مريم ج الاخير بقلم الكاتبة نرمين عادل همام
ج الاخير
وفي يوم من الأيام، وأنا في وسط شغلي وبراجع ملفات.. رفعت عيني فجأة، ولقيته واقف قدامي! حازم.. كان جاي يخلص أوراق في الشركة!
في ثانية واحدة، كل القوة اللي بنيتها اتبخرت. انهرت تماماً.. رجلي مكانتش شيلاني، وجاتلي نوبة هلع فظيعة، ضربات قلبي كانت هتوقف ونفسي اتقطع. نقلوني المستشفى تحت تأثير المهدئات والمحاليل.
أول ما فقت، كنت هقدم استقالتي فوراً مش عايزة أشوف الوش ده تاني، بس الإدارة عندي كانوا ناس محترمين جداً وعارفين كفاءتي، فرفضوا الاستقالة ونقلوني إدارة تانية خالص في فرع تاني عشان أكون بعيد عن أي حاجة تأذيني.
الكاتبة: نرمين عادل همام
نقلوني إدارة تانية خالص، وهناك.. قابلت راجل مختلف عن كل اللي عرفتهم في حياتي. كان اسمه شريف.
شريف كان هادي بشكل يطمن، مفيش في صوته زعيق ولا في ملامحه قسوة. من أول يوم دخلت فيه مكتبه، بصلي بابتسامة مريحة وقالي: — «بصي يا سارة.. أنا هنا في الإدارة دي عشان أساعد الناس وأسهل عليهم شغلهم، مش عشان أضغط عليهم ولا أربكهم. خدي وقتك خالص لحد ما تتعودي على المكان».
مع الوقت، ومن غير ما أحس، قلبي بدأ يميل ناحيته.. رغماً عن الخوف والأسوار العالية اللي كنت بانيها حوالين نفسي، كان فيه حاجة جواه بتجبرني أطمن.
وفي يوم بعد مواعيد الشغل، لقيت تليفوني بيرن، وكان هو. رديت بصوت مرتعش شوية، فلقيته بيقولي بنبرة رجاء حنينة: — «مريم.. ممكن تسمعيني؟ أرجوكي اسمعيني للآخر ومتقاطعنيش».
بدأ يتكلم وحكى ليا عن حياته كلها.. حكى عن أمه المقعدة اللي عايشة معاه وهو اللي بيخدمها، وعن إخواته البنات، وعن جوازته السابقة اللي انتهت، وعن عقمه اللي عرفه مؤخراً. قالي بصوت طالع من قلبه: — «أنا حاسس إن ربنا ساقك ليا سوق، وحاسس من أول يوم إنك الأمان اللي كنت بدور عليه».
في اللحظة دي، وأنا بسمعه، أدركت حاجة واحدة بس.. إن ربنا سبحانه وتعالى، بعد كل الخراب والكسر اللي مريت بيه، لسه كاتبلي باب جديد للرحمة والعوض.
شريف كمل كلامه بهدوء وصوت دافي:
— «طليقتي مكانتش عايزة تخلف في أول سنة جواز، وأنا احترمت رغبتها ومضغطتش عليها. بعد كده بدأت تأجل.. سنة ورا سنة وتتحجج بأي حاجة، لحد ما مرت تلات سنين كاملة من غير أطفال. وحين وقع الحادث وعملت تحاليل وفحوصات، أصبح وضعي الصحي واضح للجميع.. عرفت إن عندي عقم ومبخلّفش، ولم يكن بيا أي عيب قبل كده».
سكت شوية واتنهد، وكمل: — «يومها قعدت مع والدها وقولتله: “اللي ربنا كاتبه هيكون، والخيرة ديماً في اللي يختاره ربنا”، وتم الطلاق بكل هدوء. دي كانت المرة الأولى اللي أشوف فيها أهلي فرحانين بالانفصال.. مكنش شماتة فيها والله، بس كان راحة. أهلي قالولي إنهم عمرهم ما شافوا منها إساءة صريحة، بس هي مكانتش مدياهم أي اهتمام.. لا سلام حقيقي، ولا كلام، ولا دفا.. كانت باردة ومفيش في قلبها وِد».
صمت شريف لحظة، وبعدين كمل بصوت منخفض ومليان مشاعر صادقة: — «إنتي يا مريم.. لما دخلتي إدارتي نورتيها، ونورتي حياتي كلها معاها». وبسرعة، كأنه خاف أفهمني غلط، أضاف: — «أنا آسف جداً لو كلامي ده ضايقك أو أحرجك، ومش قصدي غزل رخيص والله.. بس أنا من أول يوم شوفتك فيه، قلبي دق».
قالي إنه اتكلم مع مديري السابق في الإدارة القديمة وسأله عليا، وعرف منه قصتي كاملة وكل اللي مريت بيه، وإنه وافق على نقلي لإدارته لأنه بيثق في المديري ده وعارف إنه مستحيل يؤذيني أو يحطني في مكان يتعبني.
وبنبرة كلها صدق وأمانة، قالي:
— «إوعي تفتكري ولو للحظة إني بستغل وضعك، أو وحدتك، أو حتة إنك مش قادرة تخلفي.. والله العظيم أنا ارتحت لك راحة ما يعلم بيها إلا ربنا، وشايفك ست البنات كلهم». وزاد على كلامه حاجة خلت دموعي تنزل غصب عني:
— «أهلي مختلفين تماماً عن أي حد عرفتيه في حياتك، ناس طيبين وفي حالهم. وأنا بقولك من دلوقتي.. حتى لو اتجوزنا، أنا مش عايزك تقولي لهم إن عدم الإنجاب بسببي أو بسببك.. أنا اللي هشيل الليلة دي قدامهم والمسؤولية كاملة هتبقى عليا، ومش شفقة مني عليكي.. لأ، دا اختياري أنا».
وفي الآخر، ختم كلامه وقال:
— «فكري براحتك خالص يا مريم، وبكرة في الشغل اتعاملي كأن مفيش أي حاجة حصلت، ولا تضغطي على نفسك». وقفل السكة.
الكاتبة: نرمين عادل همام
قعدت مكاني.. صامتة، مرتبكة، وبدور حولين نفسي. مشاعري كانت متلخبطة بشكل مش قادرة أفسره؛ خايفة من خطوة الجواز تاني، وفي نفس الوقت حاسة بدفا غريب ملمستوش من سنين. كلامه عن أمه وعن حمايتي كان بيلمس حتة مكسورة جوايا.
النوم مجاش عيني الليلة دي.. فضلت باصة للسقف وأنا بسأل نفسي:
“يا ترى يا مريم.. دي طاقة النور اللي بجد، ولا الخوف هيخليكي تقفلي الباب؟”
تاني يوم الصبح، لقيت تليفوني بينور برسالة منه، كانت رسالة ضاحكة بيسألني فيها عن الشغل وبيطمن عليا كأن مفيش حاجة حصلت بالليل. مكنتش قادرة أرد، الحيرة كانت لسه ملجماني والرد تقيل على لساني، ففضلت السكوت.
ومرت الأيام ورا الأيام، وبدأت ألاحظ نفسي.. لقيتني بنجذب ليه أكتر وأكتر، وبقيت بستنى دخوله الإدارة وصوته وهو بيتكلم. مكنتش عارفة أفسر مشاعري؛ هل أنا بنجذب ليه عشان وحيدة ومحتاجة الونس؟ ولا عشان لسه بدور على عيلة وضهر؟ ولا لأن ربنا سبحانه وتعالى قرر يداوي قلبي بيه ويخليه هو العوض؟
مكانش ليا في الدنيا دي مرجعية ولا أب أستشيره غير “عم أحمد” جاري وأبويا التاني. روحتله وحكيتله كل حاجة عن شريف وعن كلامه وعيلته وعقمه. عم أحمد سمعني بـاهتمام وقال: — «سيبيني يا مريم أقعد مع الراجل ده.. الراجل بيبان من قعدته مع الرجالة».
وفعلاً، شريف جه وقعد مع عم أحمد بالساعات. ولما رجع عم أحمد البيت، دخل عليا والابتسامة مالية وشه وقال: — «بسم الله ما شاء الله يا بنتي.. راجل محترم، شايل مسؤولية، وكلامه واضح ومبيفرش البحر طحينة. أنا استريحتله جداً، والكسر اللي فيه ربنا يجعله سبب في جبر كسرِك.. فكري يا بنتي والخيرة فيما اختاره الله».
فضلت أفكر شهرين كاملين. شهرين ومفيش مخلوق ضغط عليا ولا استعجلني. وفي ليلة، حسيت براحة غريبة في صدري، طلعت التليفون وكتبتله رسالة:
— «السلام عليكم». الرد جه منه في نفس الثانية كأنه كان مستني الرسالة دي بقاله عمر:
— «وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.. طمنيني يا مريم؟»
رديت عليه بـرسالة تانية وصوت حروفي ثابت:
— «أنا موافقة يا شريف.. بس عندي شرط واحد مفيش فيه فِصال». قال فوراً: — «اطلبي اللي إنتي عايزاه، وعيوني ليكي».
كتبتله والوجع القديم بيمر قدام عيني:
— «لو في يوم الشيطان لعب في دماغك وزعلت مني.. إوعى تمد إيدك عليا. يا نتكلم بهدوء ونحل مشاكلنا كبار، يا تسريح بإحسان وكل واحد يروح لحاله».
شريف رد عليا بهدوء وثقة هزت قلبي:
— «وعشان تطمني أكتر وتنامي مرتاحة.. اكتب الشرط ده في عقد الجواز نفسه يا مريم.. أنا مش الراجل اللي يمد إيده على ست، فما بالك بيكي إنتي؟»
الكاتبة: نرمين عادل همام
اتقدم شريف رسمي، وتكتب كتابنا. وعم أحمد وأهله عملوا لي أجمل (كتب كتاب) ممكن بنت تحلم بيها. البيت كان ماليان حب وفرحة، وعيلته أول ما شافتني احتضنتني كأنني بنتهم اللي غايبة عنهم بقالها سنين. أمه المقعدة مسكت إيدي وبستها ودعتلي وعينيها مليانة طيبة.
ولما قعدنا لوحدنا لأول مرة بعد كتب الكتاب، شريف قرب مني، ومسك وشي بإيديه الإثنين بكل حنان، وبص في عيني وقال: — «إنتي هدية ربنا ليا يا مريم.. إنتي العوض الصافي بعد التعب ده كله».
في اللحظة دي.. انهرت وبكيت. بكيت بكل طاقتي؛ بكيت من الفرحة اللي مكنتش مصدقة إنها هتدخل قلبي تاني، وبكيت من الضعف والقهر اللي عيشته، وبكيت شوقاً لأبويا وأمي وأحمد وإخواتي.. كنت بتمنى يكونوا معايا ويشوفوا بنتهم وهي بتتجوز راجل بجد بيصونها.
طلبت من شريف إن فترة الخطوبة وكتب الكتاب تكون هادية وطويلة شوية، عشان أعيشها بـتفاصيلها كأنها جوازي الأول وأنسى أي كابوس فات. احترم رغبتي جداً، بس طلب إننا نتجوز بسرعة عشان يلمنا بيت واحد. وبسرعة تم العرس، ودخلت بيته الجديد بقلوب نقية وصافية.
النهاردة.. مرت خمس سنين كاملة على اليوم ده. خمس سنين وأنا عايشة وسط عيلة بتحبني بجد، وزوج بيحميني وبيخاف عليا من الهوا الطاير. شريف—اللي بقى هو أهلي ودنيتي كلها—مخلانيش أحس بيوم إني غريبة أو ناقصني حاجة.
أما بخصوص سر الإنجاب وعدم الخلفة.. إحنا اخترنا سوا إننا نقول لأهله الحقيقة؛ إننا مش هنخلف. شوفت في عيون أمه وإخواته وجع وكسرة كبيرة لأنهم افتكروا إني أنا اللي بضحي وبظلم نفسي عشان بحب ابنهم وعشان عقم شريف، فـاحتووني أكتر وقبلوني وشالوني فوق راسهم من فوق، وميعرفوش إن ربنا جبر بخاطرنا إحنا الاثنين سوا. وحمدت ربنا من كل قلبي.
اتعلمت في رحلتي الصعبة دي.. إن الله سبحانه وتعالى قد يسوق إليك قدراً يبكيك ساعة، حتى لا تبكي بعدها دهراً. وقد يؤخر عنك حلماً عاماً أو عامين، ليفتح لك أبواب الخير والرضا عمراً كاملاً.
وقد يأخذ منك شيئاً تحبه وتتعلق بيه، ليغرقك بعده بـعطاء وجود لا ينتهي. وحين يشتد عليك ليل الوحدة وتظن إنها النهاية، يفتح لقلبك باب أُنس ورحمة لا يُغلق أبداً.
هذا ما آمنت به.. وهذا ما عشته بـروحي وعمري.
بقلم الكاتبة: نرمين عادل همام
تمت بحمد الله
