وهناك قابلت الست الهانم دي بالصدفة وهي كانت محتاجة حد أمين يراعي بنتها التعبانة ويدير حساباتها.. ولما شافت أصلي وشغلي القديم وشهاداتي اللي أنت كنت ومقعدني في البيت خادمة تحت رجليك، عوضتني عن كل يوم ذل وإهانة شفتهم معاك”.سكتت ثانية، وقربت مني خطوة وعينيها بتبص في عيني مباشرة بقوة: “أنت كنت فاكر نفسك إله بترزق وتمنع، ونسيت إن العز والذل بإيد ربنا مش بإيد واحد ناقص زيك.. اللي أنت شايفه ده مش سحر، ده كرم ربنا لما بينجد المظلوم من تحت رجلين الظالم”. وقبل ما أرد أو أنطق بحرف، شاورت بإيدها لأمن الكمبوند اللي كان مقرب من بعيد، ولفت ضهرها ومشيت وسابتني واقف مكاني زي الصنم، مصدوم ومكسور، وسامع صوت كلماتها بتتردد في وداني وبتدبح اللي فاضل من كبريائي.رجعت البيت وأنا مش شايف قدامي.. الدم كان بيغلي في نافوخي كأنه زيت ، وعيني زغللت من كتر القهر. كل خطوة كنت بطلعها على السلم كانت بتفكرني بنظرة شيرين وبكلامها اللي نزل على كرامتي قطعها حتت. دخلت ورزعت الباب ورايا بكل غيظي، كنت كاره الحيطان، كاره العفش المدهب، وكاره نفسي قبل أي حاجة.. حسيت بمرارة ، وإن كل لعبة رخيصة خططت ليها انقلبت فوق دماغي، والست اللي كنت دايس عليها بجزمتي في السما وبقيت أنا اللي مرمي في قاع الأرض. في اللحظة دي، خرجت مراتي الجديدة من ، لابسة ومتمكيجة، وبتمشي بدلعها المايص اللي بقى يقلب ، قربت مني وحطت إيدها على كتفي وهي بتتمايل وبتقول بصوت ناعم ومستفز: “اتأخرت ليه يا بيبي؟ وحشتني.. سايبني طول النهار لوحدي ومبتسألش، وجيبتلي معاك إيه وأنت راجع؟”.الكلمة مع الحركة دي فجرت بركان الغل اللي كان محبوس جوايا..زقيت إيدها خلى جسمها يترج، ومن غير أي ولا تفكير، رفعت إيدي ونزلت على وشها بقلم طرقع في الصالة كلها. البنت صرخت ووقعت على الأرض وهي ماسكة خدها ومبرقة بعينيها من الصدمة والرعب، وبدأت تعيط وتقول بصوت بيترعش: “أنت يا أحمد؟ ! ليه أنا عملتلك إيه؟!”.نزلت لمستواها ومسكتها من شعرها بكل قسوتي، وطلعت فيها كل شيرين، كل عجزي، وكل الهوان اللي شربته في الشارع، وزعقت في وشها بصوت مفزوع ومبحوح: “أنتي ولا حاجة! فاهمة يعني إيه ولا حاجة؟! أنتي كنتي مجرد كارت رخيص بلعب بيه ورميته خلاص! لا حبيتك ولا عمري هحبك، وكل دلعك وقرفك ده ميسواش عندي مليم! “.قومت وقفت وسبت شعرها، وبصيتلها باحتقار واشمئزاز ونطقت الكلمة اللي كانت بتغلي في زوري: “أنتي بالتلاتة.. تلمي هدومك دي وقرفك وتغوري في ستين داهية من هنا قبل ما أعمل فيكي !”.سيبتها مرمية على الأرض بتصرخ وتولول من ، ودخلت البلكونة أتنفس بالعافية، بس حتى الهوا كان .. أدركت في اللحظة دي إني كل حاجة؛ طلقت مراتي التانية، والبيت بقى ضلمة وباردة، وشيرين بقت في مكان عمري ما هعرف أطوله ولا حتى ألمس ترابه.مرت الأيام بعد الليلة دي، و اللي كانت مليانة حس وزينة اتحولت موحش ومضلم.قعدت وسط الصالة الفاضية، الستايل المدهب والعفش الفخم اللي كنت بتباهى بيهم بقوا زي الخوازيق اللي بتفكرني بخيبتي. حتى شغلي أهملته، بدأت تنزل فوق دماغي ورا بعض، والفلوس اللي كنت فاكر إنها مش هتخلص بدأت تتسحب من إيدي زي الرملة الناعمة.