ج الاخير عيون رمادية للكاتبة نرمين عادل همام

ج الاخير

الفصل الرابع عشر: المواجهة في  المطر

تاني يوم بالليل، ندى تأخرت في المحل أكتر من العادي. المطر بدأ ينزل خفيف وبارد، الشوارع بدأت تفضى والجو بقى ساكت تماماً. ندى كانت ماشية في الزقاق الجانبي الضيق اللي جمب المحل عشان تطلع على الشارع الرئيسي، ولما وصلت لنص الزقاق، فجأة خرج راجل من ورا عربية نقل كانت واقفة بتنزل بضاعة.

الراجل وقف قدامها وسد السكة: “أنتِ ندى عبد الرحمن؟”

ندى وقفت مكانها، وقلبها دق بسرعة بس حاولت تبان قوية: “مين اللي بيسأل؟”

الراجل كان لابس جاكيت بني، وعلى وشه ابتسامة باردة ومستفزة مفيهاش أي نوع من الأمان: “واحد مهتم بالدكان بتاعك والمكان ده.”

“المحل مش للبيع.”

الراجل قرب خطوة وقال بنبرة لئيمة: “في مذهبنا.. كل حاجة وليها تمن والكل بيبيع.”

ندى بدأت تاخد خطوات لورا وبهروب ناحية باب دكانها تاني: “بس المحل ده مش ليك ولا هيتباع لأشكالك.”

الراجل لمح الخوف في عينها وبدأ يتقدم ناحيتها بسرعة..

بس قبل ما يلمسها أو يوصلها، دخلت عربية دفع رباعي (جيب) سوداء ضخمة بسرعة جوه الزقاق، وفرملت بقوة عملت صوت صرخة إطارات مرعبة. البابين اتفتحوا ونزل منها اتنين رجالة بجسم رياضي وبدل سودة. الراجل الغريب بصلهم، قاس المسافة بينه وبينهم بعينه، وعرف إن اللعبة خسرانة، فلف وشه ومشي بسرعة من غير ولا كلمة واختفى في الشارع الرئيسي.

ندى كانت واقفة متمسمرة في مكانها وهي بتبص للرجالة اللي رجعوا للعربية وركبوها تاني عشان يتحركوا. بس في اللحظة دي.. ندى لقطت وش واحد منهم بوضوح تحت نور كشاف العربية قبل ما تلف وتمشي.

الوش ده مش غريب عليها.. ده نفس الراجل البودي جارد اللي شافته واقف برة مكتب ياسين الغرباوي في الدور الأخير!

راجل ياسين!

عشر دقائق بالتمام والكمال.. وكانت ندى جوة تاكسي طاير بيها في شوارع القاهرة متجهة مباشرة لبرج “الغرباوي جروب”.

دخلت بهو البرج وهي مبلولة من المطر، غرقانة، وعلى آخرها من الغضب، وفي إيدها شمسية مكسورة ومتبهدلة. رجال الأمن بتوع البوابة وقفوا في طريقها عشان يمنعوها تدخل بالمنظر ده، بس في اللحظة دي ظهرت نرمين السكرتيرة وهي نازلة من الأسانسيرات الخاصة.

“ندى؟ في إيه؟” نرمين سألتها بذهول.

ندى قالت وهي بتنهج من الغضب وعينها بتطلع شرار: “أنا لازم أشوف ياسين الغرباوي.. دلوقتي حالا!”

نرمين حاولت تهديها: “ياسين بيه في اجتماع مهم جداً مع أعضاء مجلس الإدارة.”

ندى رفعت الشمسية المكسورة في وشها وقالت بصوت مسموع هز البهو كله: “يا إما تخليني أطلع وأكلمه حالاً.. يا إما هفضل واقفة هنا في وسط الصالة دي وأقول لأي حد يدخل ويخرج ليه اتنين من رجالته البودي جاردات كانوا بيجروا ورايا وبيرقبوني في الضلمة جوة الزقاق!”

نرمين بصت لملامح ندى الجادة والغاضبة وعرفت إنها مش بتهزر وستنفذ كلامها فعلاً. ضغطت على زرار الأسانسير الخاص وقالتلها بنبرة واطية: “هو في الدور الـخامس عشر.”

ياسين كان قاعد على راس تربيزة اجتماعات طويلة وعريضة، وحواليه ستة من كبار المديرين التنفيذيين بيتناقشوا في أوراق صفقة الاستحواذ..

وفجأة.. الباب الخشبي الضخم لمكتبه اتفتح بعنف، ودخلت ندى!

وقفت ندى في وسط مكتبه الواسع، والمطر بينزل من هدومها على الأرض الباركيه اللامعة. ياسين وقف في نفس اللحظة وبص للمديرين اللي معاه وقال بكلمة واحدة وبدون نقاش: “كل برة.”

محدش جادل، وفي ثواني كانت القاعة فضيت ومبقاش فيه غير ندى وياسين الواقف ورا التربيزة الطويلة.

ندى زعقت بغضب: “أنت كنت ممشي ورايا ناس تراقبني!” صمته أكد شكها. “بقالهم قد إيه؟” “أسبوعين.” بحملقت فيه بصدمة: “من قبل ما تختفي وتتجنبني؟” “أيوة.” “ليه؟” “في حد هددك.”

الغضب اللي في وشها اتبدل لعلامات استفهام وحيرة: “مين؟” “واحد اسمه بهاء الهواري.” “أنا معرفوش أصلاً!” “بس هو يعرفني أنا.” “وده كفاية بالنسباله؟” “بالنسبه لواحد زيه.. أيوة كفاية.”

ندى رمت الشمسية المكسورة على الكرسي بغيظ: “تقوم تحوطني بناس غريبة ومتقوليش؟ مكنتش أستحق أعرف؟” “كنت خايف المعرفة دي ترعبك.” “في راجل سد عليا السكة في زقاق ضلمة وكان عارف اسمي.. أنا كدا كدا اترعبت خلاص!”

ياسين لف من ورا التربيزة وقرب منها: “مش هيقرب منك تاني.” “أنت متقدرش توعدني بكده.” “لأ، أقدر.” النبرة الباردة والواثقة في صوته خضتها أكتر من الزعيق.

بصت ندى ناحية القزاز الكبير اللي مغطي النيل ومغيم من المطر: “هو ده السبب اللي خلاك تبطل تتصل بيا؟” “أيوة.” “قررت بالنيابة عننا احنا الاتنين.” “قررت عشان أخليكِ عايشة وفي أمان.” “قررت لأني في نظرك ضعيفة ومش هفهم!”

فك ياسين اتشنج وصوته بقى حاد: “عمري ما فكرت فيكِ كدا.” “بس تصرفاتك بتقول عكس كدا بالظبط!”

ياسين وقف على بعد خطوات قليلة منها. ورغم جبروته، ظهرت نبرة ضعف وانكسار حقيقية تحت هيبته لأول مرة: “أنا بعدت عنكِ.. لأن أي شخص بهتم بيه في حياتي، بيتحول فوراً لسلاح أعدائي بيستخدموه ضدي.”

ندى نفسها اتحبس وبصتله بدهشة: “أنت.. أنت بتهتم بيا؟” “أيوة.” الكلمة طلعت منه من غير أي تردد. “قد إيه؟”

ياسين بصلها وكأن الاعتراف ده بيكلفه كتير: “لدرجة إني ببقى عارف بالثانية أنتِ خرجتِ من شقتك إمتى، وأي طريق مشيتِ فيه وأنتِ رايحة شغلك، وحتى كالون باب دكانك الخلفي اتغير ولا لأ.”

ندى بلعت ريقها: “الكلام ده يخوف ويقلق جداً.” “عارف.” “وتحكم.” “عارف.” “ويمكن يعتبر جر*يمة قانوناً؟” “شبه مؤكد.”

رغم الموقف، ندى ضحكت ضحكة خطفتها غصب عنها، بس تلاشت بسرعة.

ياسين قرب أكتر: “أنا قضيت واحد وعشرين سنة من عمري بأكد لنفسي إني مش محتاج لمخلوق.. لحد ما أنتِ دخلتِ الأسانسير بتاعي وجزمتك مكسورة والكريمة مغرقة إيدك، ومن ساعتها مفيش فكرة واحدة هادية دخلت دماغي.”

غضب ندى هدي شوية بس ممشيش تماماً: “الكلام ده يقرب يبكي من الرومانسية.” “م كنش مقصود بيه كدا.” “يمكن عشان كدا جاب نتيجة معايا.” “أنا مقدرش أعيشك عيشة طبيعية.” “وأنا م طلبتش عيشة طبيعية.” “ومقدرش أوعدك إن دنيتي مش هتلمس دنيتك في يوم.” “يبقى متكدبش عليا لما ده يحصل.”

بص بعيد عنها لأول مرة وقال: “المفروض تسيبي القاهرة وتطيري على الإسكندرية كام أسبوع.” “لأ.” “يا ندى.” “قلت لأ. دكاني هنا، وحياتي هنا.. أنت مش هتحركني كأن حتة شطرنج في صفقاتك.” “بهاء مش هيهمد.” “يبقى قولي اللي المفروض أعرفه، وسيبني أنا أختار لنفسي.”

صوت ياسين هدي ووشوشها: “طب وإخترتِ تفضلي جمبي؟”

ندى قربت منه لدرجة إن إيدها لمست ياقة بالطوه: “ده بيعتمد على إنك تتعلم الفرق بين إنك تحميني.. وبين إنك تملكني.”

بص في عينيها وقال بصدق سكتها تماماً: “أنا عمري ما ملكت حاجة كنت خايف أخسرها.”

ندى رفعت إيدها ولمست خده برقة. ياسين اتمسمر مكانه، دقنه الخشنة كانت دافية تحت صوابعها. همست: “أنت مش زي كلام الناس والسمعة اللي بتتقال عليك.” “أنتِ متعرفيش أنا إيه بالظبط.” “يبقى وريني.”

في اللحظة دي.. باسها. في الأول كانت بوسة هادية كأنه لسه بيحارب روحه وقسوته، بس ندى لفت صوابعها ورا رقبته وقربته أكتر، فكل السدود والجدران اللي بناها في سنين اتهدت في ثانية.

ضم وسطها بدراعه القوية لدرجة حسستها بضلوعه، والمطر برا القزاز عمال يغسل الشارع والبلد كلها اختفت ورا الضباب. كان بيبوسها بوجع واحد وعشرين سنة من الوحدة والخوف اللي مسمحش لنفسه ينطق بيهم في يوم.

لما بعدوا عن بعض، ندى سندت جبهتها على جبهته وهي بتنهج: “ده مش معناه إني مسامحاك في موضوع المراقبة السرية دي.” ياسين ابتسم بخفة: “كنت متوقع كدا فعلاً.” “هتقول لرجالتك ميتداروش مني.” “هيفضلوا جمبك.” “بس هبقى عارفاهم وعارفة أشكالهم.” “ماشي.” “وهتبطل تؤمرني وتتحكم فيا.” بقه اترسمت عليه شبه ابتسامة: “هحاول أقلل من الجمل اللي فيها أوامر مباشرة.” “ده مش نفس المعنى.” “ده أحسن عرض عندي حالياً.” ندى باسته تاني برقة: “هنبقى نتفاوض.”

تاني يوم الصبح، ياسين عرفها على “مصطفى” والاتنين الحراس اللي هيتولوا تأمين دكان “أيام زمان”. شرحلها الطرق الأمان، واداها رقم تليفون للطوارئ، ومحطش كاميرات المراقبة غير لما هي وافقت بنفسها على أماكنها.

ولأول مرة.. ندى دخلت دنيته وهي مفتحة عينيها وشايفة كل حاجة. بس ده مكنش معناه إنها فاهمة تاريخ الدنيا دي كويس.

بعد تلات ليالي بالظبط.. في حد اقتحم دكان “أيام زمان”.

جرس الإنذار ضرب الساعة 2:14 الفجر. وياسين وصل للمكان قبل عربية النجدة حتى.

الفترينة الإزاز الواجهة كانت سليمة ومفيهاش خدش، ودرج الفلوس مكنش ملموس ومفيش جنيه ناقص منه. بس الأدراج والعلب كانت مفرومة ومقلوبة على الأرض، ألواح الخشب بتاعة الأرضية كانت مخلوعة، وجزء من الحيطة الطوب القديمة اللي ورا المطبخ كان مهدود ومتكسر كأنهم بيدوروا على حاجة مدفونة جوه الحيطة!

الفصل الخامس عشر: أسرار من تحت الأنقاض

وقفت ندى في وسط المطبخ المتبهدل، وسط الدقيق المدلوق، والبرطمانات المكسورة، والأطباق المتفسفتة، وهي لامة البالطو بتاعها فوق البيجامة عشان البرد.

بصت للمكان وقالت وهي مذهولة: “دول كانوا بيدوروا على حاجة.. حاجة معينة.”

ياسين كان بيمشي إيده على الطوب اللي اتكسر وكشف الحيطة: “المبنى ده كان إيه بالظبط قبل ما يبقى محل حلواني؟”

ندى ردت بتركيز: “أبويا وأمي اشتروه وأنا عندي تسع سنين.. وقبل كدا، على ما أفتكر، كان مكتب محاسبة.”

ياسين لف وشه ليها: “هو والدك الله يرحمه كان شغال إيه؟”

“كان محاسب.”

ياسين جمد في مكانه كأن صاعقة ضربته. بص لندى وسألها بصوت غريب: “كان اسمه إيه بالكامل؟”

“محمد عبد الرحمن.”

في اللحظة دي، الدم هرب من وش مصطفى وبقى أصفر كأنه شاف ميت. ندى لقطت ملامحه المخطوفة وبصت لهم برعب: “في إيه؟ أنتم تعرفوا الاسم ده؟”

ياسين مجاوبش علطول.. بلع ريقه وبصلها بوجع: “أبويا الله يرحمه.. كان مشغل عنده محاسب اسمه محمد عبد الرحمن.”

ندى بحلقت فيه بدهشة: “في مجموعة الغرباوي؟”

“قبل ما يبقى اسمها كدا.. أيام ما كانت شركة تجارة ومقاولات صغيرة.”

“بس أبويا عمره ما جاب سيرة عيلة الغرباوي دي قدامي!”

“لأن والدك مات وأنتِ صغيرة جداً.”

“مات في حادثة طريق.”

ياسين ومصطفى تبادلوا نظرة سريعة ومليانة غموض، خلت ندى بطنها تكركب عليها من الخوف وقالت بنبرة مرعوبة: “في إيه؟! فهموني!”

ياسين مسك إيدها بحزم: “لازم نمشي من هنا حالاً.”

ندى زقت إيده بغضب: “مش هتحرك من هنا غير لما حد يفهمني ليه في رجالة دخلت دمرت شقا عمري ودكاني عشان يدوروا على حاجة تخص أبويا الميت!”

وقبل ما حد ينطق، دار صوت حركة سريعة ومريبة في الزقاق الخلفي للمحل. مصطفى سحب سلاحه بسرعة من جمبه واتحرك ناحية الباب، وفي نفس الثانية، حاجة حدفت بقوة وكسرت شباك المطبخ.

الزجاج اتدمر ووقع جوه، ونزلت زجاجة مولوتوف مولعة نار على الأرض، النار شبت بسرعة البرق ومسكت في الدقيق والورق المدلوق في الأرض.

“اخرجي برة!” ياسين زعق بأعلى صوته والخانقة ملت المكان.

الدخان طلع أسود وتقيل في ثواني. مصطفى وحارس تاني زقوا الباب الخلفي عشان يفتحوا سكة الهروب، في حين إن ياسين لف ندى جوة بالطوه وحماها بضهره وهو بيعدي بيها وسط الحرارة والنار. ندى بدأت تقاومه وبتلف وشها للمطبخ تصرخ بدموع: “وصفات أمي! كشكول الوصفات!”

“ندى.. لأ! المحل بيولع!”

“في المكتب جوه.. دي كل اللي فاضلي منها يا ياسين!”

بدأت تعافر معاه وتفلت من إيده والنار عمالة تاكل في سقف المحل الخشب. ياسين بص للنار اللي بدأت تحاصر المكتب، وبدون أي تردد زق ندى في حضن مصطفى وقاله بحسم: “طلعها برة!”

ندى صرخت بأعلى صوتها: “ياسين!!! لأأأأ!”

بس هو كان خلاص اختفى وسط الدخان الأسود الكثيف.

الثواني برة المحل كانت بتمر كأنها سنين ودهور، المطافئ وصلت وبدأت تتعامل، وندى واقفة منهارة ومصطفى كتفها ومانعها تدخل والنار عمالة تلون الشبابيك باللون البرتقالي المرعب.

وفجأة.. خرج ياسين من الباب الخلفي وهو بيكح وصدره مخنوق، وكم بالطوه ملسوع من النار.. بس كان شايل في إيده علبة الصاج القديمة بتاعة الوصفات.

ندى فلتت من مصطفى وجريت عليه، رمت نفسها في حضنه وهي بتعيط بهستيرية: “أنت مجنون؟! كنت هتموت!”

ياسين بصلها وهو بياخد نفسه بالعافية: “أنتِ قلتي إن دي كل اللي فاضلك منها.”

لمست وشه وعينيها غرقانة دموع: “مستحيل أسمحلك تخاطر بحياتك عشان شوية ورق يا ياسين!”

“الورق ده غالي عندك.”

وبص في عينها وقال بنعومة: “وأنتِ غالية عندي.”

الكلمة وقفتها وسكتتها تماماً. وراهم كانت المطافئ قدرت تسيطر على الحريق؛ المطبخ اتبهدل جامد، بس هيكل المحل الأساسي وجدرانه نجت من دمار كامل.

الفصل السادس عشر: الكنز المدفون تحت النار

على الفجر، كانت ندى قاعدة في شقة ياسين الفخمة (البنتهاوس) وهي لابس قميص من قمصانه الواسعة عليها، في حين إنه كان قاعد جمبها بيطهر حرق خفيف على معصم إيده. علبة الصاج القديمة كانت محطوطة على التربيزة في النص.

ندى فتحت العلبة بالراحة وبأصابع بترتعش.

معظم الكروت والورق كانت مكتوبة بخط أمها الدائري اللطيف، وحتة كروت قديمة من جدتها. وتحت الكروت دي كلها، كان في صورة قديمة ندى عمرها ما شافتها في حياتها.

أبوها كان واقف جمب راجل تاني بيبتسموا قدام نفس مبنى الدكان ده زمان. الراجل التاني كان صغير في السن، بس الشبه بينه وبين ياسين مكنش يخطئه عقل..

كان “جلال الغرباوي”.

ندى لفت الصورة، ولقت مكتوب على ضهرها بخط قديم:

“يا محمد.. لو جرالي أي حاجة، الحقيقة هتفضل مستخبية في المكان اللي بتطلع منه السخونية بس النار م تقدرش توصله. جلال الغرباوي”

ياسين قرأ السطر بذهول وعينه مبرقة. ندى همست وهي بتفكر: “المكان اللي بتطلع منه السخونية.. الأسانسير الصغير اليدوي القديم بتاع الأكل (الدموتر)!”

“إيه ده؟” ياسين سأل بتركيز.

وقفت ندى بسرعة: “كان في أسانسير صغير يدوي مخصص لنقل الأطباق في المطبخ القديم.. أمي سدته بالخشب وأنا صغيرة لأن الفئران كانت بتدخل منه، والماسورة بتاعته ماشية بالظبط جمب الفرن الكبيرة!”

ياسين وشه خشب وجسمه شد: “الكلاب اللي دخلوا يهدوا المحل كسروا الحيطة الغلط!”

رجعوا تاني لدكان “أيام زمان” بعد ما المطافئ أكدت إن المكان أمان لدخوله.

مكان الأسانسير القديم كان مستخبي ورا لوح خشب قديم ومقوس من الرطوبة ومسود من دخان الحريق. مصطفى جاب مفك وبدأ يفك المسامير القديمة المصداية بحرص، وندى واقفة جمبهم بتنور بكشاف التليفون.

جوة الفراغ، على بعد نص متر لفوق، كان في قالب طوب شكله جديد ومختلف عن باقي الطوب القديم المحيط بيه.

ياسين مد إيده القوية، زق القالب وسحبه لبرة.. ولقى وراه علبة حديد مستطيلة وضيقة، ملفوفة بقطعة قماش مشمع سميك عشان تحميها من الرطوبة والتراب.

إيد ندى كانت بتترعش وهي بتسنده وهو بيفتح العلبة.

العلبة كان جواها دفتر حسابات قديم من الجلد، سجلات مالية، صور قديمة، وجوابين مقفولين بالشمع الأحمر. جواب كان مكتوب عليه اسم: “محمد عبد الرحمن”. والجواب التاني كان مكتوب عليه: “ياسين جلال الغرباوي”.

ياسين فضل مبحلق في اسمه المكتوب بخط إيد أبوه الله يرحمه.. لثواني طويلة مكنش قادر يمد إيده ويلمسه كأنه خايف من اللي جواه.

ندى حطت الجواب في كف إيده وبصتله بحنان: “افتحه يا ياسين.. واجه ماضيك.”

الورق كان أصفر وقديم ومتهالك من مرور السنين. فتح ياسين الجواب وبدأ يقرأ:

“ابني وحبيبي ياسين، لو الجواب ده وصل لإيدك، فده معناه إني مرجعتش البيت والناس صاغت القصة بمزاجها عن سبب موتي. هيقولوا لك إني خنت عيلتي وناسي ورا ست غريبة لعبت بدماغي.. ودي كدبة رخيصة ألفها الرجالة اللي خانوني وباعوني بجد. المحاسب الأمين محمد عبد الرحمن كشف إن عمك شاكر وبهاء الهواري كانوا بيسرقوا فلوس معاشات وتأمين العمال والغلابة في الشركة، وبيغسلوا الفلوس دي عن طريق الفنادق بتاعتنا والمشاريع الجديدة. أنا حاولت أوقفهم بكل قوتي.. وهدى كامل مكنتش عشقتي ولا حاجة، دي كانت محققة مالية ومستشارة شريفة بتساعدنا نجمع الأدلة القانونية عشان نسجنهم. شاكر عارف أنا رايح فين النهارده بالليل.. ولو جرا لي حاجة، فثق تماماً إنه هو اللي باعتني للموت ده ب رجله. يا ياسين.. يا ابني.. بلاش تبقى النسخة اللي هما هيحاولوا يصنعوها منك.. بلاش تعيش من غير رحمة.. القوة من غير رحمة هي مجرد خوف لابس بدلة غالية. محمد معاه الدفاتر والأدلة الحقيقية.. احمي عيلته لو تقدر، بس بلاش تجرهم لذنوبنا وصراعاتنا. أنا حبيت أمك.. وحبيتك أنت.. ومفيش أي حاجة في الدنيا دي كانت تستاهل إني أخسركم. أبوك.. جلال الغرباوي”

الفصل السابع عشر والأخير: أختيار جديد وطريق نور

ياسين قرأ الجواب ونفسه مقطوع كأن حد ضاربه في صدره. القصة الوهمية اللي بنى عليها حياته كلها وقسوة قلبه لواحد وعشرين سنة اتهدت واتفرتكت في ثواني بين إيديه!

أبوه ممتش عشان الحب خلاه ضعيف ومهمل.. أبوه مات مغدور ومقتول على إيد أقرب الناس ليه؛ عمه “شاكر”.. الراجل اللي رباه بعد موت جلال، وعلمه القسوة والجبروت، وفهمه إن المشاعر ضعف وإن الرحمة هي السكينة اللي هتدبحه.

شاكر صنع من ياسين الراجل اللي أبوه جلال كان بيترجاه في الجواب إنه ميبقاش هو!

ندى كانت واقفة بتراقب ملامح ياسين والدموع المحبوسة في عينيه؛ شافت الغضب الرهيب وهو بيتحول لوجع وألم كأنه رجع تاني طفل عنده ستاشر سنة وواقف قدام قبر أبوه.

مدت إيدها ولمست دراعه بحنان. ياسين تراجع خطوة غريزية لورا من هول الصدمة، وبص للدفتر والجواب وقال بصوت مخنوق: “لو الدفتر ده والأدلة دي حقيقية.. يبقى الإمبراطورية والكيان اللي أنا بنته وتعبت فيه قايم كله على كدبة وخيانة عيلتي لبعضها.”

ندى قربت منه وضمت كف إيدها على إيده وقالتله بصوت ناعم كله حنية وولاد بلد: “أفعالك واختياراتك اللي فاتت يا ياسين كانت بتاعتك أنت.. بس الجرح القديم اللي صنع القسوة دي كلها كان من صنع حد تاني خاين وغدار.. والنهاردة، بعد ما عرفت الحقيقة، بقى قدامك اختيار جديد وطريق تاني تمشي فيه.”

بصلها وعينه مدمعة: “متدوريش ليا على أعذار يا ندى.”

“أنا مش بدورلك على أعذار.. أنا بقولك إن الحقيقة حررتك خلاص، وبقى في إيدك تختار تعيش بقلب نضيف وترجع حق الغلابة اللي أبوه مات وهو بيدافع عنهم.. ونبني سوا دكان ‘أيام زمان’ من جديد، بس المرة دي.. وإحنا واقفين على أرض صلبة ومفيش أي خوف بيبعدنا عن بعض.”

ياسين بص لندى.. ولقى لأول مرة إن الجدران الخرسانية اللي بانيها حوالين قلبه اتهدت تماماً، وسابت مكانها نور حقيقي ملاه الدفء والحب والأمان اللي هيبني بيه حياته الجديدة معاها لطريق جديد.

تمت 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *