دور كرونا الجزء الاخير

الكاتبة اماني سيد

بعد ما مرام كلمت جوزها وحكت له اللي حصل بالتفصيل، الدنيا اتقلبت في لحظة. صوت ابني في التليفون كان مالي البيت غضب وقهر، مش بس على مراته وعياله اللي اتبهدلوا، لكن على اللي عملته فيهم. بعد التليفون ده، حسيت إني بقيت غريبة في البيت اللي كنت بفتخر إني “صاحبة حق” فيه.

أهل مرام ما تأخروش، جم في نفس اليوم ومعاهم دكتور، وكأنهم اقتحموا البيت عشان ينقذوا اللي باقي. عملوا البيت حجر صحي بجد، منعوا أي حركة، وجابوا ممرضة لابسة لبس الوقاية الكامل، بقت تدخل لي الأوضة بصهامة، تتعامل معايا ببرود، وكل همها إنها تتابع حالتي عشان ما أشكلش خطر إضافي على حد فيهم.

مرام، اللي كانت شايلاني على كفوف الراحة قبل ما الحقيقة تبان، بقت دلوقتي في أوضة تانية هي والعيال، بتعاني زيي، ومحدش مسموح له يدخل لها غير الممرضة. كل يوم، أهلها ييجوا، يحطوا الأكل والمستلزمات على عتبة باب الشقة، يرنوا الجرس، ويجروا من غير ما حد فيهم يقرب، ولا حتى يدخلوا يطمنوا على بنتهم من قريب، خوفاً من العدوى اللي أنا دخلتها عليهم بإيدي.

أنا بقيت قاعدة في الأوضة، حاسة بمرارة تملى حلقي أكتر من مرارة الدواء. الممرضة كانت بتدخل تديني العلاج وتخرج، مفيش كلمة حلوة، مفيش “ألف سلامة يا حماتي”، مفيش الحنية اللي كانت بتغلفني بيها مرام. كنت بسمع صوت مرام وهي بتكح من الأوضة التانية، وأسمع صوتها وهي بتواسي الولاد اللي بيعيطوا من التعب، وقلبي بيتقطع.

في ليلة، وأنا نايمة لوحدي في الضلمة، افتكرت كلامي اللي كنت بلقحه عليها.. “البيت ده بفلوس ابني”، “أنا صاحبة حق”.. الكلام ده اللي كان بيدي لي إحساس زائف بالقوة، دلوقتي بقى زي السكينة اللي بتدبحني في كل وقت. البيت بقا مفتوح آه، بس بفلوس أهلها اللي بيصرفوا على علاجي وعلاج عيالها، مش بفلوس ابني اللي كان بعيد ومغلول على اللي حصل في بيته.

الممرضة دخلت في مرة عشان تغير لي المحلول، بصيت لها بضعف وسألتها بصوت مخنوق:

ـ “هي مرام عاملة إيه؟ حد دخل طمنها؟”

advertisement
بصت لي بنظرة كلها لوم وقالتلي بحدة:

ـ “مدام مرام تعبانة جداً يا حاجة، والولاد حرارتهم مش بتنزل.. ادعي لهم، كفاية اللي شافوه معاكي.”

كلمتها كانت قاسية، بس هي دي الحقيقة. قعدت أبص للسقف وأنا بفتكر وجه مرام الطيب وهي بتقولي “أنا هقعد تحت رجلك”، وبقارن بينه وبين نظراتها دلوقتي وهي مش قادرة حتى تبص في وشي. عرفت وقتها إن البيت مش بالحيطان ولا بفلوس الغربة، البيت بالناس اللي بيشيلوك لما تقع، وأنا كسرت أكتر حد كان ساندني، وخليت “الستر” اللي كنت بتمناه، يتحول لـ “خزي” أنا اللي شربته بإيدي.

بدأت صحتي تتحسن، وبدأت أقدر أتحرك وأشرب وأكل من غير مساعدة الممرضة اللي كانت بتعاملني ببرود رسمي. وفي يوم، رن تليفوني وكان هو.. ابني. صوته في السماعة كان مخنوق، مش صوت الابن اللي بيطمن على أمه، كان صوت راجل مكسور ومقهور، مليان غضب وحرقة.

بدأ الكلام من غير مقدمات ولا “إزيك يا ماما”، قال لي بنبرة مغلولة:

ـ “أنا هنا في الغربة بتعذب يا أمي.. بتعذب لأني مش عارف أطمن على مراتي وعيالي، ومش قادر أعملهم حاجة. كنت فاكر إن وجودك معاهم في وقت تعبهم هيكون أمان ليهم، مش خطر يهد البيت عليهم! إيه اللي خلاكي تعملي كدة؟ ليه خبيتي عليهم بدل ما تحميهم؟”

كلماته نزلت على قلبي زي الرصاص. حاولت أدافع عن نفسي وأقول له: “يا بني أنا كنت تعبانة وكنت محتاجة حد يخدمني، ومرام كانت موجودة..” بس هو قاطعني بصوت أعلى وأقوى:

ـ “يخدمك إزاي؟ بأنك تغرّقيها في المرض وهي اللي شايلاكي؟ مراتي كانت بتخرج تروح لأمها، وبسببك اتحبست في البيت هي والعيال، ودلوقتي الكل بيدفع تمن خطأك! كنتِ عايزة تخدمي نفسك، بس دمرتي بيتي اللي أنا شقيان عشان أبنيه ليهم، مش عشان يتحول لمستشفى بسبب أنانية!”

سكتّ وأنا مش قادرة أفتح بوقي بكلمة، لأول مرة حسيت إن كل حججي تافهة وصغيرة. كمل هو كلامه بوجع:

ـ “أنا كنت ببعت الفلوس عشان يعيشوا في راحة، مش عشان أشتري لهم مرض بسبب تهاونك. مرام وأولادي دلوقتي بيعانوا، وأنا مش هنا.. وكل اللي بقدر أعمله إني بكلم أهلها يلحقوهم. يا ريتك كنتِ قعدتي في بيتك وطلبتِ دكتور، كان أهون بكتير من اللي حصل.”

فل التليفون، والبيت حواليا بقى كأنه فاضي تماماً. قعدت على طرف السرير، وبصيت للأوضة اللي فيها مرام والولاد. سمعت صوتها وهي بتكح كحة ناشفة وقوية، وصوت ابني الصغير بيعيط بضعف.

حسيت بـ “القلم” الحقيقي اللي كان ناقصني. أنا اللي كنت دايماً أقول “فلوس ابني وخيره”، اكتشفت إن ابني في اللحظة دي بيتمنى لو كل القرش اللي بيبعته يروح، مقابل إن مراته وعياله يرجعوا لصحتهك، ومقابل إن “البيت” اللي كنت بفتخر بيه يرجع دافي من تاني.

قمت بالراحة، ومشيت لحد باب أوضتها. كنت عايزة أخبط، عايزة أقول لها كلمة واحدة.. “آسفة”. بس إيدي اتجمدت في الهواء. لقيت نفسي واقفة قدام الباب، سامعة صوت أهلها وهما بيكلموها من ورا الباب الموصد، بيطمنوا عليها وبيدوها التعليمات، وأنا.. أنا كنت مجرد طرف تالت، “غريبة” في البيت اللي كنت فاكرة إني صاحبته.

رجعت قعدت على الكنبة في الصالة، وبدأت أفكر في اللي جاي. ابني اللي كان بيبرني، دلوقتي بيلملم شتات بيته اللي أنا بعثرته، ومرام اللي كانت بتخدمني بحب، بقت بتشوفني مصدر خطر. مسحت دموعي بإيدي، ولأول مرة حسيت إن “الجبروت” اللي كنت عايشة بيه، ما هو إلا هشاشة ووجع خبيتهم ورا جملتين عن الفلوس والواجب.

بعد ما اتكلمت مع ابني، حسيت إني محتاجة أواجه مرام، حتى لو من ورا الباب. الوقفة دي كانت أصعب لحظة في حياتي، أصعب من المرض نفسه. قمت وسحبت نفسي لحد قدام باب أوضتهم، كان الباب مقفول، سامعة فيه أنفاسهم المكتومة وصوت كحتهم اللي بيقطع في قلبي.

خبطت خبطات خفيفة، وصوتي طلع مهزوز ومبحوح:

ـ “مرام.. يا بنتي.. سامعاني؟”

ساد صمت طويل، لدرجة إني افتكرت إنها مش هترد. وبعد لحظات، سمعت صوتها، صوت ضعيف ومكسور، مش زي عادتها وهي بتدلعني وتطمني. قالت بصوت واطي:

ـ “أيوة يا ماما.. سامعاكي.. فيه حاجة؟”

دموعي نزلت غصب عني، ومسحتها بطرف طرحتي:

ـ “عايزة أقولك.. أنا آسفة. آسفة على كل كلمة قسيت بيها عليكي، وآسفة إني دخلت بيتكم بمرضى وخبيته عنك.. أنا اللي كنت فاكرة إني صاحبة حق، طلعت بجهلي وأنيتي ضيعت أغلى حاجة عندي.. ضيعت البيت اللي كان دافي بيكي.”

