ذنب حور ج1 للكاتبة نرمين عادل همام
ج 1 ورا كل باب حكاية
“مراتك ماتت.”
الجملة دي نطقها الدكتور ببرود وهو بيغسل إيده على الحوض، كأنه بيقولي حساب الكشف كام. قالها ومشي، وسابني واقف قدام باب الرعاية المركزة، حاسس إن الكلمة دي حجر تقيل نزل فوق راسي كسرني نصين.
ماتت.. ماتت وهي يادوب بتكمل عامها الـ 21. سابتلي عيلين بيعيطوا في الصالة، وسابتلي بيت ريحته يتُم، وسابتلي ذنب، ذنب أسود هيفضل يطاردني لحد ما أندفن تحت التراب.
الناس اللي واقفة تعزيني في المستشفى فاكرين إنها ماتت بـ “هبوط حاد في الدورة الدموية” زي ما مكتوب في تصريح الدفن، بس أنا الوحيد اللي عارف الحقيقة.. حور مماتتش من المرض، حور ماتت من القهرة، من استنزاف روحها، ماتت لأنها كانت وردة زرعوها بالعافية في أرض بور لا بتطرح ولا بترحم.
رجعت بيا الذاكرة لـ 9 سنين فاتوا.. اليوم اللي اتكتبت فيه بداية نهايتها.
كنت وقتها شاب طايش عندي 19 سنة، شغال مع أبويا في المحل، ومقض..يها سهر ولعب مع صحابي. أمي “الست رتيبة”، كانت ست شديدة، كلمتها سيف على رقبة الكل في البيت. في يوم لقيتها دخلت عليا الأوضة وقالتلي بفرمان مفيش بعده نقاش: — “قوم البس حتة نضيفة يا طارق، إحنا رايحين نقرأ فاتحتك على بنت المعلم جابر.”
بصيت لها بذهول وقلت:
— “فاتحة إيه يا أما؟ أنا لسه مكونتش نفسي، وبعدين بنت المعلم جابر مين؟ دي حور لسه عيلة بتلعب في الشارع وبتجري ورا العجل!” أمي ضربت بإيدها على صدرها وقالت بحدة:
— “عيلة إيه يا واد؟ البنت زهرت وبقت عروسة قمر، وأبوها راجل مقتدر ومفيش أحسن من النسب ده.. إنت تسكت خالص وتسيبلي الطلعة دي، أنا اللي هربيلك مراتك على إيدي وأخليها لك عجينة تتشكل.”
مكنتش راجل كفاية إني أقف في وش أمي، ولا كنت فاهم يعني إيه أتجوز طفلة. روحت معاهم زي المغيب. لسه فاكر شكل “حور” يومها.. كانت لابسة فستان روز بيلمع، ضفايرها مفكوكة ومحطوط لها مكياج تقيل عشان يداري ملامح الطفولة ويبان إنها ست. كانت قاعدة بتفرك في إيديها، وعينيها بتلف في الأوضة بـرعب كأنها عصفورة محبوسة في قفص صقور.
المعلم جابر، أبوها، كان قاعد بكرشه، بيشرب الشيشة وبيضحك مع أبويا، وكأنه بيبع بيعة أو بيخلص صفقة، مش بيسلم بنته اللي لحمها لسه طري.
مرت تلات سنين خطوبة، كانت حور فيهم بتكبر قدام عيني بالبطيء، بس بتكبر بخوف. كل ما كنت أروح أزورهم، كانت بتبصلي كأني السجان بتاعها. ولما تمّت 15 سنة، أمي وأبوها صمموا إن الدخلة تتم. مأذون المنطقة رفض، فجابوا محامي يكتب ورقة عرفي لحد ما تبلغ السن القانوني.
يوم الفرح.. اليوم اللي المفروض يكون أسعد يوم، كان بالنسبة لها كابوس. أول ما قفلنا باب شقتنا، لقيتها كشت في ركن الأوضة بتعيط بهستيريا وبتترعش، كانت بتترجاني أرجعها لأمها.
— “عشان خاطري يا طارق خليني أروح.. أنا خايفة، أنا مش عايزة أتجوز.”
في اللحظة دي، قلبي دق بشفقة، كنت هسيبها وأطبطب عليها، بس الكارثة كانت في الخبطة اللي جت على باب الأوضة. أمي كانت واقفة بره، صوتها كان زي الكرباج:
— “إيه يا طارق؟ هتجرسنا وتطلع عيل ولا إيه? خلص وورينا رجولتك!”
صوت أمي صحى وحش الغرور والجهل جوايا. خفت على “رجولتي المزعومة” قدام أهلي، ونسيت إن الرجولة الحقيقية هي الحماية والرحمة. اتعميت، ومديت إيدي عليها..
ضربتها عشان تسكت، وكسرتها عشان أثبت لأمي إني راجل. الصرخة اللي طلعت منها الليلة دي، لسه بتشرخ ودني لحد النهاردة. أنا مأخدتش عروسة، أنا اغتصبت طفولتها بـمباركة الأهل والمجتمع.
لكن بعد الليلة دي، لما هديت وبصيت لوشها وهو نايم والدموع ناشفة على خدودها، حسيت بحاجة غريبة بتتحرك في صدري. البنت دي كانت هادية بشكل مش طبيعي، محترمة، وجميلة ملامحها تريح النفس. مكنتش شبه بنات الحارة الشكاكين؛ كانت صافية زي المية. ومن غير ما أحس، لقيت نفسي بقع في حبها.. حبيتها جداً جداً جداً، لدرجة إني بقيت بغير عليها من الهوا الطاير.
في أول أسبوع، أخدتها في حضني وطمنتها، مسحت على شعرها الأسود الناعم وقلت لها:
— “حور.. أنا عارف إن البداية كانت واعرة، بس وحياة غلاوتك عندي، أنا عمري ما هسيبك، وإنتي في حمايتي.” هي بصتلي بعيونها الواسعة وصدقتني.. براءتها كانت تخليني عايز أخبّيها جوه ضلوعي.
لكن حور مكنتش بتعرف تعمل أي حاجة في البيت، كانت لسه صغنونة وعايزة تعيش حياتها. كانت “آخر العنقود” عند أمها، وفي بيتها كانوا مدلعينها على الآخر، مابتشيلش قشة من الأرض.
بنيتها الجسدية كانت ضعيفة ورهيفة، زي العود الأخضر اللي لو دُست عليه يِتِكسر. ومع ذلك، مكنتش طماعة ولا بتبص للي في إيد غيرها؛ كانت بتفرح بأقل حاجة وأي حاجة. لسه فاكر لما كنت برجع من المحل ومعايا “باكو شيبسي” وبلونة، كانت عينيها تلمع من البهجة، وتجري عليا تضحك زي الأطفال في العيد..
عمرها ما طلبت مني حاجة زيادة، ولا اشتكت من ضيق حال، كانت قنوعة ومحترمة ومفيش في جمالها وأصلها.
بس السعادة دي مكنتش على هوا أمي “الست رتيبة”. أمي كانت بتراقبنا بعيون صقر، وأول ما لمت الحنية اللي بيننا، بدأت تسم بدني بكلماتها الناشفة. كانت كل ما تشوفني داخل بحاجة لحور أو بضحك معاها، تلوي بوزها وتقولي قدام الكل: — “إيه يا سي طارق؟ بقيت دلول مراتك؟ البت لفتك على صباعها بجمالها الكداب ونسيتك أمك وشقايا عليك؟”
كلمة “دلول مراتك” دي كانت بتنزل على كرامتي المزعومة زي مية النار. كنت بتهز، والجهل يعميني تاني. عشان أثبت لأمي إن كلامها غلط، وإن أنا الراجل الحمش اللي كلمته سيف، كنت بتقلب 180 درجة؛
أوقات كتير كنت بقسى على حور جداً من غير سبب، وأشخط فيها وأهينها قدام أمي عشان أرضي غرور “الست رتيبة” وأبين لها إني حاكم بيتي.
حور كانت تبصلي بذهول وكسرة، عينيها كانت بتسألني: “فين طارق اللي وعدني إنه عمره ما يسيبني؟” بس كنت بدير وشي عنها وأسيبها لدموعها.
أمي مستكفتش بكدة، بدأت تقسى عليها بطلباتها وشغلها اللي يهد الجبال. كانت تخليها تنزل من الفجر، تمسح السلم، وتطبخ للعيلة كلها، وتغسل على إيديها..
طلبات مابتخلصش من بابُه لمحرابُه. حور ببنيتها الضعيفة وجسمها اللي مبيتحملش، كانت بتهلك وتدبل قدام عيني. تقف في المطبخ بالساعات، وضهرها ينحني، ولما كانت تيجى تشتكيلي بـالراحة وهي بتعيط من التعب، كنت أرد عليها ببرود وقسوة الجاهل اللي خايف من أمه:
— “ما كل الستات بتخدم وتطحن في البيوت، إنتي هتدلعي علينا يا بنت جابر؟”
استنزفوا صحتها بالبطيء.. ولما حملت في ابني الأول “عمر”، جسمها صرخ من التعب، طفلة جواها طفل. كانت بتخاف تشيله لما اتولد كأنها ماسكة قنبلة، ولما بدأت تحس بـالأمومة وتضحك معاه،
أمي استكترت عليها الضحكة. أجبرتني أضغط عليها عشان تحمل تاني علطول عشان “نجيبله واد يسنده ويشيل اسم العيلة”.
وجاء “زين”، ومعه انطفت آخر نقطة صحة ونور في جسم حور. بقت زي الخيال، وشها شاحب وعيونها غائرة من كتر العياط وشقى الخدمة. كانت بتقف تطبخ وهي ساندة على الرخامة عشان ركبها مش شيلاها.
لحد ما جه اليوم الأسود.. اليوم اللي وقعت فيه من طولها في المطبخ والحلل اتقلبت حواليها. شلتها وجريت بيها على المستشفى وأنا مرعوب، الدكاترة قالوا إن جسمها انهار تماماً؛
أنيميا حادة حطمت أجهزتها، وضعف شديد في عضلة القلب، واكتئاب حاد استنزف مناعتها لآخر قطرة. دخلت الرعاية المركزة، وفي آخر زيارة ليا ليها قبل ما تروح، فتحت عينيها البهتانة، وبصتلي النظرة اللي هعيش بيها عمري كله.. نظرة مفيهاش عتاب ولا كره، كان فيها راحة.. راحة إنها أخيراً هتمشي وتسيب السجن والضرب والشقى، وتتحرر من الوجع اللي حطيتها فيه أنا وأمي.
“مراتي ماتت”.. بس أنا اللي قتلتها. قتلتها يوم ما سكت لأمي وخفت من كلمة “دلول”، ويوم ما استقويت على براءتها ورقتها عشان أثبت رجولتي الكدابة. دلوقتي، أنا قاعد في صالة بيتي الضلمة، عمر بيبكي في الأوضة، وزين نايم على رجلي بيقشعر، وريحة حور لسه مأصلة في المكان.. بس صوت ضحكتها البسيطة لما كنت بجيب لها باكو الشيبسي بيصرخ في ودني ويفكرني بغدري.
ياترى يا حور، ربنا هيغفرلي؟ ياترى العادات والتقاليد والأصول الكدابة اللي دبحناكي بيها، هتنفعني دلوقتي وأنا بتحاسب قدام ضميري اللي صحي متأخر قوي؟
مرت سنتين كاملين على الليلة دي، سنتين والوقت مابيعديش، كأنه واقف محلك سر ومخاصمني. ورشتي بقت هي دنيتي وملاذي الوحيد؛ شغال من الفجر لعتمة الليل، بفرغ كل كبتي وندمي في دق الخشب وتقطيع الألواح،
لحد ما إيديا نحست وجسمي نشف من كتر الشقى. الفلوس اللي بتطلع، كنت بشيل منها يادوب اللقمة اللي تسندني، والباقي كله بيروح أول كل شهر في ظرف مقفول لبيت “خالتي أم حور” عشان عيالي؛ عمر وزين. (بقلم الكاتبة نرمين عادل همام)
عمر بقى عنده خمس سنين، وزين كمل تلات سنين. بقوا زي الفل، وشهم منور ونضيف في حِضن الأصول، وجدّتهم مخلية بالها منهم كأنهم حتة من قلب حور. كنت بروح أزورهم كل يوم جمعة، أقعد معاهم ساعتين، أملى عيني من حركتهم وضحتكهم اللي بتفكرني بـأمهما.
عمر في كل مرة كنت باخده في حضني، كان بيمسك ياقة قميصي ويسألني ببراءة عيال:
— “بابا.. هو إحنا مش هنرجع شقتنا تاني؟ أنا نفسي ألعب بالبلالين اللي هناك.”
الكلمة كانت بتنزل على قلبي تعصره، وأبوس راسه وأقوله: “قريب يا حبيب أبوك.. لما الشقة تنضف وتبقى جاهزة ليكم.”
أما في البيت عندي، فالحال كان أشبه بـالمقبرة. الشقة فوق مقفولة بـالمفتاح، مابيدخلهاش صريخ ولا ضحكة، وأنا نزلت عشت في أوضة صغيرة ملحقة بالورشة تحت عشان مطلعش الشقة وأشوف الفراغ اللي سابته حور. أمي “الست رتيبة” كانت لسه على حالها؛ القسوة والغل ركبوها زيادة بعد ما قاطعتها وكسرت سيفها. كانت كل ما تشوفني فايت من قدام البيت شايل خشب أو راجع من الشغل، تدير وشها اليمين وتَبُخ في الأرض بقرف، وتسمعني كلام يسم البدن قدام صنايعية الحارة:
— “أهو سي طارق قاطع أمه رمى لحمه في حجر الغرب وصرف قرشه على الحريم، وعايش زي الشحاتين في الأوضة.. بكرة الزمن يربيك ويعرفك إن مفيش حد بيشيل الراجل غير أمه ولحمه!”
مكنتش برد عليها واصل، سبت كلامها يعدي في الهوا زي تراب الخشب اللي ملوش عازة. ..تابع للجزء الاخير
(بقلم الكاتبة نرمين عادل همام)
