ج الاخير حكايات روماني
ج الاخير
كريم مسك الأوراق من إيد الراجل، وقبل ما يفتح الظرف، نادى عليّ بصوت خافت: “سماح، ادخلي العربية مع الولاد، أنا مش عايزهم يشوفوا أي حاجة من اللي هقرأه دلوقتي”.
ركبت العربية وأنا قلبي بيدق بعنف، عينيا كانت متبتة على كريم من وراء الإزاز. شفته وهو بيفتح الظرف، ملامح وشه اللي كانت مليانة غضب تحولت فجأة لذهول تام، وبعدين بدأت تترسم عليها صدمة أكبر بكتير من صدمة طردنا من البيت. الراجل اللي جاب الأوراق فضل واقف بيتكلم معاه بحركات إيد سريعة وكأنه بيشرح تفاصيل دقيقة، وكريم بيهز راسه ببطء كأنه بيحاول يستوعب زلزال بيحصل جوه عقله.
فجأة، كريم قفل الأوراق بقوة وخد نفس عميق، وراح ناحية الراجل وسلّم عليه بحرارة، وبعدين جه ناحية العربية وركب وهو ساكت تماماً.
سألته بصوت مهزوز: “كريم.. في إيه؟ إيه اللي في الورق ده؟ خلتني ليه أدخل العربية؟”
بص لي كريم، وعينيه كانت لمعتها غريبة، مزيج بين الحزن والانتصار، وقال بصوت واطي: “يا سماح، طول عمرنا فاكرين إن أمي هي اللي كانت بتتحكم في كل حاجة، وإنها هي اللي ورثت أبويا بالكامل.. طلع الموضوع أبعد من كدة بكتير. الأوراق دي بتقول إن أبويا قبل ما يتوفى، اكتشف حاجة عن أصل ثروة البيت ده وعن علاقة أمي بناس تقال في السوق، وعمل “حماية قانونية” سرية لأملاكه، مش بس عشان يحميها، لأ.. ده عشان يضمن إن ولا حد فيهم يقدر يتصرف في مليم واحد إلا بموافقته هو، والأسوأ.. إن في ديون قديمة كانت متسجلة باسمهم هما، مش باسم أبويا!”
برقت عيني بذهول: “يعني إيه؟ يعني البيت اللي كنا بنتهان فيه، مش ملكهم أصلاً؟”
كريم هز راسه وقال: “بالظبط. أبويا كان عارف معدنهم، وكان مجهز لهم الضربة القاضية من سنين، بس كان مستني اللحظة اللي يقرروا فيها يغدروا بيّا عشان يحرر الأوراق دي. المحامي ده هو اللي كان مكلفه أبويا بمهمة المراقبة.. أمي ونادية وهدى مش بس هيطردوا من البيت، دول ممكن يلاقوا نفسهم في مواجهة قضائية تانية خالص، وتهمة التزوير اللي كانوا ناويين يلبسوهالي، هتتقلب عليهم هما بالحبس.”
سكت كريم لحظة، وبص للبيت القديم اللي كنا لسه خارجين منه، وقال بمرارة: “المشهد لسه مخلصش يا سماح. هما فاكرين إننا خايفين ومهزومين، ومش عارفين إننا خارجين ومعانا مفتاح إنهاء وجودهم في حياة أبويا.. حرفياً.”
في اللحظة دي، سمعنا صوت تليفون كريم بيرن. رقم نادية. كريم بص للشاشة، وبص لي، وابتسامة غامضة ارتسمت على وشه وهو بيقول: “دي نادية.. أكيد عرفوا حاجة من المحامي بتاعهم. نرد؟”
قلت له بحزم: “رد.. بس خليها تعرف إن زمن ‘البنت أحسن من الولد’ والتحكم فينا انتهى للأبد.”
كريم فتح الخط، وقبل ما نادية تتكلم، سمعت صوتها وهي بتعيط وبتقول: “كريم.. الحقنا، في ناس بوليس وناس تانية من البنك دخلوا البيت وبيتكلموا في ديون ومصادرة! إنت عملت إيه؟”كريم فتح الخط، وفعل “سبيكر” عشان أسمع كل حاجة. صوت نادية كان مشروخ من العياط والانهيار، وكان وراها صوت هرج ومرج عالي جداً جوه البيت.
نادية صرخت: “كريم! إنت فين؟ البوليس جه البيت وبيدوروا على أوراق تخص توكيلات أبويا، وبيقولوا إن فيه حجز قانوني على كل العقارات! أمي واقعة على الأرض ومش قادرة تاخد نفسها، وهدى بتصرخ ومش عارفة تعمل إيه.. إنت عملت إيه يا كريم؟ قلهم يوقفوا المهزلة دي!”
كريم فضل هادي بشكل مرعب، صوته كان تقيل وكأنه بيوزن كل كلمة: “المهزلة بدأت لما قررتوا تطردوني أنا وعيالي من بيتنا، ولما فكرتوا تسرقوا حق أبويا وتكتبوه باسمكم. البوليس والبنك مش جايين علشاني، هما جايين عشان الحقيقة اللي كنتوا بتداروها في الأدراج.”
نادية حاولت تغير لهجتها وبدأت تتوسل: “كريم يا حبيبي، إحنا كنا بنهزر.. دي كانت فورة غضب من أمي، إحنا أخواتك، ينفع تسيبنا نتبهدل كده؟”
كريم قاطعها بحدة: “أخواتي؟ الأخوات بيستروا بعض، مش بيحفروا لبعض. اللي بيسأل عليه البنك ده ديون تراكمت عليكم بسبب طمعكم في صفقات خسرانة كنتوا بتعملوها ورا ضهري، وكنتوا فاكرين إن اسم أبويا وتوقيعه ممكن يغطي على خيبتكم. القانون دلوقتي هو اللي هيحدد مين ليه حق ومين عليه تمن.”
كريم قفل السكة في وشها قبل ما تسمعه أي تبرير تاني، وبص لي وقال: “دي البداية بس يا سماح. نادية وهدى كانوا بيستخدموا اسم أمي عشان يغسلوا ديونهم الخاصة، وأمي كانت فاكرة إنهم بيحموا حقهم، بس هما كانوا بيورطوها في قضايا نصب.”
فجأة، تليفون كريم رن تاني.. كان رقم البيت. كريم رد، بس الصوت اللي طلع مكانش صوت نادية، كان صوت الحاجة فاطمة.. صوتها كان ضعيف جداً ومكسور، وبصوت مليان ندامة قالت: “يا كريم.. يا ابني.. أنا ضيعت نفسي وضيعتكم.. أنا مكنتش عارفة إنهم بيعملوا فيا كدة.. الحقني يا كريم، نادية وهدى هربوا ومعاهم الدهب وكل الورق المهم، وسبوني لوحدي أواجه المصير ده.”
كريم بص لي نظرة طويلة، نظرة حيرة بين كونه ابن بيحن، وبين كونه راجل اتغدر بيه لآخر لحظة. كريم مسح على وشه بقلق، وبص للعربية اللي كان بيركبها عشان نمشي، وبعدين بص للبيت اللي كان بيولع من جوه بالفتن والمشاكل، وسألني بصوت خافت: “يا سماح.. لو رجعنا دلوقتي، هنبقى بننقذ أمي.. ولا بنغرق مع اللي فاضل من العيلة؟”سكت كريم لحظة، والهدوء اللي في العربية كان أثقل من الجبال. بص لي وعينيه بتلمع بلمعة اتخاذ القرار، وقال بصوت حازم: “لو رجعنا، مش هنرجع عشان نغرق معاهم، هنرجع عشان ننهي الفوضى دي ونحط النقط على الحروف. أمي غلطت في حقي، بس هي في الآخر أمي، وماقدرش أسيبها تواجه السجن لوحدها والناس اللي كانت بتطبل لها هربوا بأول فرصة”.
قلت له وأنا ماسكة إيده: “أنا معاك يا كريم، في أي قرار تاخده، بس بشرط.. البيت ده لازم يرجع بيت عيلة حقيقي، لا فيه طمع ولا فيه تفرقة بين ولد وبنت، وإلا هتفضل الدوامة دي شغالة”.
لف كريم العربية ورجعنا للبيت. المشهد كان فوضوي بكل معنى الكلمة، المحضرين موجودين، والبيت اللي كانت الحاجة فاطمة بتتباهى بيه بقى محاصر بالديون. دخلنا، ولقينا الحاجة فاطمة قاعدة على الأرض في الصالة، نادية وهدى اختفوا فعلاً، ومفيش غير أوراق مبعثرة ووجوه غريبة بتفتش في كل ركن.
أول ما شافت كريم، الحاجة فاطمة قامت بصعوبة ووقعت عند رجله: “سامحني يا ابني.. أنا اللي بعت ضميري عشان بنات خيبوا ظني، باعوني في أول مشكلة”.
كريم رفعها بهدوء، وبص للمحضرين وقال: “أنا كريم، ابن صاحبة البيت، ومستعد أضمن سداد جزء من الالتزامات فوراً مقابل مهلة قانونية لترتيب الأوراق.. لكن ليَّ طلب واحد: البيت ده مش هيتنفذ عليه حجز قبل ما أطلع ملفات التزوير اللي بناتي عملوها ضد أمي”.
المحضرين بصوا لبعض، وبدأوا يهتموا بكلام كريم لما شافوا الأوراق اللي معاه. بدأت رحلة طويلة من الإجراءات، كريم قضى أيام وليالي في المحاكم والبنك، كان بيحارب عشان يثبت براءة أمه من التوقيعات المزورة اللي نادية وهدى عملوها، وعشان يحمي البيت اللي أبوه تعب فيه.
في وسط الزحمة دي، كنت أنا اللي شايلة البيت، كنت بخدم الحاجة فاطمة اللي بدأت تدوق طعم اللي عملته فيا سنين. بدأت تتغير، وبدأت تدرك إن “الولد” اللي كانت بتقلل منه، هو الوحيد اللي فضل جنبها لما الكل باعها.
بعد شهر من الضغط والتوتر، كريم قدر يوصل لتسوية مع البنك، ونادية وهدى اتقبض عليهم وهما بيحاولوا يهربوا بفلوس باعوا فيها ذهب أمهم وأوراق البيت.
في يوم، كريم دخل البيت وهو ماسك عقود البيت الأصلية، قعد جنب أمه وقالها: “يا أمي، البيت ده رجع لملكيته الأصلية باسمك وباسم ولادي من بعدك، بس بشرط.. مفيش تفضيل تاني، مفيش “بنت أحسن من ولد”، البيت ده هيكون بيت لكل اللي فيه، بجد مش بالقول”.
الحاجة فاطمة بصت لي وبصت لكريم، ودموعها نزلت لأول مرة بصدق: “حقك عليا يا سماح.. كنت عميانة، والحمد لله إن ربنا رزقني بابن زيك، ومرضية زيك”.
كريم بص لي وابتسم، وحسيت إن أخيراً، العاصفة هديت، والبيت اللي كان مليان بالغل، بدأ يرجع يملأه دفء حقيقي.. دفء العيلة اللي اتعلمت الدرس من نار التجربة.بعد العاصفة اللي هزت جدران البيت، استقرت الأمور أخيراً. “حكايات صافي هاني” مش مجرد قصص بنحكيها، دي دروس بنتعلمها من واقعنا.
الحاجة فاطمة اتغيرت تماماً، مبقتش تفرق بين ولد وبنت، بالعكس، بقت تشوف في ولادنا “سماح” و”كريم” السند الحقيقي اللي رد لها كرامتها بعد ما الكل اتخلى عنها. نادية وهدى نالوا جزاءهم القانوني، وفهموا متأخر إن الطمع مبيخلقش غير الخراب.
كريم بقا هو كبير البيت، وأنا بقيت شريكة حياته اللي ساندته في أصعب لحظات عمره. البيت اللي كان يوم من الأيام ساحة للغل والغيرة، بقى دلوقتي بيت العيلة اللي بيجمعنا على الحب والرضا، ودروس الماضي بقت عبرة لينا ولأولادنا.
خلاص، انتهت الحكاية دي، بس لسه فيه حكايات تانية كتير في دنيتنا، كل حكاية فيها درس، وكل درس بيبني بكرة أحسن.
دمتم في رعاية الله، وفي انتظار حكاية جديدة من حكايات صافي هاني.