سكتت، كنت مستنية أي رد، أي عتاب، حتى لو صرخة في وشي، بس مرام سكتت خالص. وبعدين قالت بصوت فيه رجفة:

ـ “يا ماما.. اللي حصل حصل. مفيش داعي للكلام دلوقتي، كل اللي يهمني إننا نقوم بالسلامة، ونخرج من المحنة دي. المهم دلوقتي صحة الولاد.. والحمد لله إن أهلنا واقفين معانا، وإلا مكنش حد هيعرف يوصل لنا أكل ولا علاج.”

كلمتها كانت قاسية في براءتها؛ لأنها فكرتني إن لولا “أهلها” اللي أنا كنت بقلل منهم ومن مكانتهم، كان زماننا ضيعنا. حسيت إن كل “الخدمة” اللي كانت بتقدمهالي طول الأسبوع، كان وراها قلب أبيض أنا اللي كنت بظلمه.

رجعت قعدت في الصالة، والبيت اللي كان دايماً بيتشاف في عيني “ملك لفلوس ابني”، بقى دلوقتي بيت “مرام”.. بيت ست أصيلة شايلة أمانة بيتها وعيالها، حتى وهي بتمر بأصعب أزمة.

بدأت ألملم بقايا كبريائي المكسور، وبدأت أدعي ربنا ليل ونهار، مش عشان أخف وبس، لكن عشان يسامحني مرام، وعشان ابني يقدر يرجع يثق فيا تاني. عرفت ساعتها إن “البيت” مش بالفلوس اللي بتتبعت في أول الشهر، البيت بالناس اللي بيخافوا على بعض، وأنا كنت أول واحدة فرطت في الخوف ده، ودفعت التمن غالي أوي من أعز ما أملك: كرامتي وراحة بالي.

بقيت بقضي يومي في الصلاة والدعاء، وأنا بسمع صوت مرام من ورا الباب، بحاول أخدمها حتى لو بكلمة طيبة، وبحاول أصلح اللي انكسر.. ولو حتى كان الإصلاح ده هياخد العمر كله.

عدى أسبوع تاني، والبيت بدأ يرجع فيه النفس بالتدريج. السكون اللي كان مالي المكان بدأ يتكسر بصوت حركة مرام الخفيفة جوه الأوضة، وصوت ضحكات الولاد اللي بدأت تظهر تاني بعد ما خفت حدة المرض. الممرضة بدأت تخفف من إجراءاتها، وبدأت ملامح “الحياة” ترجع للبيت اللي كان محجوز.

في يوم، لقيت باب الأوضة بيتفتح ببطء، ومرام طلعت.. كانت لسه شاحبة ووشها فيه إرهاق باين، بس كانت واقفة على رجليها، وشايلة ابنها الصغير اللي كان بيضحك لي لأول مرة من ساعة ما جيت. وقفت قدامي، وبصت لي بصه طويلة، مفيش فيها غضب، لكن فيها هدوء غريب بيخوف أكتر من العتاب.

حاولت أقوم من مكاني، بس رجلي خذلتني، ففضلت قاعدة وبصيت لها بدموع محبوسة:

ـ “مرام.. حمد لله على سلامتك يا بنتي.. أنا.. أنا مش عارفة أقول إيه.”

قربت مني وقعدت على الكرسي اللي قدامي، حطت ابنها جنبها، وبصت لي بنبرة هادية جداً:

ـ “الحمد لله يا ماما.. ربنا نجانا، ونجى الولاد. إحنا خلاص بنتحسن، وأهلي قالوا إن مفيش داعي للممرضة من بكرة.”

سكتت لحظة، وبعدين كملت وهي بتبص في عيني مباشرة:

ـ “ماما، أنا مش عايزة أفتح مواضيع قديمة، ولا عايزة ألومك تاني، لأني شفت الموت بعيني، وشفت ولادي وهما بيتوجعوا، وكل ده كان أهون بكتير من إني أفقد الثقة في اللي حولي. اللي حصل كان درس قاسي لينا كلنا، وأنا بجد.. سامحتك عشان خاطر ولادي، وعشان خاطر جوزي اللي مش عايزه أشيله هم أكتر من اللي هو فيه.”

كلماتها نزلت على قلبي زي المية الساقعة. مكنتش مستنية “سماح” بالسهولة دي، كنت مستنية صد، أو قسوة، أو حتى طرد، لكن طيبتها دي كبرت جرحي أكتر.

قمت وقربت منها، وخدتها في حضني، ودموعي أخيراً انفجرت. كنت بعيط مش بس على غلطتي، لكن على الإنسانة النضيفة اللي أنا كنت بكسرها وبطالبها بواجبات وهي شايلة البيت بدم قلبها. قالت لي وهي بتطبطب على كتفي:

ـ “خلاص يا ماما، خلينا نبدأ صفحة جديدة. البيت محتاج يرجع يلمنا، ومحتاجين ننسى الأسبوعين اللي فاتوا دول كأنهم كابوس وراح.”

ساعتها عرفت إن مرام ما كانتش بس مرات ابني، دي كانت “عمدان البيت” اللي أنا كنت فاكرة إنها من غيرهم البيت هيقع، وهي بجد اللي شالت البيت في أصعب وقت. قررت من جوايا إني لازم أغير طريقتي تماماً، ولازم أعرف إن البيت ده مش “ملك” لفلوس ابني، لكن ملك “للمودة والرحمة” اللي مرام هي اللي بتزرعها في كل ركن فيه.

بدأت تساعدني أقوم ونمشي سوا في الشقة، والبيت بدأ يرجع يضحك تاني، بس أنا كنت عارفة إني محتاجة وقت طويل عشان أصلح “الصورة” اللي مرام خدتها عني، وعشان أستاهل فعلاً الكرم والستر اللي ربنا كافأني بيه رغم غلطتي الكبيرة.

عدت الأيام، والبيت رجعت له روحه تانية، كأن الغيمة السوداء اللي غطت عليه اتكشفت وطلعت الشمس من جديد. مكنتش بمر بس بفترة نقاهة من المرض، كنت بمر بمرحلة “شفاء” من قسوة قلبي. مرام كانت بتتعامل معايا بـ ودّ غريب، ودّ مش نابع من الواجب، بس نابع من صفاء قلبها اللي اختارت تغفر بيه عشان البيت يفضل عامر.

لحد ما جه اليوم اللي اتغير فيه كل شيء؛ اليوم اللي رجع فيه ابني من السفر.

أول ما دخل من باب الشقة، كانت أول مرة أشوف فيها ابني من سنين طويلة وهو “مكسور” بجد، مش عشان غربة ولا تعب، لكن عشان خاف على بيته اللي هو “أمانه”. دخل لقى الشقة هادية ونضيفة، ولانا (مرام) واقفة تستقبله بابتسامة باهتة لكنها راضية، والعيال جريوا عليه في حضنه.

أنا كنت واقفة في الصالة، قلبي بيدق بتوتر وخوف، لأني مش عارفة نظرة ابني ليا هتكون إيه بعد اللي عرفه. بص ليا.. نظرة مطولة، مفيش فيها عتاب صريح، بس كان فيها “عتاب الخذلان”. قربت منه، مسكت إيده اللي كانت بتعب وبشقى بتبني البيت ده، وبصيت في عينيه وقلت بصوت بيترعش:

ـ “سامحني يا ابني.. أنا اللي غلّطت، وأنا اللي كنت السبب في الوجع اللي مر عليكم. كنت فاكرة إني بحمي نفسي، وطلعت بهدم بيتك اللي كنت بتشقى عشان تبنيه.”

سكت ابني للحظة، وبص لمرام اللي كانت واقفة بعيد، وبعدين رجع بص لي وقال بنبرة مفيهاش قسوة، بس فيها وجع:

ـ “يا أمي، اللي فات مات، والحمد لله إن الكل بخير. بس يا ريت تفضلي فاكرة إن البيت ده مش بس طوب وحيطان، البيت ده روح، والروح دي هي اللي كانت في خطر بسببه.. اللي يهمني دلوقتي إنك تكوني معانا بقلبك، مش بس بجسدك.”

مرام دخلت في النص بذكائها وطيبتها، وقالت وهي بتمسح دمعة نزلت من عين ابني:

ـ “خلاص يا حبيبي، ماما تعبت معانا في الأيام الأخيرة، وكلنا اتعلمنا الدرس. المهم إننا اتجمعنا تاني.”

في الليلة دي، قعدنا كلنا سوا، ولأول مرة من زمان، حسيت بمعنى “العيلة”. مكنتش أنا “الحمات” اللي جاية بفلوس ابنها، ولا مرام “الزوجة” اللي مجبرة تخدم، كنا بشر، كل واحد فينا كان محتاج للتاني.

مرت الشهور، وأنا غيرت طريقتي تماماً. مبقتش ألقح كلام، ولا بقيت أفتكر الفلوس والخير، بالعكس، بقيت أنا اللي بقف في المطبخ أعمل لمرام أحلى أكل، وبقيت أنا اللي باخد بالي من الولاد عشان هي ترتاح. لقيت نفسي في العطاء، لقيت إن كلمة “تسلم إيدك يا ماما” اللي مرام بقت تقولهالي بصدق، أغلى بكتير من أي احساس بالسلطة كنت بفرضه قبل كدة.

البيت دلوقتى بقى بيت بحق وحقيقي، مليان مودة ورحمة، وأنا اتعلمت إن الستر اللي كنت بدور عليه، كان دايماً موجود في قلب مرام، اللي ربنا رزقني بيها عشان تفضل لي “ستر” وغطى، وأنا اللي كنت عمياء ومش شايفة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *