ج2 عيون رمادية للكاتبة نرمين عادل همام
ج2
الفصل السادس: نصيحة ببلاش وكبرياء ولاد البلد
“بتعمل إيه هنا بالظبط؟” ندى سألت والسؤال واقف في زورها من المفاجأة.
ياسين بص لها ببرود وثبات وقال: “بمنتهى البساطة.. بأخد بنصيحتك.”
بربشت ندى بعينيها وقالت باستغراب: “نصيحتي أنا؟!”
“مش أنتِ اللي قلتيلي في الأسانسير إني لازم أشرفكم وأزور المطبخ عشان أشوف الشغلانة الصعبة دي؟”
ندى بلمت وفضلت مبحلقة فيه لثواني: “بس أنا كنت بتريق وبقولها كدا من باب المجاملة والكلام!”
ياسين عدل ياقة بالطوه وقال بلهجة حاسمة: “وأنا جيت على أي حال.”
الحقيقة ورا جية ياسين كانت أعقد من كدا بكتير.. الراجل قضا طول فترة بعد الظهر في اجتماع ممل ومصيري بخصوص مشروع فندق جديد على كورنيش النيل، بس طول الاجتماع ووسط الأرقام والملايين، كانت صورة ندى وهي بتنطق اسمه “ياسين” من غير خوف أو هيبة زايدة بتلف في دماغه. وهو مروح، شاور للسواق بتاعه يعدي من ناحية الحارة اللي فيها محل “أيام زمان”، ولما لمح ندى من ورا الفترينة الإزاز وهي بتضحك من قلبها مع زبون راجل عجوز من أهل الحتة، لقى نفسه بيدي أمر للسواق فوراً: “اقف هنا.”
ياسين قرب من فترينة العرض وبدأ يبص على أطباق الحلويات كأنه داخل مفاوضات تجارية في سوق غريب عليه.
بصلها وسألها: “ترشحيلي إيه أكله؟”
ندى فتحت بقها بذهول: “أنت عاوزني أرشحلك تاكل إيه؟”
“مش أنتِ اللي بتشتغلي هنا؟”
“أنا اللي بعمل كل حاجة هنا بإيدي تقريباً.”
“يبقى المفروض تكوني عارفة إيه اللي طعمه حلو بجد.”
ندى رفعت راسها وقالت بثقة: “كل حاجة هنا طعمها يجنن.”
لياسين وقف لثواني يادوب بيبص في عينيها بنظرة غامضة.
ندى ربعت إيديها وبصتله بتحدي: “في حاجة؟ بتبصلي كدا ليه؟”
“معندكيش تواضع.”
“كنت متواضعة زمان.. بس الموضوع ده كان مجهد ومبيجيبش همه.”
حاجة اتغيرت في تعبيرات وش ياسين.. ملامحه الحادة لانت سنة صغيرة كأنه معجب بردها.
ندى سحبت كرتونة بيضاء صغيرة من تحت الرخامة، وبدأت تنقي فيها أربع قطع كب كيك بمنتهى الخفة: “معانا هنا.. فانيليا طبيعي، كراميل مالح، ليمون باللافندر، وريد فيلفيت.”
ياسين رفع حاجبه: “أنا مباكلش حلويات أصلاً.”
ندى ضحكت وقالت وهي بتقفل الكرتونة: “يبقى أنت كدا جيت العنوان الغلط يا فندم.”
ربطت الكرتونة بدوبارة بيضاء خفيفة وزقتها ناحيته على الرخامة: “جرب وفاجئ نفسك.”
ياسين حط إيده في جيب بنطلونه: “الحساب كام؟”
“على حساب المحل.. ضيافة.”
ملامحه رجعت حادة تاني: “أنا مباخدش إحسان من حد.”
ندى ردت بسرعة وعينها في عينه: “وده مش إحسان.. ده رد جميل عشان أنقذت الكب كيك بتاعي المرة الأولى، ورجبتك اللي كادت تتلوى في المرة التانية.”
“أنا لحقتك مرة واحدة بس.”
“والمرة التانية وقفت الأسانسير عشان ألحق أدخل.. دي تحسبلك برضه.”
ياسين طلع محفظته الجلد الفخمة، وسحب منها ورقتين بمتين جنيه (ربعمية جنيه) وحطهم على الرخامة بمنتهى الهيبة.
ندى بحلقت في الفلوس بصدمة: “لأ طبعاً.. مستحيل! إيه ده؟”
“خليهم معاكي.”
“الأربع حتت كب كيك دول تمنهم يادوب تمانين جنيه!”
“أنتِ فضلتي فاتحة المحل مخصوص.”
“فضلت فاتحة تمنتاشر دقيقة زيادة يا فندم، مش تمنتاشر سنة!”
ياسين مسك الكرتونة في إيده وبصلها بابتسامة خبيثة مستخبية: “تصبحوا على خير يا ندى.”
ندى خرجت بسرعة من ورا الفترينة وجريت وراه: “استنى هنا! أنا بتكلم جد والله!”
لكن جرس الباب رن وهو بيقفل وراه وبيخرج للشارع.
وقفت ندى جمب الفترينة وهي ماسكة الفلوس في إيدها، وبصت عليه من الإزاز وهو بيركب عربية مرسيدس سوداء فخمة كانت واقفة ومستنياه على أول الشارع.
الفصل السابع: طعم الفانيليا والرد القاسي
تاني يوم الصبح.. كان ياسين قاعد ورا مكتبه العريض، وكرتونة الكب كيك مفتوحة قدامه.
مد إيده واختار قطعة الفانيليا.
الكيكة كانت خفيفة وزي الريشة، الكريمة ناعمة وبتدوب في البق، وحلاوتها كانت هادية وموزونة بنكهة دافية ومميزة معرفش يحدد هي إيه بالظبط.. بس طعمها خطفه. أخد قطمة تانية وهو بيفتكر منظر ندى وشعرها المنكوش وأثر الدقيق اللي كان على خدها وهي متبهدلة في الأسانسير.
ومن غير ما يحس.. أكل القطعة كلها لحد آخر فتفوتة!
على الظهر.. دخلت مكتبه سكرتيرته “نرمين” وهي شايلة علبة مغلفة بشكل شيك.
“يا فندم، في طرد واصل لحضرتك مخصوص.”
ياسين رفع عينه من الورق مستغرباً: “أنا مطلبتش حاجة.”
“ده مبعوت من محل اسمه ‘أيام زمان’.”
ياسين ساب القلم من إيده وبص للعلبة.
نرمين حطت الكرتونة البيضاء على مكتبه، وكان في ورقة صغيرة مربوطة بالدوبارة تحت الغطاء.
فتح الورقة وقرأ المكتوب بخط إيد ندى الواضح والجميل:
“حضرتك دفعت زيادة عن اللزوم بكتير.. دي الفكة بتاعتك بعد ما خصمت تمن الكب كيك اللي أخدته.”
فتح الكرتونة.. لقى جواها ست قطع كب كيك شكلهم يفتح النفس، ومعاهم تلتمية وعشرين جنيه كاش.
ياسين قرأ الورقة مرة.. واتنين..
وبعدين، ولأول مرة من سنين طويلة جوه المكتب ده.. ضحك من قلبه بصوت مسموع!
الفصل الثامن: لغة غريبة ولعبة أسبوعين
الضحكة دي مكنتش مجرد همسة أو ابتسامة خفيفة من اللي بيسلك بيها أموره في اجتماعات الشغل الرسمية عشان يساير الناس. لأ، دي كانت ضحكة حقيقية وطالعة من قلبه، ضحكة كان بقاله سنين مضحكهاش لدرجة إنها طالعة بـ “صدأ” قلة الاستخدام.
نرمين السكرتيرة فضلت مبحلقة فيه ومبرقة عينيها كأنه فجأة بدأ يتكلم لغة تانية غريبة مسمعتهاش منه قبل كده. غول السوق وجبروت الشغل بيضحك في مكتبه؟!
ملامح ياسين رجعت لجمودها وهيبتها المعتادة في ثانية، وبص لنرمين ببرود وقالها: “أنتِ لسه واقفة عندك ليه؟”
نرمين بلعت ريقها وقالت بلهوجة: “كنت.. كنت بس بطمن إن حضرتك كويس يا فندم.”
“اقفلي الباب وراكِ.”
“حاضر يا فندم، تحت أمرك.”
بمجرد ما قفلت الباب وخرجت، ياسين مسك تليفونه وطلب الرقم المكتوب على علبة المخبز الكرتون.
في ثواني رد صوتها الناعم والحيوي: “محل أيام زمان.. مع حضرتك ندى.”
“أنتِ خصمتي تمانين جنيه بالظبط.”
سكتت لحظة وكأنها بتستوعب النبرة، وقالت بدهشة: “ياسين بيه؟”
“أنتِ رجعتي الفلوس وخصمتي تمانين جنيه بالملّي.”
“أيوة، ما هو ده تمن الكب كيك اللي حضرتك أخذته.”
“بس الأربعة الأولانيين كانوا هدية وضيافة منك.”
“دول كانوا ضيافة فعلاً.. إنما الستة الجداد دول شغل وتجارة.”
“أنتِ دماغك ناشفة وعنيدة على فكرة.”
“وحضرتك دافع زيادة عن حقنا بكتير.”
“أنا كنت عايز أدفع كده.”
“وده مش مبرر يخلينا ناخد فلوس مش من حقنا.”
“بس ده مبرري أنا وطريقتي.”
ندى تنهدت تنهيدة طويلة واصلة للسماعة وقالت: “يا ساتر.. أنت أكيد متعب جداً في الشغل والغلابة اللي شغالين معاك بيعانوا.”
ياسين رد بثقة وسخرية خفيفة: “بس بدفع ليهم كويس جداً.”
ندى ضحكت ضحكة خطفت قلبه: “بس أنا مسألتكش بتدفع كام!”
بص للكب كيك اللي قدامه وقال بصوت هادي وفيه نبرة صدق نادرة: “شكراً يا ندى.”
ردت عليه بهدوء ونعومة: “العفو.. على إيه.”
“ندى.”
“أيوة؟”
“بلاش حكاية ترجيع الفلوس دي تاني.”
ردت بذكاء وشقاوة: “مقدرش أوعدك!”
الفصل التاسع: كرواسون الفجر ومفاوضات الرفض
على مدار الأسبوعين اللي بعد كده، بدأت بين السطور لعبة غريبة ولطيفة، مفيش حد فيهم اعترف بيها للتاني، بس الاتنين كانوا مستمتعين بيها على الآخر.
ياسين بقى يطلب كميات حلويات ومخبوزات لاجتماعات تافهة في شركته ومبتستدعيش أصلاً شاي وبسكوت. وندى من ناحيتها بقت تشيل الطلبات وتوصلها بنفسها كل ما تلاقي حجة مقنعة ومظبوطة تبرر بيها نزولها للبرج.
ساعات كانوا يتقابلوا في الأسانسير ويدور بينهم كلام خاطف سريع. وفي مرة من المرات، ياسين صمم يدخلها مكتبه الفخم، وقعد يسمعها بتركيز حقيقي وهي بتشرح بلهفة وشغف حلم عمرها: إنها تفتح فرع تاني لمحل “أيام زمان”، بس في منطقة شعبية تانية تكون حيوية، منطقة مفيهاش تجمعات أو أماكن تلم العائلات البسيطة وولاد البلد عشان يتبسطوا وياكلوا لقمة حلوة.
ندى قالت بضيق وقلة حيلة وهي بتشرب عصيرها: “البنوك دايماً شروطها معقدة، وكل ما أروح أقدم على قرض يقولولي لازم ضامنات وعقارات وأصول.. يعني بجد الموهبة، وخبرة اتناشر سنة في الشغلانة، وقدرتي على إني أطلع تلتمية قطعة كرواسون وباتيه دافية قبل الفجر، كل ده مش كفاية بالنسبالهم ولا يعتبر ضامن!”
ياسين بصلها وقال ببساطة: “أنا ممكن أمول المشروع ده بالكامل.”
ندى رفعت راسها بسرعة وبصتله بنظرة حادة ورافضة: “لأ طبعاً.. مستحيل.”
“أنتِ مسبتنيش أكمل كلامي.”
“ما أنا عارفة كنت هتقول إيه.. هتعرض عليا فلوس ومساعدة.”
“أنا كنت هعرض استثمار وشراكة تجارية، مش إعانة.”
“بس أنا يدوبك عارفاك من كام يوم، معرفكش للدرجة دي.”
ياسين ساند ضهره على كرسيه الجلد الفخم ورجع لورا وقال بهدوء ونبرة جدية: “أنتِ تريقتي على أكلي وطريقتي، ورجعتي فلوسي، واتهمتيني إن عندي طوابق وعمارات ياما وبصالي فيها.. الكلام الصريح والأمين اللي دار بيني وبينك في الأيام اللي فاتت دي، أنا مقلتوش لناس أعرفهم ومقربين مني بقالي عشر سنين.”
ابتسمت ندى برقة وقالت: “برضه لأ.. شكرًا.”
“أنتِ بترفضي عرض مكسب وشغل من غير حتى ما تسمعي الشروط والتفاصيل المادية؟”
ندى اتنهدت وقالتله بصوت واثق وعينها في عينه: “أنا برفض فكرة إني كل ما أبص في عينك، أو أنت تبصلي، أحس بالشك وأسأل نفسي: هل أنا نجحت وعملت اسمي بمجهودي وتعبي، ولا عشان صعبت عليك وقررت تنقذني بفلوسك؟”
ملامحه اتغيرت وعينه لمعت بذهول. ندى فضلت مثبتة عيونها الخضرا في عينه الرمادية وقالتله بمنتهى القوة: “أنا عايزاك تشوفني يا ياسين.. تشوفني بجد.. مش تنقذني وتعمل عليا البطل.”
وهو فعلاً كان شايفها.. شايفها بجد وجوا أعماقها.. وهي دي بالظبط كانت المشكلة والورطة الكبيرة اللي وقع فيها!
الفصل العاشر: جرح قديم وتفاصيل صغيرة
ياسين عاش واحد وعشرين سنة من عمره مؤمن بفكرة واحدة: إن الارتباط أو إن قلبك يحن لحد دي بوابة مفتوحة للنار وخراب البيوت، ونقطة ضعف يدخل منها الخصوم.
لما كان عنده ستاشر سنة، أبوه “جلال الغرباوي” اتضرب بالنار واتقتل غدر قدام فندق فخم في منطقة جاردن سيتي. عمه “شاكر” وقتها قعد معاه وفهمه الحقيقة المرة؛ قاله إن أبوه جلال مات بسبب إنه غفل ورخى دفاعاته ورا ست اسمها “هدى كامل”، مستشارة تطوير أعمال كانت جاية من برة، وهي اللي قدرت تلعب بدماغ أبوه وتخليه يثق فيها لدرجة إنها كشفت أسراره لخصومه ومنافسينه في السوق وباعته ليهم.
والدة ياسين مستحملتش الصدمة والحزن على جوزها، وجالها المرض من قهرتها وماتت بعدها بتلات سنين. في سن الستاشر، ياسين دفن أبوه بإيده. وفي سن التسعتاشر، دفن أمه الحنينة.
ولما وصل لسن الخمسة وعشرين، كان ياسين الغرباوي قدر يفرض سيطرته وجبروته على كل شبر في إمبراطورية الغرباوي للتجارة والفنادق، وفرم وداس على أي حد من الحيتان الكبار اللي افتكروا إن صغر سنه نقطة ضعف أو قلة خبرة.
متجوزش.. ومسمحش لأي ست تدخل حياته أو يفضل معاها لفترة تخلي ريحة عطرها تعلق في أركان بيته. عمره ما اتكلم مع مخلوق عن طفولته، ولا عن مخاوفه، ولا عن الصورة القديمة اللي حاططها في أخر درج مقفول في مكتبه؛ صورته وهو عنده تلاتاشر سنة واقف جمب أبوه اللي بيضحك من قلبه.. الأب اللي ياسين قضى نص عمره بيحاول ميسامحوش على الغلطة اللي دمرت عيلتهم.
الحب والضعف هما اللي خلوا “جلال الغرباوي” صيد سهل لأعدائه.. وياسين مستحيل يكرر نفس الغلطة دي تاني.
لكن ندى ظهرت بكراتين الكب كيك بتاعتها، وبقت تدخل عليه وتتكلم معاه بمنتهى التلقائية والبساطة، كأن صمته الرهيب وجبروته اللي بيهز جبال مبيخوفهاش ولا بيتهز لها شعره بسببه.
ومع الوقت والشات الخفيف، بدأ يعرف عنها حاجات مكنش يتخيل إنه يركز فيها؛ عرف إن صوتها وحش جداً وهي بتغني وهي بتزين التورتة في المطبخ، وإنها بتأكل قطة بلدي لونه مشمشي علطول مستنية ورا دكان الحلواني، وعرف كمان إنها دايماً شايلة في شنطتها علبة خياطة صغيرة للطوارئ بس عمرها ما بتفتكر تشيل شمسية تحميها من مطر الشتا. عرف إنها بتعشق أغاني أم كلثوم القديمة وصوت السمسمية، وبتكره المطاعم الفخمة الغالية اللي بتقدم أكل يدوبك متشوفوش في وسط الطبق العريض.
وفي المقابل، ندى عرفت إن ياسين بيشرب قهوته سادة من غير ولا فرفوتة سكر، وبيحب يقرأ كتب التاريخ بالليل قبل ما ينام، وعمره ما بيقعد في أي مكان وضهره للباب أبدًا. عرفت كمان إن ضحكته النادرة دي مش بتطلع لأي حد أو بالساهل، وإنه بيفتكر كل كلمة بتقولها بالملي، حتى اسم الزبون العجوز اللي من أهل الحتة اللي سهرت طول الليل عشان تخلص تورتة عيد ميلاده.
الرابط اللي بينهم كان بيكبر ويقوى في المساحات الفاضية اللي بين الكلام، من غير أي اعتراف رسمي بالمشاعر.. وياسين عمره ما سمى مقابلاتهم دي خروج أو مواعيد غرامية.
الفصل الحادي عشر: الصورة والتهديد الصامت
ندى مكنتش بتسأل نفسها أبداً ليه السواق بتاع ياسين بيفضل واقف بالعربية على أول الشارع ومبيتحركش غير لما هي تقفل باب دكان “أيام زمان” بالقفل وتتأكد إن النور اتطفى.
الاتنين كانوا فاهمين كويس ومن غير كلام إنهم بيقربوا من منطقة خطر، بس مكنش حد فيهم متخيل الخطورة دي ممكن توصل لفين.. لحد ما ظهرت صورة على مكتب ياسين الغرباوي.
الظرف وصل مع راجل دخل بهو برج “الغرباوي جروب” وهو لابس لبس موظف دليفري من شركة شحن شهيرة، واختفى وسط زحمة الشارع قبل ما الأمن يلحق يوصل للأسانسير.
جوه الظرف كانت في صورة لندى وهي خارجة من “أيام زمان” لوحدها بالليل. كانت بتضحك وهي بتبص في تليفونها، ومش واخدة بالها خالص إن في حد واقف في الجهة التانية من الشارع وبيصورها.
وعلى ضهر الصورة كانت مكتوبة رسالة بخط إيد حاد:
“البنت دي حنينة وطرية.. وأنت لأ. خلينا نشوف إيه اللي هيحصل لما نضغط عليها شوية. انسحب من صفقة تطوير أرض الكورنيش الشرقية، وإلا هروح بنفسي وأعرف ندى عبد الرحمن على عيلتي. بهاء الهواري”*
ياسين وقف من ورا مكتبه ببطء شديد، ببطء لدرجة خلت نرمين السكرتيرة، اللي كانت واقفة جمب الباب مستنية يمضي ورق، تاخد خطوة غريزة لورا من هول المنظر. ملامحه كانت خالية من التعبير، بس عينه الرمادية كانت بتطلع شرار يرعب بلد.
“بهاء الهواري” كان راجل أعمال تقيل وجبار، بس لعبه كله في الضلمة؛ مسيطر على شركات مقاولات مشبوهة، ومخازن غير مرخصة، وصاحب صالات قمار سرية في أطراف القاهرة. بقاله خمس سنين بيحاول يدخل وينافس في سوق “الغرباوي”، وياسين كان دايماً واقفله بالمرصاد؛ يرفض يدخله في أي مناقصة، ويشتري الأراضي والعقارات من تحت إيده، وقدر يقنع كبار المستثمرين اللي كانوا مع بهاء إنهم يغيروا ولائهم ويبعدوا عنه. بهاء مكنش من النوع اللي بيستخدم القوة الصريحة علطول.. كان بيفضل اللعب بالسرقة، بالديون، وبالخوف والتهديد.
ياسين ضغط على زرار الإنتركم بصوت دافي وحاد زي السكينة: “ابعتلي مصطفى فوراً.”
الفصل الثاني عشر: المراقبة في الضلمة
مصطفى عبد الله دخل المكتب بعد أقل من دقيقة. مصطفى ده كان دراع ياسين اليمين والمسؤول عن تأمينه ورجالته، شغال معاه من أيام ما كانوا في العشرينيات من عمرهم، ومن القليلين جداً اللي مسموح لهم يدخلوا مكتب ياسين من غير ما يخبطوا على الباب.
ياسين مد إيده وناولُه الصورة من غير ولا كلمة. ملامح مصطفى اتفضت من الضحك ووشه خشب: “بقالهم قد إيه؟”
ياسين رد ببرود مرعب: “معرفش.”
“هنقيس السكة ونعرف.”
“حط رجالة حوالين ندى.. أربعة وعشرين ساعة في اليوم.”
مصطفى بصلة بتمعن: “مكشوفين؟”
“لأ.. من بعيد لبعيد. مش عايزها تحس بأي حاجة.”
مصطفى اتنهد: “دي هتتجنن وتثور لما تعرف يا ياسين بيه.”
ياسين بصل الصورة بجمود: “تثور وتغضب وهي عايشة.. أحسن ما يجرالها حاجة.”
“وبالنسبة لبهاء الهواري؟”
“هاتوهولي.”
مصطفى هز راسه بفهم: “صاحي؟”
عيني ياسين ثبتت على صورة ندى للحظات وقال: “لحد ما أنا أكلمه بنفسي.”
الفصل الثالث عشر: جفاء السبعة أيام
لمدة سبعة أيام كاملة.. ياسين متصلش بندى ولا مرة. ألغى أوردرين حلويات ومخبوزات كانت الشركة طالباهم، وبقى يرفض تماماً إن عربية السواق بتاعته تعدي من الشارع اللي فيه “أيام زمان”، حتى لو كان تغيير الطريق ده بيكلفه ربع ساعة زيادة في زحمة المرور.
كان بيقنع نفسه إن البعد ده هو اللي هيحميها، ويخليها ورقة مالهاش قيمة في إيد بهاء الهواري. كان بيقول لنفسه إنها كدا هترجع لحياتها الهادية والآمنة اللي كانت عايشاها قبل ما تقابله وتدخل أسانسيره.
بس ياسين مكنش عامل حسابه في حاجة واحدة.. إنه كان خلاص غير حياتها دي من أساسها، ومبقاش ينفع ترجع زي الأول.
ندى أخدت بالها من غيابه من تاني يوم علطول. وعلى اليوم الرابع، كانت متغاظة ومتعصبة من نفسها عشان مهتمة وواخدة بالها أصلاً من غيابه. وعلى اليوم السابع، الغضب ده كله اتحول ووجهته ناحيته هو.
“اختفى فجأة!” ندى قالت لمنى بغيظ وهي بتهبد الصواني النضيفة فوق بعضها بعد ما قفلوا المحل بالليل. “من غير أي تفسير.. لا تليفون، ولا كلمة، ولا حتى اعتذار.. مفيش!”
منى كانت بتمسح الرخامة وقالت بابتسامة هادية: “يا بنتي، رجالة الأعمال الكبار اللي ليهم هيبة وسيرة غامضة في السوق عمرهم ما كانوا شاطرين في التواصل ولا الكلام الرومانتيكي.”
“أنا مبعتلوش أطلب منه مذكرات طفولته! أنا كنت مستنية منه مجرد ذوق وبساطة في المعاملة!”
منى مالت عليها بخبث: “يعني هو وحشك؟”
ندى حطت الصينية بعنف على التربيزة وصوتها رن في المكان: “الموضوع ده ملوش أي علاقة بالموضوع أساساً!”
“لأ.. له علاقة، والجواب الواضح هو ‘أيوة’ وحشك.”
سندت ندى ضهرها على الرخامة وبصت للأرض بضيق: “أنا حسيت إن في حاجة بتبدأ بينا.. حاجة حقيقية.”
“وكان في فعلاً.”
“أومال اختفى ليه بالشكل ده؟”
“يمكن خاف؟”
ندى ضحكت بمرارة وسخرية: “ياسين الغرباوي يخاف؟ ده مبيخافش من الموت نفسه!”
وفي نفس اللحظة دي.. وفي الجهة التانية من الشارع، جوة عربية مرسيدس سوداء فخمة بإزاز فاميه غامق ومستخبية في الضلمة، كان ياسين بيبص على نور دكان “أيام زمان” وهو بيتطفي.
مصطفى كان قاعد ورا الدريكسيون وقال بصوت واطي: “في واحد من رجالة بهاء الهواري كان ماشي وراها امبارح.”
تركيز ياسين كله انتبه وعروق إيده ظهرت على فخذ بدلتُه: “قرب منها قد إيه؟”
“شارعين.. ورجالتنا سحبوه وغيروا طريقه من غير ما يحس بأي حاجة أو يحصل احتكاك.”
“والنهاردة؟”
“السكة أمان لحد دلوقتي.”
في اللحظة دي، ندى خرجت من الدكان وهي لابس بالطو أخضر شيك، قفلت الباب وبدأت تمشي بخطوات سريعة ناحية شقتها اللي بتبعد حوالي ست شوارع عن المحل. ياسين كان مراقبها بعينه من ورا الإزاز الغامق، وعينه كانت ماشية معاها خطوة بخطوة، وهو بيكره كل خطوة وكل متر بيبعده عنها وبيمنعه يقف جمبها…..يتبع للجزء الثالث والاخير

