ج2 كرامة امي للكاتبة نرمين عادل همام
ج2
تاني يوم الصبح بدري، وقبل ما ندى تنفذ خطة الهدم، كانت الحاجة وفاء صاحية من النجمة، عينيها بتلمع بالفرحة بعد ما اتأكدت إن الفلوس دخلت الحساب. لبست أشيك طقم عندها، وحطت ميك اب كامل، وجهزت نفسها عشان تنزل تتدلع في مركز تجميل “بيوتي سنتر” عالي في مصر الجديدة بالفلوس اللي اتنهبت من عرق شقى الحاجة فاطمة.
وقبل ما تفتح الباب وتخرج، لفت لندى اللي كانت واقفة بتبصلها بابتسامة غامضة وهادية جداً، الابتسامة دي خلت الحماة تفتكر إنها خلاص كسرت عين كِنتها وسيطرت عليها تماماً.
: كانت بتملي أوامرها بغرور وتكبر، وهي بتعدل الشنطة على كتفها: “بصي بقى يا ندى.. إنتي هتقعدي لوحدك النهاردة تخلي بالك من الواد، وتفتكري كويس تجهزي الغدا وتطبخي طبخة رم عضم، عشان لما نرجع نلاقي الأكل جاهز وناكل عل طول.. آه، وفيه حاجة كمان، شفتي سبت الغسيل الكبير اللي في البلكونة؟ ده فيه هدوم الشهر كله بتاعة السفر.. تطلعيها وتفرزيها حتة حتة، وتغسليها كلها على إيديكي! الغسالة الأوتوماتيك بتبوظ الهدوم الغالية دي، لازم غسيل يدوي وبتدقيق، فاهمة؟”
كريم كان واقف ورا أمه، لابس بدلة الشغل، وبص لندى بنظرة إعجاب مزيفة وكأنه بيقولها “شاطرة إنك عقلتي”، وقالها بلهجة الآمر الناصح: “أيوة يا ندى.. أمي معاها حق، وإنتي ما شاء الله ارتحتي شهر بحاله وأمك كانت شايلالم كل حاجة، جه الوقت بقى عشان تتحركي وتشوفي بيتك وجوزك، الحركة بركة برضه”.
ندى وسعت ابتسامتها، وودعتهم لحد الباب بكل هدوء، وقالتلهم: “تروحوا وترجعوا بالسلامة.. كله هيبقى تمام”. الحماة نزلت وهي طايرة من الفرحة، وعلى طول طلعت تليفونها وبدأت تنزل “ستوريز” وبوستات على الفيس بوك وإنستجرام، وتكتب: “الحمد لله على نعمة السيطرة والراحة.. الكنة الشاطرة هي اللي تعرف مقام حماتها وتخدمها برموش عينيها.. في الطريق لتدليل نفسي”.
طبعاً هما نزلوا من هنا، وندى نفذت المخطط اللي اتقال في الجزء الأول الشقة اتساوت بالخرسانة والمحارة في ساعات، وأخدت أمها وابنها وخلعت على شبرا.
على العصر كدة، رجعت الحاجة وفاء من مركز التجميل وهي مخلصة نص الفلوس على ماسكات الوش والباديكير، وكان كريم مستنيها تحت العمارة ورجعوا مع بعض. بطونهم كانت بتصوصو من الجوع، والحاجة وفاء طالعة السلم وهي بتتفشخر وبتتمنظر قدام ابنها.
كانت بتتكلم بجوع وغطرسة، وبتعدل شعرها: “أما نشوف الست ندى هببتلنا أكل إيه.. وحياة ربنا لو طلع طعم أكلها ماسخ ولا معجبنيش، لأخليها تدفع تمن المكونات من جيبها وتطبخ غيره، أنا مبحبش الدلع ماسخ”.
كريم طلع المفتاح بكل ثقة، وحطه في الكالون وفتح الباب.. وبمجرد ما الباب اتفتح، الاتنين اتجمدوا في مكانهم كأنهم اتضربوا بصاعقة كهربائية. عيونهم اتسعت لدرجة الرعب، والشنط وقعت من إيديهم.
المنظر كان مرعب؛ مفيش صالة، مفيش دهان، مفيش نجف، مفيش بورسلين! حيطان حمراء مكشوفة، تراب وعفرة ماليين المكان، أسلاك كهربا مدلدلة من السقف كأنها تعابين، ومفيش أثر لأي قطة أثاث أو باب خشب حتى!
كريم بدأ يفرك في عينه ويبص لـ رقم الشقة من برة ويرجع يبص جوة، وصوته طالع برعشة: “إيه ده؟ هو إحنا غلطنا في الدور يا أمي؟ مش دي شقتنا؟!”
الحاجة وفاء بتصرخ بهستيريا والدموع هربت من عينيها من الصدمة: “غلطنا إيه يا مقصوف الرقبة! دي شقتنا وده الباب! يخرب بيتك يا كريم.. الشقة راحت! فين العفش وفين البلاط؟ مين اللي عمل الخرابة دي؟! فين ندى؟ أنا مش قايلالها تقعد وتغسل الهدوم؟ راحت فين الـ…”
كريم حس إن ضغطه سقط، وجسمه كله ساب، طلع تليفونه وإيده بترتعش زي ورقة الشجر، وبدأ يتصل بندى وهو بيزعق بنبرة مرعوبة وخايفة من الكارثة.
الخط فتح، وصوت ندى جه من الناحية التانية منتهى الهدوء والبرود، بتشرب كوباية شاي بالقرنفل في بلكونة أمها، وصوت ملاعق الشاي والهدوء واصل لكريم.
كريم : “ندى! إنتي فين؟ ارجعي فوراً من فضلك.. ارجعي بسرعة الشقة فيها كارثة! فيه مصيبة حصلت في البيت!”
ندى ببرود قاتل ونبرة مستفزة: “جرى إيه يا كريم؟ مالك بتجعجع كدة ليه؟ البيت زي الفل ومفيهوش الهوا.. انظر كويس كدة حواليك، مفيش حاجة خالص، كله تمام التمام.”
: “إنتي مش فاهمة حاجة!! أنا عقلي هيطير! الشقة بقت على المحارة والطوب الأحمر! إنتي بتهزري معايا؟!”
كريم اللي كان دايماً يتباهى قدام أمه وأصحابه إنه راجل رزين وبيعرف يسيطر على مشاعره وأعصابه ومفيش ست تهزه، كان صوته في التليفون بيترعش ودموعه نازلة من القهر والصدمة، وده اللي خلى ندى تحس بانتصار رهيب.
: “أنا مش قادر أشرحلك في التليفون.. إنتي فين؟ ارجعي بسرعة أرجوكي.. لو مرجعتيش فيه حد هنا هيموت سكتة قلبية!”
“أنا رجعت بيت أمي في شبرا يا حبيبي.. وأي حاجة تحصل عندك في المخروبة دي، اتعامل معاها إنت ووالدتك بنفسكم.. مش إنتوا عيلة مع بعض؟ وروني بقى هتعملوا إيه.” وقامت قفلة السكة في وشه.
في نفس الوقت، في شقة شبرا القديمة، الشقة اللي ريحتها حنية ودفى وأصل.. كانت ندى قاعدة على الكنبة القطيفة القديمة، وإياد الصغير نايم في سرير خشب بسيط. دخلت عليها الحاجة فاطمة وهي بتبتسم وعينيها مليانة ترحيب وحب، لكن كان فيه علامات استفهام في عيونها.
: الحاجة فاطمة قربت من بنتها، وطبطبت على راسها بحنان الأم المصرية الأصيلة، وبصتلها بعيون دافية: “يا مرحب بيك يا بنتي.. نورتي بيتك ومطرحك يا ندى يا حبيبتي، بس إنتي جيتي فجأة كدة ومن غير ما تقوليلي يا بنتي؟ ده أنا لو كنت أعرف كنت جيت استقبلتك في محطة المترو وشيلت عنك الشنط والواد.”
ندى بصت لأمها، وحست إن جبل الهم اللي كان على صدرها انزاح تماماً بمجرد ما شمت ريحة أمها. ضمتها بقوة ودموعها نزلت، بس المرة دي دموع راحة.
ندى : “وحشتيني أوي يا أمي.. عشان كدة جيتلك جري. مقدرتش أقعد بعيد عنك ثانية واحدة.”
الحاجة فاطمة : “يا حبيبة قلبي.. طب إنتي أكلتي لقمة؟ ليكونوا مجوعينك ولا حاجة؟”
ندى : “لأ يا أمي، أنا جيتلك صايمة وتعمّدت مجوع نفسي عشان آكل من إيديكي إنتي.. مفيش أكل بيشبعني غير أكلك.”
الحاجة فاطمة : “من عيوني يا قلب أمي.. ثواني وهتكون أحلى صينية بطاطس وفراخ جاهزة ليكي.. ثواني يا ضنايا.”
قعدت ندى لوحدها في الصالة تبص لأثر خطوات أمها وهي رايحة المطبخ. وسرحت في نفسها وبدأت تفكر في شريط حياتها: لما كنت صغيرة، كانت أحلامي كبيرة أوي وطايشة.. كنت فاكرة السعادة في الشقة الواسعة اللي في مصر الجديدة، والعربية الحديثة، والمنظرة، والفلوس الكتير.. لكن لما كبرت واتقرصت من الدنيا، فهمت إن كل ده ميسواش قشرة بصلة.. السعادة الحقيقية هي لقمة دافية بتعملها أمي بحب، وبسمة رضا تخليني أحس بالأمان، وإن أشوف الست دي واقفة مستنياني لما أرجع.
كانت ريحة البطاطس بدأت تطلع من المطبخ، بتملى الشقة القديمة بريحة الأمان والراحة اللي ندى كانت متبنجة ومفتقداها بقالها كتير. الحاجة فاطمة طلعت من المطبخ، ومسحت إيديها في الفوطة، وعينيها كانت مليانة حيرة وقلق أموي بيبان من حركة حواجبها المقبوضة وضمتهم لبعض. كانت حاسة بنغزة وخوف في قلبها، مرعوبة تكون بنتها خربت بيتها بإيديها وسابت جوزها، وفي نفس الوقت مش عايزة تضغط عليها ولا تضايقها، قربت منها وسألتها بنبرة خايفة وبصوت واطي: “صحيح يا ندى.. إنتي جيتي فجأة والشنط دي كلها معاكي.. هو كريم عارف باللي حصل؟ يعني يعلم بقعادك هنا؟”
ندى أخدت نفس طويل وطلعت تنهيدة ارتياح، وحست براحة غريبة وهي بتفتكر شكل كريم وهو بيصرخ في التليفون زي المجنون، ردت ببرود وثبات تام، وعينها في عين أمها: “أيوة يا أمي، يعلم.. ويعلم كويس أوي كمان، ومتاخد على عينه وعارف هو عمل إيه.”
زاد قلق الحاجة فاطمة وسرحت، وربعت إيديها على صدرها، وشفايفها اتهزت بخوف وهي مستنية تسمع الباقي، وسألتها بلهفة: “ولما عرف.. مقالش حاجة؟ ميزعقش؟ ملمش الهدوم وجري وراكي عشان يرجعك؟”
الكاتبة نرمين عادل همام
ندى حطت كوباية الشاي من إيدها على الترابيزة، وملامحها بقيت جادة وقاطعة كأنها بتاخد عهد على نفسها قدام ربنا، وقالت بنبرة حاسمة: “يا أمي، ارتاحي واهدي خالص.. ابتداءً من النهاردة، وباقي العمر كله، مفيش أي حاجة تخص البيت ده ولا أصحابه تعنيني في شلّن واحد مخروم. الصفحة دي أنا قفلتها وقصيتها من حياتي ورميتها في الزبالة.”
الست الطيبة سكتت لحظة، ونظرة عينيها اتمزجت بدموع حزينة لكن ظهر فيها قوة ودعم حقيقي لبنتها، طبطبت على ركبة ندى، وقالت بكلام طالع من أعمق حتة في قلبها: “بصي يا ندى يا بنتي.. الست مننا مبتتجوزش عشان تتذل وتتهان وتتداس كرامتها، الست بتتجوز عشان تسعد وتتهنى وتلاقي سند يشيلها. إذا كنتي مابقتيش شاعرة بالسعادة مع البني آدم ده وحاسة إن كرامتك بتتدايس كل شوية.. فأمك في ضهرك، وبتدعمك في أي قرار هتاخديه، والبيت ده بيتك وسيعك ويشيلك إنتي وابنك فوق راسنا من فوق.”
سرحت ندى في كلام أمها، وحست بإن دموعها هتخونها وتنزل من كتر التأثر. أمها ست تقليدية جداً، من الستات القدام اللي بيشوفوا إن طلاق الست في مجتمعنا زي سقوط السما فوق دماغها وخراب مستعجل وفضيحة.. ومع ذلك، داست على خوفها وكلام الناس وقالت الكلمات دي، عشان هي أكتر بني آدم في الدنيا بيتمنى لها تعيش حياة نضيفة ومرفوعة الراس. بلعت غصتها ووجعها، وبصت لأمها بحب صافي واحترام ملوش حدود، وقالت بصوت حنين وهي بتمد إيديها تاخد الواد: “كتر خيرك يا أمي، ربنا ما يحمني منك ومن حنيتك.. إنتي تعبانة وشقيتي معايا كتير الشهر ده. هاتي بقى الواد إياد من إيدك أشيله شوية وأريحك وأخليكي تطلعي تشوفي الأكل.”
الحاجة فاطمة هزت راسها بالرفض وهي بتضم الواد لصدرها أكتر، وابتسمت ابتسامة ربت بيوت أصيلة بتموت في عيال عيالها: “تعب إيه يا هبلة؟ أنا مش تعبانة طول ما أنا شيفاكي قدامي مرتاحة وضحكتك منورة وشك.. سيبيه في حضني، ده الولد ولد الولد الأعز، يتربى في غزي.”
ندى لفت بعينيها في الصالة البسيطة، بتبص للكنب القطيفة القديم، والصور القديمة اللي على الحيطة، وحست بدفا حقيقي بيسري في عضمها، وقالت بنبرة مليانة رضا: “يااااه يا أمي.. هي دي الحياة فعلاً. هكذا يجب أن يكون شعور المنزل الحقيقي.. الواحد يحس إنه بني آدم وله قيمة وكرامته متصانة.”….يتبع للجزء الثالث والاخير
