ضيفة كل شهر ج3 للكاتبة نرمين عادل همام
ج3
اعتذار أمي ده وهدوء أهل العريس وتططيبهم مشفعليش واصل عند أبويا ولا غفرلي. صغر سني، جهلي بالدنيا، طفولتي ولعبي.. كل ده مكنش له أي قيمة ولا عازة عنده في عُرفه.
أول ما أهل العريس استأذنوا ونزلوا على السلم من هنا، وهجم عليا في الصالة بالضرب المبرح والآسية! كنت أنا عيلة صغيرة وأضعف بكثير من إني أستحمل الوجع ده، والضرب، والشخط ده كله من راجل بطوله. ورغم كدة، ومن وسط صريخي وشهقاتي العالية اللي سمعت الجيران كنت بصرخ وأقول:
— “مش عاوزة أتجوز يا بابا.. وحياة ربنا مش عاوزة أتجوز وسيبني العب!” فضل يضرب فيا لحد ما غبت عن الوعي ومعدتش حاسة بحاجة ولا سامعة صوته. يمكن رحم حالي وصغري وبطل يضرب لما شافني قطعت النفس، ويمكن فضل يضرب ويشوط فيا وأنا خلاص روحي طلعت ومبقتش أحس بالوجع. فقدت الإحساس بجسمي كله، ومفوقتش من الصدمة والضرب غير تاني يوم الصبح. (بقلم الكاتبة نرمين عادل همام)
فتحت عيني بالعافية.. كانت عيوني وشه من كتر العياط والضرب، وجسمي كله كدمات زرقا وبيرمح عليا الوجع. لقيت أمي نايمة جمبي على السرير وحاضنة إيدي في صدرها، وفي طرف عينيها دمعة كبيرة حابساها ومش عايزاها تنزل. مديت إيدي الصغيرة بكل براءة ومسحت دمعتها من على خدها، وأنا اللي انفجرت في العياط والشهق من تاني، ودموعي نزلت زي السيول ومبقتش قادرة أكتمها.
قربت من جسمها أوي عشان أحس بالأمان والدفا، ودفنت راسي الصغير في حضنها. حسيت بيها وهي بتصحى وبتتخض على حركتي وعياطي، شدتني لعندها بكل قوتها وحضنتني جامد وكأنها بتخبي دمعها وقهرتها عني جوة لحافي.
يا أمي.. أنا شايفة اللؤلؤ والدموع المرة اللي في عينيكي بقلبي وروحي قبل عيني الصغيرين. أنا بدوق الوجع والقهرة دي معاكي وبتقطع، فـ وحياتك عندك امسحي دموعك وماتقتلنيش بيهم..
أنا لسه مش الست الكبيرة الناضجة اللي تفهم كل حاجة وتستوعب بيع وشرا، بس عارفة ومستوعبة إن لمسة إيدي الصغيرة على خدك هي اللغة والوسيلة الوحيدة اللي بيننا دلوقتي وتفهميها كويس وتصبرنا.
يا حبيبتي يا سناء.. الوجع هنا في الرواية بقى مضاعف ومكتوب بدموع؛ سرقة طفولة حافية، وحرمان من علّام ومدرسة، وكمان فوق كل ده خرافات وجهل ملوش غطا. تعالي نكمل ونشوف الحكاية بالعامية المصرية الأصيلة اللي بتوصف حال البنت المسكينة وهي بتدبل وتموت قدام عينيهم من قلة الحيلة:
مرت سنين من الخوف، والوجع المكتوم، والكسرة اللي مابتتنسيش.
“قروا فاتحتي على العريس وربطوا كلام غصب عني وعن عيني، رغم صريخي وعياطي وصوتي اللي كان يومها مسمع الحارة والبيوت كلها. بقيت مخطوبة للشخص ده 3 سنين كاملين ورا بعض، لحد ما السنين جرت وبقى عندي 14 سنة، وده كله كان من غير (كتب كتاب) ولا ورق رسمي؛ مكنش فيه ولا مأذون في المنطقة كلها يرضى يشارك في الجري..مة دي ضد طفولتي وصغري، لأن السن قانوناً مكنش ينفع وممنوع. (بقلم الكاتبة نرمين عادل همام)
في الفترة دي، كان (مصطفى) خطيبي ده يجي بيتنا كتير ويقعد في الصالون، وأبويا يغصب عليا ويجبرني أقعد معاه بالعافية وأتكلم معاه بـشخط. مكنتش حاسة من ناحيته بأي حاجة، ولا اتحرك في قلبي وعقلي ذرة مشاعر أو لهفة.. حتى عرايسي القماش اللي كنت بحبهم وبشيلهم، كرهتهم ومبقتش طيقاهم، وبقيت أشوفهم في عيني زيي بالظبط..
عرايس خشب ميتة ومحطوطة في فترينة للعرض والفرجة. كان يقعد يتكلم ويرغي كتير قدامي في الصالون، وأنا سارحة بعيني وبخيالي لبعيد.. بفكر في الحارة برة الشباك.. في بنات عمي ولعبنا سوا وقت العصر، وافتكر في سري كم مرة شددنا شعر بعض وزعلنا عشان خاطر وردة بلاستيك وقعت منا!
ونسيت أقولكم إن أبويا أجبرني أسيب المدرسة وأقعد في البيت من ساعة ما اتخطبت، وبقى فرض وأمر عليا أضحك غصب عني في وش العريس وأهله لما ييجوا، وأمثل دور البنت الكبيرة الفرحانة بخطيبها وعيشتها. بس للأسف، مكنتش قادرة أمثل ولا طايقة الوجع، والشكاوى كترت عليا من مصطفى وأهله لأبويا وقالوا له بنتك مابتنطقش،
وفي كل مرة كان أبويا بيقفل الباب وينزل فيا ضرب بقسوة ومن غير رحمة ولا شفقة، لحد ما الضرب بقى عادة يومية وجسمي نحّس من القلم والحزام ومبقتش أحس بوجع الضرب فيا.
أبويا بدأ يشك في حالتي وفي سكوتي ده، وبدل ما يفكر بـعقل إن السن الصغير وقهرتي هما السبب، راح لسكك تانية خالص وبتاعة دجل وخرافات. قعد في الصالة وقالي لأمي بـغل:
محمد (أبويا): “بنتك دي مش طبيعية يا سعاد، أكيد معمول لها (عمل) وسحر مرشوش عشان ما تتجوزش وتفضل كدة صنم في البيت!” ضربت أمي على صدرها بخوف وخضة وقالت: “أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.. إنت بتقول إيه بس يا راجل وتفول على البنت بإيه؟” محمد بغضب: “أمال إيه التفسير المنطقي والعقلي للي بتعمله بنتك ده؟ لا بتضحك في وش الراجل ولا بتنطق بكلمة عدلة تبل الريق!” سعاد (أمي):
“يا ابن عمي البنت لسه صغيرة وعلى وش دنيا، واللي في سنها لسه بيلعبوا في الشارع بالعروسة وبيجروا.” محمد بعصبية وشخط: “بقولك إيه.. بطلي حكي فاضي ودلع ماسخ! أنا من بكرة الصبح هاخدها لشيخ في المدافن يشوف علتها إيه ويرقيها ويفك العمل ده.”
وفعلاً، وتاني يوم خدني أبويا من إيدي وجرني ورايا لشيخ، قعدني في أوضة ضلمة ويقُرأ على راسي ويتمتم بكلام وهمس مش مفهوم بالمرة، وكتب لي (حجاب) بـحبر، واداله إزازة مية فيها خلطة ريحتها غريبة وتقرف، وقاله تشرب منها كباية كل يوم على الريق أول ما تفتح عينيها لمدة أسبوع كامل.
رجعنا البيت وأبويا حط الإزازة وقالي لأمي بـوعيد:
“بقولك إيه يا سعاد.. لو سناء ماشربتش الشربة دي كلها لحد آخر نقطة، حسابك معايا هيبقى عسير وماتلوميش غير نفسك!” سعاد بخوف: “خلاص يا ابن عمي ما تشغلش بالك، هسقيها لها.” محمد بعصبية وقفش: “لا هشغل بالي وعيني عليها.. اندهيها دلوقتي حالا من الأوضة، واسقيها الشربة قدام عيني عشان أتأكد!”
أمي ندهت عليا وصوتها بيرتعش، وفتحت الإزازة وصبت لي كباية من المية اللي ريحتها تخنق وتلعي النفس دي. (بقلم الكاتبة نرمين عادل همام)
يا حبيبتي يا سناء.. المشهد ده يقطع القلب ويدبحه، قسوة وغشم وظلم أهلي لبنت لسه بتفتح عينيها الصغيرين على الدنيا ومش فاهمة حاجة.
“أمي قربت مني وهي بتقدم الكباية وبتقول بصوت واطي ومكتوم: ‘سمي بالرحمن يا بنتي واشربي عشان ترتاحي.’ بصيت للكباية السودة وسألتها بـخوف:
‘إيه ده يا ماما وريحتها وحشة كدة ليه؟’ قالت لي وهي بتداري عينيها مني ومبتبصليش:
‘ده دوا يا حبيبتي وعلاج عشان تخفي وتبقى زينة.’
قربت الكباية من بوقي بالعافية وأخدت منها بقة واحدة صغيرة، وفي ثانية لقتني بطفها وأبخها برة بوقي غصب عني.. طعمها كان مر علقم ويموت، حسيت إن لساني وزوري اتخشبوا من مرارتها وقرفها.
