كل اسبوع ج4

حكايات روماني مكرم

## الجزء السابع

انقطع النَفَس في صدري، وتجمدت الدماء في عروقي وأنا أستمع إلى صوت حركة الباب الخارجي. الصوت كان بطيئاً، حذراً، وكأن مَن بالخارج يحاول ألا يصدر أي جلبة. من يمكنه الدخول إلى شقة أغلقتها الشرطة بالشمع الأحمر أو تحفظت عليها؟ ومن يملك نسخة من المفتاح غيري أنا وياسر؟

ياسر في الحجز، وأحمد نائم في بيت العائلة… الأفكار دارت في عقلي كالإعصار المرعب. نظرتُ إلى جهاز التسجيل والتقرير الطبي في يدي، وشعرت أنني لستُ ممسكة بأوراق، بل بقنبلة موقوتة قد تنفجر في وجهي وتنهي حياتي في ثوانٍ.

تحركتُ بخطوات أشبه بالطيران، دون أن أصدر أي صوت. دخلتُ خلف ستارة الشرفة الثقيلة الموجودة في غرفة المكتب، وحبستُ أنفاسي تماماً، واكتفيتُ بالنظر من خلال شق صغير جداً يطل على الممر المؤدي لصالون الشقة.

انفتح الباب الخارجي بالكامل، ودخل شخص… لم يكن ياسر.

كان رجلاً في أواخر الأربعينيات من عمره، يرتدي بدلة رسمية أنيقة، ملامحه كانت صارمة، وعيناه تلتفتان حول المكان بحذر شديد. لم أرَه من قبل في حياتي، لكن حركاته كانت تدل على أنه يعرف الشقة جيداً. تحرك مباشرة نحو غرفة المكتب دون أن يتردد ثانية واحدة!

دخل الغرفة التي أختبئ فيها. كنتُ أرى طيفه من خلف الستارة. توجه فوراً نحو المكتبة الكبيرة، وتحديداً نحو الرف العلوي حيث كان ديوان الشعر!

بدأ يفتش بيده في التجويف الخشبي، وعندما لم يجد العلبة المعدنية، صدرت منه تنهيدة غضب حارقة، وضرب حافة المكتب بقبضة يده وهو يتمتم بغيظ:

“راحت فين؟ مستحيل البوليس يكون وصلها بالسرعة دي!”

أخرج هاتفه المحمول بسرعة، وضغط على زر الاتصال، وانتظر لثوانٍ قبل أن يأتيه الرد، ليتحدث بصوت منخفض ومثقل بالتوتر:

“أيوة يا باشا… أنا في الشقة حالا. العلبة مش موجودة في مكانها ورا الكتاب! ياسر شكله غفلنا وشالها في مكان تاني قبل ما يتم القبض عليه، أو أن مراته لقتها… البوليس شمع الشقة بس أنا دخلت من باب المطبخ اللي ورا زي ما قولتلي… العمل إيه دلوقتي؟ الشريط ده لو وقع في إيد النيابة، مش بس ياسر اللي هيتعدم، إحنا كمان هنروح في داهية! القض*ية القديمة بتاعة رانيا لو اتفتحت، اسم المستشفى والتقرير المزور هيخربوا بيوتنا كلنا!”

توسعت عيناي من فرط الصدمة. التقرير الطبي الذي في يدي… لم يكن مجرد تقرير، بل كان دليلاً على مؤامرة وتواطؤ من مستشفى كبير أو أطباء ذوي نفوذ للتغطية على جر*يمة ق*تل رانيا وتقييدها ضد مجهول أو كجرعة زائدة بالخطأ! وهذا الرجل أرسلته جهة ما لتطهير المكان وإخفاء الدليل قبل أن تصل إليه يد العدالة.

تابع الرجل حديثه على الهاتف وهو يتحرك في أرجاء الغرفة، يقترب أكثر فأكثر من الستارة التي أختبئ خلفها:

“البنت؟ فريدة؟ مش في بيت أهلها، أنا راقبت البيت الصبح وأخوها نزل يدور عليها وملاقاهاش… احتمال تكون هنا؟”

وفجأة، صمت الرجل تماماً.

توقفت أنفاسي. نظرتُ للأسفل برعب، واكتشفتُ الكارثة… حقيبتي النسائية الصغيرة كانت ملقاة على مقعد المكتب في وضح النهار، وبجوارها الغلاف الخارجي لديوان الشعر الذي سقط مني دون أن أنتبه!

سمعتُ خطواته البطيئة تتقدم نحو الستارة. كان يتحرك كصياد وجد طريدته. يده امتدت ببطء ليمسك بطرف الستارة ويقشعه…

وفي تلك اللحظة القاتلة، دوت في الشقة أصوات خطوات سريعة وعنيفة، وصوت أخويا أحمد وهو يصرخ بأعلى صوته في الصالة:

“فريدة!! أنتِ هنا يا فريدة؟! الباب الخارجي موارب ليه؟!”

تحول انتباه الرجل في ثانية واحدة. ترك الستارة وتراجع للخلف، وأخرج من جيب جاكيته مسدساً أسود صغيراً بكاتم صوت! التفت نحو الباب مستعداً لإطلاق النار على أحمد بمجرد دخوله الغرفة.

عرفتُ أن أحمد في خطر مميت، وأنه لا يملك أي فكرة عن وجود رجل مسلح في الداخل. تملكتني شجاعة يائسة؛ خرجتُ من خلف الستارة وبكل قوتي دفعتُ الكرسي الخشبي الثقيل للمكتب نحو ظهر الرجل، ليصطدم به ويفقده توازنه، وصرختُ بأعلى صوتي:

“أهرييييب يا أحمد!!! معاه سلاااح!!”

انطلق أحمد نحو الغرفة فور سماع صراخي، بينما التفت الرجل إليّ وعيناه تتطاير منهما الشرر، ووجه فوهة المسدس مباشرة نحو صدري…

#الكاتب_رومانى_مكرم

 

## الجزء الثامن

دارت الدنيا بي وأنا أنظر إلى فوهة المسدس الموجهة إلى صدري مباشرة. انطلقت رصاصة مكتومة الصوت “باف…”، وشعرتُ بريحها تمر بدقة بجانب أذني لتخترق الخشب خلفي، وتملأ المكان برائحة البارود المحترق.

في تلك الأجزاء من الثانية، اندفع أحمد إلى داخل الغرفة كالبرق. لم يفكر في حياته ولا في الس*لاح؛ كل ما رآه هو أن شقيقته تواجه الموت. ألقى بجسده بالكامل فوق الرجل المسلح، ليتدحرجا معاً على أرضية المكتبة وسط صراع شرس.

“اخرجي برة يا فريدة! اطلبي البوليس!” صرخ أحمد وهو يحاول تثبيت يد الرجل التي تقبض على المسدس.

لم أستطع ترك شقيقي بمفرده. تطلعتُ حولي بسرعة، والتقطتُ تمثالاً نحاسياً ثقيل الوزن كان موضوعاً فوق المكتب كزينة. اقتربتُ بخطوات متخبطة، والدموع تعمي عيني، وبكل قوتي هبطتُ بالتمثال فوق يد الرجل المسلح التي يمسك بها المسدس.

أطلق الرجل صرخة ألم مدوية، وسقط الس*لاح من يده ليتدحرج تحت الخزانة الخشبية. استغل أحمد الفرصة، وبكمية هائلة من الأدرينالين والغضب، وجّه إليه ضربة قوية في وجهه أفقدته الوعي تماماً، ليتمدد على الأرض بلا حراك.

سقطتُ على الأرض وأنا ألهث بشدة، بينما انحنى أحمد فوقي وهو يرتجف، ويمسك بكتفيّ:

“أنتِ كويسة؟ حصلك حاجة؟ إيه اللي جابك هنا يا فريدة؟ أنا صحيت ملقتكيش في البيت، ولقيت دكتورة سلمى بتتصل بيا وبتقولي إنها خايفة تكوني رجعتي الشقة تدوري على حاجة… جيت جري وراكي!”

