصل بعدين.” هزت راسها بلهفة: “شكراً.” رفعت صباعي بتهديد بسيط: “وإنتي اللي هتعملي الفطار.”
ولأول مرة طول اليوم، هبة ابتسمت من وسط دموعها: — “الساعة 5؟” — “ماتتماديش في الغلط.”
ليلتها، البيت كان حاسس بالوجع. غيرت الأقفال الساعة 6. إبراهيم أخد نسخ من كل الأوراق، وماجدة عملت إجراءات تمنع أي تلاعب في ملكية البيت. هبة كانت قاعدة في التراس لافة نفسها ببطانية وبتبص للجنينة، وكأنها مستنية إجابة على أسئلة خايفة تسألهالي.
الساعة 8، دخلت لقيتني بعمل شوربة.. وقفت جنبي بارتباك، زي ما كانت بتعمل وهي مراهقة لما تعوز تعتذر بس مستنية أنا اللي أبدأ. اديتها بصلة: “قطعي.” أخدتها مني وبدأت تقطع.. في الأول السكوت كان تقيل، بس ريتم الطبخ بدأ يدوبه. صوت السكي..نة، وصوت المعلقة في الحلة، وصوت المية.. بعد شوية، هبة قالت: — “هو قالي إنك مش عايزاني أملك أي حاجة.” قلبت الشوربة: “وإنتي صدقتيه؟” وطت راسها: “جزء مني صدقه.” هزيت راسي لأن الحقيقة محتاجة مساحة حتى لو بتوجع: “ليه؟”
هبة مسحت عينيها وقالت: “لأنك بعد الطلاق اتغيرتي.. بقيتي حريصة قوي في الفلوس، وبقيتي قوية بزيادة ومخفية حياتك عننا.. أنا افتكرت إنك مابقتيش محتاجاني في حياتك.”
كنت هسيب المعلقة من إيدي.. ده كان الوجع اللي تحت الوجع.
— “يا هبة، أنا بقيت قوية لأني مكنش قدامي حل تاني.. مش معنى إني قوية إني مابقتش محتاجة بنتي في حياتي.”
هبة بدأت تعيط بانهيار تاني، بس المرة دي أنا اللي مديت إيدي ليها.. اترمىت في حضني كأنها كانت مستنية “إذن” عشان ترجع لحضن أمها من سنين. فضلت حضناها لدقيقة.. دقيقة مكنتش كفيلة تمسح اللي عملته، ولا كافية إننا نمثل إن كل حاجة خفت.. بس كانت كافية تفكرنا إحنا الاتنين إن قبل الورق، والتزوير، والرجالة، والبيوت، والحقد، والفلوس.. كان فيه “أم وبنت” في مطبخ واحد.
تاني يوم الصبح، هبة قامت وعملت الفطار الساعة 7. البيض كان مالح زيادة، والقهوة كانت خفيفة قوي، والفاكهة كانت متقطعة كأنها كانت في خناقة مش بتتقشر بالسكي..نة.. بس حطت الطبق قدامي بإيديها الاتنين: — “الفطار جاهز يا ماما.” دقت البيض وحاولت مابينش إني متضايقة من الطعم وقلت لها: — “محتاجة تدريب.” ضحكت ضحكة صغيرة مكسورة، بس كانت حقيقية.
خلال التلات أيام اللي بعدهم، البيت اتحول لغرفة عمليات ومحكمة. هبة أدلت بأقوالها، والمحامي إبراهيم قدر يوصل لـ “مروة” مراته الأولى في المنصورة، وطلعت ست غلبانة ضحك عليها هو كمان. والمفاجأة إن فيه ستات تانية ظهروا أول ما عرفوا إن “وائل المنشاوي” اتمسك في قض..ية نصب. كل الحكايات كانت شبه بعضها: راجل شيك، كلام معسول، قصة حب سريعة، فرصة استثمار، إمضاء على ورق، وبعدين “فص ملح وداب”.
واحدة خسرت تحويشة عمرها، وواحدة كانت هتخسر شقتها، ومروة كانت بتحاول بقالها سنتين تثبت إنه فتح حسابات باسمها وسحب قروض. هبة كانت بتسمع كل ده وهي حاسة إن الدنيا بتمطر فوق دماغها وهي عريانة من غير غطا. على اليوم الرابع، بطلت تدافع عن نفسها.. وده كان أهم حاجة. فيه ناس بتعتذر بس عشان “العواقب”، لكن هبة بدأت تفهم الوجع اللي ورا العواقب دي.
يوم الجمعة الصبح، لقيتها في الجنينة بتشد الحشيش الضار بإيديها، ولابسة هدوم قديمة من بتوعي. نسخة “الهانم” اللي كانت داخلة بيها البيت اختفت. — “مش لازم تعملي كدة يا هبة.” فضلت تشد في الزرع: “عارفة يا ماما.” قعدت على الدكة الرخام جنب الياسمين: “أمال بتعملي كدة ليه؟” بصت للطين اللي تحت ضوافرها وقالت: “لأني مش عارفة أصلح اللي كسرته إزاي.” بصيت لها شوية وقلت: “البداية إنك ماتحاوليش تصلحيه بسرعة.. الصلح بيحتاج وقت.”
بعد أسبوعين، وائل اتوجهت له تهم رسمية بتزوير أوراق، ومحاولة نصب، وانتحال صفة. وحساباته في البنك اتجمدت. هبة رفعت قض..ية “فسخ عقد زواج” عشان بطلان الإجراءات. الموضوع مكنش فيه “دراما أفلام”، كان فيه ورق، ومحامين، وكسرة عين، وشغل تقيل عشان تنضف حياتها من السم ده.
في يوم، دخلت المطبخ ومعاها ظرف تقيل: — “ماما، أنا مضيت على كل حاجة.. واديت للأستاذ إبراهيم نسخ من الرسايل اللي كان وائل بيبعتها لي عشان يضغط عليكي تبيعي البيت.” بصيت لها وأنا بشرب الشاي: “ده هيساعدنا قوي.” قالت بصوت واطي: “وفيه حاجة تانية..” حطت كشف حساب بنكي على التربيزة. بنتي كانت مدياله “فيزا” لحساب توفير أنا مكنتش أعرف عنه حاجة، وسحب منه أغلب الفلوس في أول أيام جوازهم. بصيت للأرقام وبعدين لوشها: “كام؟” — “داخلين في 2 مليون جنيه.”
غمضت عيني بوجع. هبة حاولت تبتسم بس فشلت: — “كنت فاكرة إني بستثمر في مستقبلنا.” زقيت الورق ناحيتها بالراحة وقلت: — “لأ.. إنتي كنتِ بتدفعي مصاريف الجامعة.” بصت لي باستغراب ودموع: “جامعة إيه؟” — “أغلى درس في حياتك يا بنتي.”الكاتبة نرمين عادل همام
عدت الشهور.. حكاية وائل مخلصتش بسرعة، لأن ناس زيه بيسيبوا بقع صعبة تطلع. بس البيت فضل بتاعي. كل يوم الصبح أفتح الستائر وأبص للجنينة وأفكر نفسي إن الحيطان ممكن تشيل وجع بس مش لازم تبقى سجن. ساعات البيت بيعيش لما الست اللي جواه تبطل تطلب إذن عشان تدافع عنه.
هبة نقلت في شقة صغيرة في “أكتوبر”. مش لأني طردتها، بس لأنها اختارت تقف على رجليها. اشتغلت سكرتارية في عيادة سنان، شغلانة زمان كانت هتشوفها “أقل من مستواها”. أول مرة حكت لي عن الشغل كان صوتها فيه كسوف، عملت نفسي مش واخدة بالي وقلت لها: — “الشغل الشريف عمره ما كان عيب يا هبة.” سكتت شوية وقالت: “إنتي دايماً كنتِ بتقولي كدة.” — “وإنتي دايماً كنتِ بتقلبي عينيكي بزهق.” — “كنت غبية يا ماما.. كنت أنانية.” مصلحتش ليها الكلمة.. ده كان جزء من نموها.
بقت بتجيلي كل يوم حد. في الأول كانت بتستأذن قبل ما تلمس أي حاجة.. قبل ما تفتح ضلفة في المطبخ، قبل ما تقعد على كرسيها القديم. قلبي كان بيوجعني بس سبتها تستأذن.. الحدود مابتبقاش قاسية إلا للناس اللي استفادت لما مكنش فيه حدود.
بالراحة، يوم الحد بقى يوم “المحشي”.. وبعدين يوم “الجنينة”.. وبعدين يوم “القهوة في التراس”. مصبحناش أصحاب في يوم وليلة، لأن السماح الحقيقي مش زرار بندوس عليه، ده باب بنصلحه مفصلة مفصلة.
بعد حوالي 8 شهور، هبة جات ومعاها كرتونة صور قديمة: — “ممكن أوريكي حاجة؟” كانت صور ليها وهي عندها 5 سنين، وصور ليا وأنا شايلاها بعد حفلة المدرسة، وصور كلبنا القديم وهو نايم جنبها في الشمس. قالت وهي بتبص للصور: “أنا اكتشفت إني كنت فاهمة البيت ده غلط.” — “إزاي؟” — “كنت فاكرة إنه دليل إنك معاكي أكتر مني.. بس طلع دليل إنك اديتيني كل اللي تقدري عليه.”الكاتبة نرمين عادل همام
طلعت جواب مكتوب بخط إيدها.. مش رسالة موبايل، جواب حقيقي. حكت فيه عن غيرتها، وعن إنها فهمت استقلالي وقوتي غلط وافتكرتها رفض ليها. وفي الآخر كتبت جملة خلت عيني تحرقني: “أنا مش عايزة بيتك يا ماما.. أنا عايزة أرجع لثقتك تاني، حتى لو فضل الموضوع ده ياخد بقية عمري كله.”
أخدت إيدها بين إيديا: “ده أول طلب صادق أسمعه منك من زمان.. والمسامحة هتيجي، بس بالراحة.”
بعد سنة من يوم “فطار وائل”، بدأت المحاكمة. هبة وقفت وشهدت ضده بكل قوة. لبست فستان بسيط، وصوتها كان ثابت. حكت للمحكمة إزاي هو لعب على نقط ضعفها، وإزاي زور الأوراق من ورايا. وكيل النيابة سألها سؤال أخير: “ليه قررتي تشهدي ضده وتدمريه؟” هبة بصت لي.. ولثانية القاعة كلها اختفت، وبقت بنتي الصغيرة اللي بتدور على وشي في الزحمة.. وقالت: — “لأن أمي عملت له فطار.. وبدل الأكل، ادت له الحقيقة.”
وائل اتحكم عليه بالسجن في كذا قض..ية. وهبة مرجعتش الـ 2 مليون جنيه بتوعها، بس بطلت تتكلم عنهم كأنهم مصيبة.. بقت تسميهم “مصاريف الجامعة” زي ما قلت لها.الكاتبة نرمين عادل همام
بعد سنتين من واقعة “الدوسيه الأسود”، صحيت قبل الفجر. مش عشان حد طلب فطار.. عشان عايزة أشوف جنينتي والهدوء اللي فيها. عملت قهوتي وطلعت التراس. البيت كان هادي بس هدوء “سلام”، مش هدوء “وحدة”.
كنت حدثت أوراق “الوصية” بتاعتي. مش عشان أدّي هبة البيت كجايزة على الغدر، ولا عشان أمثل إن اللي فات محصلش.. عملت حاجة تانية خالص. البيت هيفضل ملكي طول حياتي. وبعد عمري الطويل، البيت هيتحول لـ “دار استضافة” للستات اللي اتعرضوا للنصب أو الغدر العائلي أو الاستغلال المادي. وهبة مش هتكون “المالكة”.. هبة هتكون “المديرة” اللي بتساعد الستات دول.
لما قلت لها، عيطت أكتر من يوم ما وائل اتمسك وقالت: — “أنا مستاهلش ده يا ماما.” بست راسها وقلت لها: “فعلاً.. بس إنتي تقدري تبقي الست اللي تستحق تشيل الأمانة دي.”
ودي كانت البداية الجديدة. البيت اللي وائل قاله عليه “مش مستغل صح”، بقى مليان أكتر من أي وقت فات. مش بمستأجرين، ولا بسياح أجانب، ولا برجالة بيقيسوا الحيطان عشان يحسبوا الأرباح.. بقى مليان بستات بيفتكروا أسماءهم تاي، وبيعرفوا إن كرامتهم فوق أي بيت.
هبة قعدت جنبي على طرف المشاية في الجنينة وسألتني: — “ندمتي إنك خليتيني أبات الليلة دي يا ماما؟” بصيت للغروب وقلت لها: “ساعات..” هزت راسها وهي فاهمة، فكملت بابتسامة: “بس عمري ما ندمت إني خليتِك إنتي اللي تعملي الفطار تاني يوم.”
ضحكت، والمرة دي الضحكة مكنش فيها أي كسوف. دي قصة الست اللي افتكروها ضعيفة عشان هادية.. والأم اللي افتكروها وحيدة عشان عايشة لوحدها.. والبيت اللي افتكروه “عقار” وهما مش فاهمين يعني إيه “ذكرى”. دي حكاية الصبح اللي بطلت فيه أخدم ناس جايين على سفرتي ومعاهم سكاكين مستخبية في ورقهم.
الكاتبه نرمين عادل همام
تـمـت بـحـمـد الله