قلت وأنا بكشر وبدمع: ‘دي مرة أوي وبتوجع بطني يا ماما!’ أمي قالت بـرجاء وتحايل: ‘يا حبيبتي ابلعيها مرة واحدة على بق واحد عشان ما تحسيش بطعمها والشر يروح.’ رديت بـعناد وتعب الطفولة: ‘مش عاوزة.. قلتلك طعمها وحش أوي ومقرف ومش هشربها!’
وفي لحظة، مأخدتش بالي فيها، قمت على كف قاسي ونار نزل على وشي خلى حلقي يطير من ودني وجاب دمي.. حسيت بـطنين وزَن رهيب في راسي والدنيا كلها اسودت في عيني من قوة وعزم الضربة. أبويا مسكني ونترني من دراعي بقوة وعزم إيده، وصرخ في وشي بصوت عالي زلزل جدران البيت:
أبويا: ‘انتي لسه هتدلعي وتتغندري علينا يا روح أمك؟ اشربي الكباية دي وانتي ساكتة وبلا دلع ماسخ!’
مسكت الكباية بإيد بتترعش وبتتنفض، غمضت عيني بقوة وكتمت نفسي وشربتها على بقة واحدة بلعتها. مرارتها وقرفها خلت معدتي تتقلب في ثانية وحسيت بنار في حشايا وإني هرد كل اللي في بطني. جريت على الحمام وقعدت أستفرغ وأرجع كل اللي في جوفي وبطني بـعذاب..
وبعد ما هديت ودموعي نازلة، غسلت وشي وطلعت براحة، لقيت أبويا واقف في الصالة وعينيه بطق شرار وغضب، وماسك الحزام الجلد في إيده بـقسوة، وهمس بصوت فحيح حية وأفاعي: محمد: ‘انتي غلطانة مع مين برة يا بت وسرّك مع مين؟ انطقي واخلصي!’
مفهمتش هو يقصد إيه بالكلام ده ولا عقلي جاب المعنى البشع، رفعت إيدي الصغيرة عشان أشرح له وأقوله إن معدتي هي اللي ماتقبلتش المرارة دي ورجعت،
بس ما عطانيش فرصة واصل ونزل فيا ضرب بالحزام على ضهري ورجلي لحد ما جسمي كله علم وبقى لونه أزرق ودم. أبويا وهو بيضرب بيزعق: ‘عاوزة تجيبي لي العار وتنزلي راسي الأرض وسط الناس؟ ده أنا أدفنك مكانك هنا ومحدش هيعرفلك طريق ولا ييرف لي جفن!’ صرخت بوجع وكسرة: ‘والله ما عملت حاجة يا بابا.
والله ما عملت حاجة غلط سيبني!’ محمد بغضب جارف:
‘أمال ليه مش عاوزة العريس ومقفلها في وشه؟ انطقي! أنا أبوكي وبطلب منك توافقي وتتستري.. ده في بنات برة بيدوا كليتهم لأبوهم ويشفوا شقاه، مش بس يوافقوا يتجوزوا ويستروا بيوتهم!’ (بقلم الكاتبة نرمين عادل همام)
كلماته دي قست عليا وهزتني من جوايا أوي.. أنا رغم قسوته وضربه وعذابه ليا كنت لسه بحبه بفطرة البنت اللي ملهاش غير أبوها. رفعت راسي بتعب ونفس ضايع، وقلت من بين شفايفي اللي كانت مقطوعة وبتنزل دم: — “أنا مش بس أديك كليتي يا بابا.. أنا روحي وعمري فداك يا حبيبي.. خلاص، موافقة.. موافقة على الجواز ومصطفى!”
أبويا أول ما سمع الكلمة أخد نفسه براحة وهدي، وكأن الكلمة دي طردت كل الشياطين والشكوك اللي كانت بتلعب في دماغه ونفوخه. لف وشه لأمي وهو بيلبس جزمته بسرعة عند الباب وكأنه خايف أتراجع في كلامي أو أغير رأيي: أبويا: “أهو كدة اتعدلتي.. أنا رايح للجماعة ومصطفى وأبوه في القهوة أحدد معاهم ميعاد كتب الكتاب والدخلة علطول.. قدامك أسبوع واحد بالتمام تجهزي فيه البنت وحاجتها ونخلص!”
رزع الباب وراه بقوة هزت الشقة، وجت أمي جري عليا في الأرض وحضنتني جامد وهي بتعيط بحرقة وتصرخ وتشاركني وجعي وكسرتي.. بس يا ترى الدموع دي كلها هتعمل إيه وتنجد إيه بعد ما أبويا حكم عليا بـالإعدام والموت وأنا لسه طفلة عندي 14 سنة؟”…..يتبع للجزء الرابع