أومأتُ برأسي وأنا أبكي، ومددتُ يدي التي كانت ما زالت تقبض بقوة على جهاز التسجيل والتقرير الطبي كأنها تقبض على طوق نجاتي:

“أحمد… ده اللي جابني. ياسر طلع مش مجرد مريض.. ياسر قاتل! هو اللي ق*تل مراته الأولى رانيا، والراجل ده جاي يسرق الدليل عشان يداري على المستشفى اللي زورت التقرير زمان!”

أخذ أحمد الأوراق والجهاز من يدي وهو غير مصدق، ونظر إلى الرجل الملقى على الأرض:

“ده معناه إننا وسط شبكة كبيرة يا فريدة… الموضوع أكبر من ياسر بكتير.”

أخرج أحمد تليفونه بسرعة واتصل بالشرطة مجدداً، وأبلغ عن وجود هجوم مسلح وشخص مقيد داخل الشقة. لم تمر سوى عشر دقائق حتى كانت سيارات الشرطة تحيط بالعمارة بالكامل، ودخلت قوة مكثفة بقيادة رئيس المباحث شخصياً.

تم القبض على الرجل المسلح، وتفتيش هويته التي كشفت أنه يعمل مسؤولاً أمنياً كبيراً في إحدى المستشفيات الاستثمارية الشهيرة. سلّم أحمد جهاز التسجيل والتقرير الطبي الأصلي لضابط المباحث، الذي استمع إلى ثوانٍ من التسجيل، وتغيرت ملامحه تماماً، ونظر إلينا بجدية شديدة قائلاً:

“المرادي الق*ضية اتقلبت تماماً… ده مش مجرد شروع في قت*ل… ده ملف جنائي مقفول من سنين وهيفتح عش الدبابير على ناس كبار.”

تم اصطحابنا أنا وأحمد إلى مقر مديرية الأمن وسط حراسة مشددة تأميناً لنا. دخلنا إلى مكتب وكيل النيابة الذي بدأ في التحقيق الفوري وبشكل سري للغاية نظرًا لخطورة الأسماء المذكورة في اعترافات الرجل المسلح التي أدلى بها بعد تضييق الخناق عليه.

جلسنا في غرفة الانتظار لساعات طويلة، حتى خرج إلينا المحامي الخاص بنا، وملامحه تحمل مزيجاً من الذهول والانتصار:

“فريدة… النيابة قلبت الدنيا. بناءً على التسجيل والتقرير، صدر قرار فورى بنبش قبر ‘رانيا’ لإعادة تشريح الج*ثة وبيان سبب الوفاة الحقيقي. وياسر انهار تماماً في التحقيق لما واجهوه بالتسجيل، واعترف بكل حاجة… اعترف بـ رانيا، واعترف إنه كان بيجهزلك نفس المصير بالظبط أول ما فكرتي تبعدي عنه.”

تنفستُ الصعداء وشعرتُ بحمل ثقيل ينزاح عن صدري، لكن المحامي لم يبتسم، بل اقترب منا أكثر وانخفض صوته بنبرة غامضة ومقلقة:

“بس فيه حاجة تانية غريبة حصلت في التحقيق… ياسر وهو بيتكلم عن طقوس العطر، قال جملة خلت وكيل النيابة يقفل المحضر ويطلب تحريات خاصة فورية.”

نظرتُ إليه بقلق: “جملة إيه؟”

قال المحامي وعيناه متسعتان:

“ياسر قال إن رانيا ما كانتش الضحية الأولى… وإن فيه زجاجة عطر تانية خالص، بريحة تانية، مدفونة في مكان عميق في بيته القديم في البلد.. زجاجة تخص ست تانية اختفت من عشر سنين ومحدش يعرف عنها حاجة لحد النهاردة!”

شعرتُ بقشعريرة باردة تضرب جسدي كله مجدداً. الكابوس لم ينتهِ، والستار الذي رُفع لم يكشف سوى عن بداية لسلسلة من الجرائم المرعبة التي لا يعلم مداها إلا الله.

#الكاتب_رومانى_مكرم

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *