ج1 بنت رقيقة

في إحدى شركات الاستثمار، وتحديدًا شركة تسمى “النمر الأسود للإستيراد والتصدير”، كانت هناك بنت رقيقة واقفة عند الباب، لابسة فستان أبيض وعليه زهور وردي، خمارها وردي وشنطتها الصغيرة البيضاء ماسكاها بإيدها وبتضغط عليها شوية من التوتر. لفتت وشها يمين وشمال وعيونها بتدور على أي إشارة تدلها تروح فين، لحد ما وقعت عينيها على مكتب الاستقبال. قربت، والسكرتيرة بصتلها من فوق نضارتها وقالت بابتسامة بشوشة:

  • أهلاً وسهلاً، أقدر أساعدك بحاجة؟

بلعت البنت ريقها وبصوت هادي قالت:

  • أنا جاية بخصوص الإعلان اللي نزل عن وظيفة الترجمة، اسمي فرح رشدي.

قبل ما السكرتيرة ترد، خرجت من أوضة قريبة واحدة باين عليها الإرهاق وشعرها مربوط، أول ما شافت فرح وشها نور:

  • يا فرج الله! أخيراً مترجمة جديدة؟ إزيك، أنا سالي المترجمة السابقة.

  • أهلاً وسهلاً.

  • بس أنتِ شكلك عسول خالص، مش هتستحملي النمر الأسود اللي قاعد جوه ده!

  • مش فاهمة؟

  • أوقصد مستر نوح مدير الشركة، أصله خلقه صعب أوي وغضبه وحش، وكمان بما إنك هتشتغلي مترجمة فأنتِ هتتعاملي معاه بشكل مباشر وتقريباً هتشوفيه كل شوية.

بدأت فرح تقلق، ولكن سالي اتكلمت بسرعة:

  • بس هو مكانش كده والله، لكن بعد الحادثة اللي حصلتله من سنة وهو بقى عصبي بالشكل ده، خصوصاً إنه مبقاش يشوف…

في اللحظة دي السكرتيرة قاطعتها بسرعة ووجهت كلامها لفرح:

  • سيبك منها هي بتبالغ شوية، دلوقتي ادخلي لمستر نوح مكتبه عشان يعملك إنترفيو.

  • طيب مش هتدخلي تعرفيه؟

  • لا أصل الصراحة هو لسه مهزقني من شوية، ولو دخلتله تاني ممكن يموتني فيها! ادخلي أنتِ لوحدك.

ابتلعت فرح توترها ومشيت ناحية الباب الكبير. دخلت ووراها سالي بتودعها بعينيها وبتقول بحزن: “الله يرحمك يا بنتي، كنتِ طيبة والله”.

في المكتب اللي كان واسع كله أسود بس مش كئيب، أنيق جداً وشكله غالي ومرتب وكأنه متفصل على ذوق صاحبه، فرح بتبص حواليها بتتأمل المكان بإعجاب، عمرها ما شافت مكتب بالحجم ده كأنه جناح مش مكتب. لفت نظرها باب على اليمين، ثواني والباب اتفتح وخرج منه شاب طويل، صدره عاري وحوالين وسطه فوطة بيضا وفوطة تانية صغيرة بينشف بيها شعره اللي كان مبلول ونازل على جبينه. مشى خطوتين وبعدين وقف فجأة وقال بنبرة جامدة:

  • مين هنا؟!

اتجمدت فرح في مكانها. كان قريب منها بس مش باصص ناحيتها، باصص كأنه شايف الفراغ وعيونه مش مستقرة عليها. ساعتها قلبها دق أسرع وشكها اتغير… هو مش شايفني!

كرر نوح سؤاله بنبرة ظهر فيها الغضب وما زالت عينه باصة للفراغ:

  • مين؟!

لمعت فكرة في دماغ فرح، خدت خطوة لورى وقررت تخرج، لكن فجأة وهي بتحاول تفتح الباب بحذر لقت إيدين مسكت الباب من فوقها وحاوطتها. كان واقف وراها قريب جداً، عيونه مضيقة ونَفَسه عالٍ وشعره لسه مبلول ووشه فيه غضب غامض. قلبها وقع حرفياً.

  • مين؟!

  • أنا… أنا فرح المترجمة الجديدة.

  • وإزاي تدخلي من غير استئذان؟! وفين السكرتيرة؟!

  • هي اللي قالتلي أدخل عشان تعملي الإنترفيو، ولو سمحت ابعد ميصحش كده!

حاولت تبعده بخجل، هو ساب الباب وخطا خطوتين لورا وقال بحدة:

  • اقعدي واستنيني هنا.

دخل أوضة تانية في المكتب وسابها قاعدة على الكرسي، قلبها لسه بيدق ومش قادرة تهضم اللي حصل. بعد دقايق خرج لابس قميص كحلي وبنطلون أسود، شعره متسرح لورا وريحة البيرفيوم بتاعه ملأت المكان. قعد ورا مكتبه وخد الـ CV من على الطاولة. فرح كانت بتراقبه بعيونها هيقراه إزاي، هو ببساطة حط الـ CV تحت لوح إلكتروني وركب سماعات في ودنه والجهاز بدأ يقرأ المكتوب. ابتسمت فرح بخفة بعد ما فهمت.

  • معاكي 4 لغات: إنجليزي، ألماني، فرنسي، وكوري؟

  • أيوه، من وأنا في الكلية بحب اللغات وكنت بشتغل على نفسي طول الوقت.

  • أنتِ مقبولة في الشغل.

فرحتها ظهرت بس كتمتها بسرعة.

  • مكتبك هيكون جوه هنا زي المترجمة اللي قبلك بس فيه فاصل إزاز. أنا بحتاج مترجمة معايا عشان الاجتماعات والإيميلات، بفهم إنجليزي وألماني كويس بس الفرنسي ضعيف ومعظم العملاء للأسف فرنسيين.

بص ناحيتها للمرة الأولى، عيونه مش في عيونها ولكن ميمنعش إنها اتوترت من نظراته. اتكلم بنبرة صوته بقت هادية أكتر:

  • تقدري تبدأي من بكرة وتقدري تمشي دلوقتي.

قامت وبصت له قبل ما تخرج ولسه جوه قلبها ألف سؤال، بس اللي متأكدة منه إن اليوم ده مش عادي.

تاني يوم في الشركة، الساعة لسه 8 الصبح، الجو هادي والشمس خفيفة بتتزحلق على الزجاج اللامع بتاع الشركة. فرح دخلت من البوابة بخطوات واثقة، لابسة دريس نبيتي هادي بيلمع لمعة خفيفة تحت الضوء وخمار أبيض ملفوف برقة حوالين وشها، وشايلة شنطة اللابتوب على كتفها، بس المرة دي كان في حاجة مختلفة في عينيها… ارتياح بسيط كأنها خلاص خدت خطوة صغيرة في مكان جديد.

طلعت على الدور اللي فيه مكتب نوح، وقبل ما تخبط بصت للسكرتيرة بابتسامة:

  • صباح الخير.

السكرتيرة ردت بهزة رأس خفيفة وعينيها بتلمح تفاصيل شكل فرح وكأنها لأول مرة تلاحظ إنها مختلفة. فرح خبطت خبطتين وبصوت رقيق قالت:

  • أدخل؟

من جوه سمعته بيقول:

  • ادخل.

دخلت لقت نوح قاعد على مكتبه، لابس قميص أبيض مكوي بدقة وجاكتة البدلة مرمية على ضهر الكرسي ورا ضهره. رفعت عينيها وقالت بحماس بسيط:

  • السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

هو كان بيبص في اللابتوب وفي ودنه سماعات موصلة بتطبيق للمكفوفين بيقرا اللي في شاشة اللابتوب، وقف لحظة زي ما الجملة خبطت في ودنه بشكل مش متوقع، رفع وشه ليها وقال:

  • وعليكم السلام.

نبرته كان فيها استغراب خفيف زي اللي مش متعود يسمع السلام ده هنا، كمل بعدها بجمود مهني:

  • هبعتلك إيميل دلوقتي ترجميه وابعتيله الرد بصيغة محترفة.

  • تمام.

راحت لمكتبها اللي في نفس الغرفة بس مفصول بزجاج شفاف. قعدت وفتحت شنطتها، طلعت برواز صغير فيه صورتها وهي بتضحك جنب وردة توليب، وجنب البرواز مجسم لطيف على شكل نفس الوردة التوليب اللي بتحبها من زمان، وأخيراً مصباح صغير إضاءته دافية صفرا فتحته وسبته ينور جنب اللابتوب. في ثواني المكتب اللي كان كئيب وناشف اتحول لركن دافي فيه حياة وفيه روح.

نوح كان قاعد بيبص في الشاشة بس ودنه كانت سامعة كل حاجة؛ صوت البرواز وهو بيتحط، صوت زرار المصباح، وصوت خفيف للمجسم لما لمس المكتب. سحب حاجبه باستغراب وهمس لنفسه: “هي بتعمل إيه؟!”.

بعد ساعة داخل مكتب نوح، كان لسه قاعد على مكتبه مركز في شغله وبيشرب قهوته السادة، سمع صوت خبط خفيف على الإزاز، فرح كانت واقفة ورا الباب الداخلي.

  • ادخلي.

دخلت ماسكة ورقة الإيميل اللي ترجمته وحطتها قصاده على المكتب بابتسامة فخورة:

  • خلصت الترجمة.

خد الورقة وكان هيفتحها، بس مدهالها وقال فجأة:

  • اقريه بصوتك.

فرح اتفاجئت شوية بس قالت بثقة:

  • حاضر.

بصت في الورقة وبدأت تقرأ بصوت واضح: “السادة شركة النمر الأسود، بعد التحية، إحنا مبسوطين إن في تعاون ما بينا أخيراً، ولو الصفقة دي تمت على خير هنبقى نحلي بقكم بحاجة حلوة كده! لأن إحنا شايفين إنكم شطار وجادعين ومكسب بصراحة. بالنسبة للتفاصيل المالية مرفق عرض الأسعار هنبقى نناقشه في اجتماع، ومستنيين ردكم علشان نبدأ نشتغل رسمي. خالص تحياتنا، شركة بومبون فرانس باريس”.

سكتت وهي رافعة عينيها فخورة بإنها خلت الإيميل عربي مصري صميم. نوح كان باصص لها مبهوت:

  • إيه ده؟!

قالها بنبرة بين الصدمة والضحك.

مش طالع!
فرح بصت له ببساطة:
الإيميل! الشركة الفرنسية هتقول هنحلي بقكم؟! هي دي الترجمة المحترفة اللي طلبتها منك؟!
فرح ضحكت بخفة وقالت ببراءة:
بص… أنا شغلي مش حرفي في الكلمات، بس مهمتي إن المعنى يوصل! يعني أنت عايزهم يقولوا كلام معقد ورسمي مش هنفهم منه حاجة؟! أنا قلت أخلي الكلام يدخل القلب على طول!
نوح لف الكرسي وحط إيده على وشه وقال بخنقة ضحك:
يعني الشركة الفرنسية تشتغل بومبون وإحنا نرد عليهم بعسلية؟!
فرح ابتسمت:
هي دي الدبلوماسية بس بالروح المصرية.
سكت المرة دي، وفي عينه حاجة جديدة مكنتش عن الشغل، كانت بداية شعور مجهول وغريب اتولد جواه وحرك حاجة كان فاكر إنها مبقتش موجودة جواه من وقت الحادثة.
عدى شوية وقت والدنيا سكتت. فرح رجعت مكتبها وهو رجع للابتوب، لكن ودنه بدأت تلتقط صوت خفيف. كان صوتها… كانت بتصلي. في الأول افتكرها بتتكلم في التليفون، بس الصوت كان ثابت وهادي وهمسات متتابعة: “الله أكبر”. الجملة دي بالتحديد خبطت فيه، مش لأنه بيسمعها لأول مرة، لا… لأنه حاسس إنه عمره ما سمعها كده. وقف مكانه مش قادر يركز، الصوت لامس حاجة جوه قلبه متخزنة من زمان بس متغطية بطبقات كتير؛ حياة سريعة وشغل وناس، محدش علمه يعني إيه الله أكبر، مسلم على الورق بس عمره ما عرف يعني إيه يكون مسلم بجد. بس دلوقتي، صوت فرح وهي بتهمس بالدعاء وهدوءها وسكينة الموقف، كل ده كان كأن حد بيقوله من جوه: “فوق”. فضل واقف يسمع مش قادر يكمل شغله ولا فاهم هو بيحس بإيه بالظبط، بس الأكيد إن اللحظة دي كانت بداية حاجة.
بعد أسابيع من بداية الشغل، الأيام بتعدي وفرح بقت جزء من المكتب ومن المكان ومن روتين نوح نفسه، بس الأهم إنها بقت جزء من يومه من غير ما هو يحس. كان دايماً فاكر إن بعد الحادثة اللي حصلت من سنة وفقد فيها بصره عمره ما هيحس بحاجة تاني، لكن وجود فرح بهدوئها، بضحكتها الخفيفة، بصوتها وهي بتقرأ الإيميلات، بصبرها، بأسئلتها العفوية… كل ده كان بيحيي فيه حاجات كان حاسس إنها ماتت.
في يوم، كانوا قاعدين سوا في ركن الاجتماعات الصغير اللي جوه مكتب نوح. اجتماع مع عميل فرنسي خلص أخيراً، وفرح كانت قاعدة بتلم الورق وبطنها بتزق عليها شوية، فقالت فجأة:

أنا جعانة جداً.
نوح ضحك بخفة:
أنا تقريباً نسيت يعني إيه جوع!
طيب تيجي ناكل؟
حول عينه ناحيتها مستغرب إنه يوافق، بس قال:

ماشي.
هو أصلاً شبه مش بياكل، عايش على القهوة ولو أكل تبقى وجبة واحدة من بره، بس وجود فرح فتح نفسه لحاجات كان قافلها زمان.
فرح وهي بتفتح موبايلها قالت بحماس:

إيه رأيك ناكل أكل بيتي؟
رفع حاجبه:
أكل بيتي؟! ده أنا ناسي طعمه من أيام ما كنت طفل!
طب ما تيجي نفتكره، فيه ستات ربات بيوت بيعملوا أكل في بيوتهم وبيبيعوه عبر الإنترنت.
ميل راسه بهزار:
عن جد؟!
اتكلمت بمرح مماثل:
عن جد جداً! سيبها عليا.
وبعد شوية، رنة على الباب… عامل التوصيل وصل. فرح فتحت وشالت شنطة الأكل الكبيرة اللي كانت مليانة ريحة تخبط في القلب قبل الأنف. شدت ترابيزة قدامه وبدأت تفتح علب الأكل واحدة واحدة والريحة بتنتشر في المكان.
نوح أخد نفس طويل وقال:

اممم… شميت ريحة محشي ورق عنب!
فرح ضحكت:
جرب كمان، فيه ملوخية وبط متحمر ولمون معصفر.
فرح بصت له بدهشة:
متأكد إنك مش بتشوف؟!
ابتسم بهدوء وقال:
أنا من ساعة الحادثة بقيت أعتمد على سمعي وشمي بدرجة مش طبيعية، كل حاجة بقيت أعرفها من صوتها أو ريحتها.
سكتت لحظة وبعدين قامت تاخد طبقها:

طيب أنا هدخل آكل في مكتبي، سيبك على راحتك.
دخلت فرح مكتبها وسابت الباب مفتوح نص فتحة، ومن وقت للتاني كانت تبص عليه تشوفه وهو بياكل بشهية غريبة كأن الطفل اللي جواه صحي فجأة. إيديه كانت بتتحرك بدقة، بيمسك العلبة يلمس الأكل يعرف إيه فين، وبيستخدم المعلقة وكأنه شايف. مكانش محتاج مساعدة، مكانش حتى متوتر. هي اتفاجئت من مهارته ومن إزاي قدر يتأقلم مع وضع صعب زيه، بس أكتر حاجة فاجأتها إنه لأول مرة بياكل بنهم وبهدوء وكأنه بيستمتع بجد. سابت نظرها عليه شوية وبعدين بصت في طبقها وضحكت بينها وبين نفسها وقالت همساً: “مين كان يصدق إن النمر الأسود يحب البط المتحمر!”.
المكتب كان ساكن والهدوء حوالين فرح كان بيخلي صوت تقليب الورق مسموع كأنه صدى. نوح قاعد في الجنب التاني مركز في شغله، هادي كعادته. رغم إن وجوده دايماً مريح… بس في حتة غريبة كده عمرها ما فهمتها فيه.
فرح وقفت، كانت بتدور على ملف قديم في الرف اللي وراها. وبينما إيدها بتتحرك ناحية الرف، فجأة كتاب ضخم اتزحلق من فوق وكان هيقع على راسها من غير أي مقدمات. صرخة صغيرة طلعت منها، ولكن قبل ما تحاول تبعد، إيد نوح سبقتها واللي كانت ممدودة… مسك الكتاب قبل ما يوصل لها بلحظة!
الوقت وقف… فرح فضلت واقفة متجمدة مش مصدقة اللي حصل. بصت له وعينيها مليانة دهشة، إزاي اتحرك بسرعة كده؟!….يتبع للجزء الثاني

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *