ج1 حكايات بسمة
ج1
جوزي كان يخليني أعمل كل أسبوع صواني أكل لأخته المطلقة عشان «ملهاش دخل»… وبعد سنة وصلني أوردر من صفحة أكل بيتي، والصورة كانت لنفس الصينية اللي عملتها الصبح.
كل يوم خميس كنت بصحى من الفجر.
أعمل صينية مكرونة بشاميل.
وصينية فراخ.
ومحشي.
وساعات حلويات كمان.
جوزي يقوللي:
—معلش يا هبة… أختي ملهاش دخل، وعيالها محتاجين ياكلوا.
وكنت أوافق.
حتى لما أسعار الأكل غليت، وبدأت أوفر من مصروف بيتي عشان أكفي.
كنت بقول:
—أهي ست مطلقة وربنا يعينها.
فضلت سنة كاملة.
لحد يوم، كنت تعبانة ومش قادرة أطبخ.
لكن جوزي أصر.
—أختي مستنية الأكل.
قمت عملت صينية بشاميل كبيرة.
وزينتها بطريقة مميزة.
وحطيت في الركن حبتين زيتون على شكل وردة عشان بنتها الصغيرة بتحبهم.
بعد ساعتين، جوزي أخد الصينية ومشي.
بالليل، بنتي قالتلي:
—ماما، نطلب أكل من بره؟
فتحت صفحة أكل بيتي مشهورة في منطقتنا.
طلبت صينية بشاميل.
بعد نص ساعة، الأوردر وصل.
فتحت الكيس.
واتجمدت.
نفس الصينية.
نفس الطبق بتاعي.
ونفس حبتين الزيتون.
قلبت الكيس.
لقيت اسم صفحة مطبوع عليه.
دخلت صفحتهم.
لقيت صور أكل السنة كلها.
محشي.
فراخ.
حلويات.
كلها أكلات أنا عملتها بإيدي.
اتصلت بالرقم.
ردت سلفتي.
قفلت.
استنيت جوزي يرجع.
حطيت الصينية قدامه.
—الأكل حلو؟
قال:
—أيوه… طلبتيه منين؟
قلت:
—من عند أختك.
وشه اتغير.
—قصدك إيه؟
فتحت الصفحة.
قلت:
—أختك ملهاش دخل؟ دي بتبيع أكلي بقالها سنة!
سكت.
وسكوته فهمني.
—إنت كنت عارف؟
قال:
—كنا بنحاول نساعدها تبدأ مشروع.
—كنا؟!
صرخت:
—يعني أنا بطبخ، وإنتوا بتبيعوا؟
قال:
—متكبريش الموضوع… الفلوس في الآخر للعيلة.
تاني يوم، روحت لسلفتي.
لقيتها بتجهز أوردرات.
أول ما شافتني قالت:
—إنتِ جاية تعملي مشكلة؟
قلت:
—لأ… جاية آخد حقي.
ضحكت.
—حق إيه؟ أثبتي إن الأكل بتاعك.
طلعت موبايلي.
—عندي صور كل صينية قبل ما تخرج من بيتي.
وشها اتغير.
لكن قبل ما تتكلم، واحدة من العاملات خرجت من المطبخ.
أول ما شافتني قالت:
—إنتِ مدام هبة؟
—أيوه.
قالت:
—أخيرًا جيتي.
سلفتي صرخت:
—ادخلي جوه!
لكن البنت مدتلي ظرف.
—أنا مستنياكي من 6 شهور.
فتحته.
لقيت عقود توريد باسم صفحة سلفتي.
مطاعم.
شركات.
وحفلات.
بمبالغ كبيرة.
قلت:
—إيه ده؟
قالت:
—أخت جوزك مش بتبيع الأكل بس.
طلعت ورقة أخيرة.
كانت وثيقة تأمين على مشروع تجهيز وجبات.
واسم صاحبة المشروع كان اسمي أنا.
بصيت لسلفتي.
—إزاي؟
البنت قالت:
—لأن جوزك سجل المشروع باسمك من سنة.
قلبي وقف.
—ليه؟
قالت:
—عشان لما حصلت حالات تسمم من آخر أوردر، كل المسؤولية القانونية تبقى عليكي.
بصيت لجوزي اللي كان لسه داخل من الباب.
وقلت:
—إنت عملت كده؟
لكنه مبصليش.
بص لأخته وقال:
—إنتِ قولتيلي إن محدش هيكتشف!
سلفتي بدأت تعيط.
لكن البنت قالت:
—دي مش أكبر مشكلة.
فتحت موبايلها وورتني رسالة وصلتها الصبح.
—المعمل حلل عينات الأكل.
—وبعدين؟
بصتلي وقالت:
—الأكل اللي تسبب في التسمم مش من طبخك… حد ضاف له مادة بعد ما خرج من بيتك.
سألتها:
—مين؟
قبل ما ترد، سلفتي جريت ناحية الباب.
لكن اتنين شرطة كانوا واقفين بره.
والضابط دخل، بص لجوزي، وقال:
—محدش يتحرك… لأننا عرفنا أخيرًا مين كان بيحط المادة في الأكل، وليه اختار يسجل المشروع باسم مراته بالذات.
**الجزء الثاني:**
وقف الضابط في منتصف الغرفة، والصمت مخيم على المكان إلا من صوت أنفاس أخت زوجي (سلفتي) المتهدجة وهي تتراجع للخلف، محاولة الهروب بصريًا من المواجهة. التفت الضابط نحو زوجي الذي تيبس جسده تمامًا، وبدت علامات الرعب واضحة على وجهه بعد أن كان منذ ثوانٍ يتحدث بلهجة الواثق.
قال الضابط وهو يخرج دفتري مذكرات صغير وبعض الأوراق الرسمية:
— «الموضوع مكنش مجرد مشروع أكل بيتي يا مدام هبة. الموضوع كان خطة مرسومة بدقة من سنة كاملة. الأستاذ جوزك مكنش بيشفق على أخته ولا حاجة، الأستاذ كان مديون بمبالغ ضخمة لشركات توريد، ولما لقى إن أكلِك عليه إقبال وبتطبخي بنظافة ونفسِك حلو في الأكل، قرر يستغل ده. بس الذكاء خانهم لما فكروا في التوسع السريع وقرروا يدخلوا في مناقصات توريد لشركات ومستشفيات بمبالغ خيالية.»
نظرتُ إلى زوجي والصدمة تلجم لساني، دموعي جفت وحل محلها ذهول مرعب. صرخت فيه بصوت مخنوق:
— «تسمم؟ ومادة إيه اللي اتحطت في الأكل؟ اتكلم!»
لم ينطق، بل أدار وجهه بعيدًا، لكن الضابط تابع بقسوة وهو يوجه كلامه لزوجي:
— «مش هيرد… أنا هقولك. لما العقود كبرت وبقى مطلوب منهم كميات أكل ضخمة تفوق قدرتك على الطبخ لوحدك في البيت، بدأوا يشتروا وجبات جاهزة رخيصة من أماكن مجهولة وغير مرخصة عشان يغطوا العجز، ويحطوها في نفس الصواني والأطباق بتاعتك عشان العقد باسمك والشغل يبان جودته عالية. الأكل الرخيص ده كان فاسد وفيه بكتيريا سامة، ولما حصلت أول حالة تسمم في حفلة تابعة لشركة كبيرة والشغل بدأ يتفضح، جوزك خاف يروح في داهية هو وأخته، فبدل ما يوقفوا الشغل، فكروا في حيلة أخبث.»
تدخلت الفلّاحة الشابة، العاملة التي سلمتني الظرف، وقالت وعيناها تلمعان بالدموع:
— «أنا هقولك يا مدام هبة.. هما مكنوش بيحطوا سم يموت، هما كانوا بيحطوا مادة مسهلة شديدة ومواد بتغير ريحة الأكل الفاسد عشان تداري العفن، ولما المحاميين بتوع الشركة الكبيرة هددوا بالقضايا، جوزك اتفق مع أخته إنهم يثبتوا إن التسمم حصل من “مادة مضافة” بفعل فاعل، عشان يلبسوها لعامل غلبان أو يرفعوا عن نفسهم قض*ية الإهمال التجاري ويحولوها لجناية ضد مجهول، وطبعًا بما إن ورق المشروع كله باسمك أنتِ، فالمحاضر والتعويضات والمسؤولية الجنائية كانت هتنزل على دماغك لوحدك، وهو يطلع منها بريء ويقبض فلوس التأمين على المشروع اللي قيمتها الملايين كتعويض عن “تخريب” الشغل!»
وقعت الكلمات على مسامعي كالصاعقة. زوجي، السند، الرجل الذي كنت أوفر من قوت يومي ومن مصروف بيتي لأجل “أخته المسكينة المطلقة”، كان يخطط لرميي في السجن، بل ويجعلني واجهة لجري*مة تسمم قد تنهي حياتي وحياة أبنائي، فقط لينقذ نفسه ويجني أموال التأمين.
نظرت لسلفتي وصحت فيها:
— «وأنتِ؟ وافقتي يخرب بيت أخوه عشان الفلوس؟ كنتِ بتاكلي من إيدي كل أسبوع وأنتِ بتخطي لي السجن؟»
صرخت سلفتي وهي تبكي بهستيريا، وتشير إلى زوجي:
— «هو السبب! هو اللي قالي هبة غلبانة وبتصدق، ولما القض*ية تبدأ المحامي بتاعه هيطلعها منها ثغرة قانونية على إنها “حسن نية”، بس لازم الورق يفضل باسمها عشان القروض والتأمين، هو اللي كان بياخد النسبة الكبيرة من الأرباح وسايبلي الفتات!»
هنا تحرك الضابط، وأشار للعساكر:
— «هاتوا الأستاذ وهاتوا المدام… في القسم الكل هيتكلم بالورق والمستندات.»
تقدم العسكري من زوجي وقام بوضع الكلبشات في يده. في تلك اللحظة، نظر إليّ زوجي للمرة الأولى، كانت عيناه مليئتين بالانكسار والخوف، وقال بصوت يرتجف:
— «هبة… أرجوكي… أنا عملت كده عشانكم، عشان أأمن مستقبل البنت، متسيبنيش…»
نظرت إلى يده المكبشة، ثم إلى الصينية التي كانت سببًا في كشف كل هذا الفساد، وقلت له بكل برود وقسوة لم أعهدها في نفسي من قبل:
— «أنت مأمنتش مستقبل بنتك… أنت دمرت حياتنا كلها. أنا مش هسيبك، أنا هكون أول واحدة واقفة في المحكمة… بس واقفة ضدك.»
اقتادت الشرطة زوجي وأخته إلى الخارج وسط ذهول الجيران وصدمتهم في المنطقة. بقيت أنا في المطبخ، الغرفة تدور بي، والعاملة الشابة تنظر إليّ بشفقة وتضع يدها على كتفي قائلة:
— «الحمد لله إننا لحقنا الورق ده قبل ما يتقدم للنيابة الصبح يا مدام هبة، جوزك كان ناوي يبلغ عن “سرقة وتخريب في المشغل” ويلبسك القض*ية رسمي بكره.»
أخذتُ نفسي طويلًا، ونظرت إلى الأوراق والعقود التي بين يدي. علمت أن المعركة لم تنتهِ بعد، وأن الغد يحمل تحقيقات، ومحاكم، ومواجهات شرسة لاسترداد اسمي وحريتي التي كادت أن تضيع بسب أقرب الناس إليّ. انطلقتُ نحو بيت أبي، وأنا أجر خطاي، لكن بداخلي نارًا من الانتقام والرغبة في استعادة حقي لن تنطفئ حتى أرى العدالة تأخذ مجراها بالكامل.