وفي يوم، سمعت خبط على الباب.. قلبي دق للحظة بغباء، قولت يمكن شيرين حست بيا أو جاية تشمت فيا بنفسها، فتحت الباب بلهفة، لقيت محضر ومعاه إنذارات وإعلانات قضايا. شيرين مسبتش مليم من حقوقها.. رفعت قضايا بالمؤخر كله، ونفقة المتعة والعدة، وقائمة المنقولات بكل تفصيلة فيها، وتعويض محترم عن كل ضرر سببتهولها، وكل مليم استخسرته فيها زمان، القانون نزل يجرده مني بالحرف الواحد.اضطررت أبيع عربيتي عشان أسدد المبالغ اللي انحكم بيها عليها، والشركة اللي كنت شريك فيها نصيبي فيها بعد ما سمعتي بقت في الأرض ومراتي التانية رفعت هي كمان قضايا نفقة ومؤخر عشان تنهش اللي باقي مني.في يوم، كنت واقف في ممر المحكمة بعد جلسة تسوية، متبهدل، بهدومي البسيطة اللي انطفت، وشيرين خارجة من قاعة المحكمة زي الملكة. . رافعة راسها، لابسة أشيك حاجة، ومحامي كبير ماشي جنبها بيناولها أوراق مستحقاتها اللي اتدفعت بالكامل.حاولت أمد إيدي وأقرب منها وأنا بهمس بصوت واطي ومكسور: “شيرين.. سامحيني، أنا خربت بيتي بإيدي وضيعت كل حاجة.. جردتيني من كل اللي حيلتي.. متقسيش عليا كده”.وقفت شيرين وبصتلي في عيني بثبات مفيش فيه حتى ذرة غضب ولا حقد، وقالت بصوت هادي القاعة كلها سمعته: “الرحمة دي كانت في إيدك يوم ما جيتلك بترجاك على شريط مسكن وقفلت بابك في وشي ورميتلي منديل ورق. . أنا مباخدش منك انتقام، أنا باخد حقي وحق اللي استكترته عليا بالقانون بس، وباقي حسابك عند اللي مبيغفلش”.لفت ضهرها ومشيت بخطوات واثقة ونزلت لعربيتها الفخمة، وسابتني واقف في الممر.. مفلس، مكسور، ووحيد.. بعد ما كنت فاكر إني أملك الدنيا بالفلوس والمنظرة، بقيت قاعد في الفاضية على البلاط، بتمنى لو يرجع بيا الزمن وأبوس تراب رجليها قبل ما أضيعها بغبائي و. مرت سنتين كاملين، والحياة دارت دورتها وجابت عاليها واطيها..شيرين مخدتش فلوس القضايا وتصرفها على المظاهر، لأ.. الست الهانم اللي احتضنتها، وقفت جنبها بجد وفتحتلها الأبواب اللي كانت مقفولة في وشها، وبخبرة شيرين القديمة اللي أنا كنت دافنها ومضيعها في خدمة البيت والتحكم، شاركت الهانم في مشروع تصميم وأزياء راقي كان حلمها من سنين. المشروع كبر وبقى علامة تجارية معروفة ليها فروع في أرقى المولات، وشيرين اتحولت لسيدة أعمال ليها وزنها واسمها في السوق، صورتها بقت تنزل في مجلات الموضة، والناس بتتهافت عشان تشتغل معاها أو تاخد موعد في شركتها. بقت هانم بجد، هانم بأصلها، ونجاحها، وتعبها اللي ربنا كافأها عليه بعد سنين الصبر والذل.وفي يوم، كنت ماشي في الشارع متبهدل ورايح أدور على شغل بسيط في محل بعد ما خسرت شركتي ورأسمالي كله، وفضلت عايش في شقة إيجار على قدي بعد ما بعت شقتي الفارهة عشان أسدد ديوني ونفقاتي. فجأة، لمحت افتتاح فرع جديد لبراند أزياء كبير، زحمة، وصحفيين، وكاميرات بتصور، وناس من علية القوم واقفين يباركوا. وقفت وسط الناس اللي بتتفرج من بعيد زي أي غريب في الشارع، وفجأة شوفت شيرين..كانت نازلة من عربيتها، بكامل أناقتها وهيبتها، فستان بسيط وراقي جداً، ومبتسمة ابتسامة نجاح وهدوء مفيهاش أي تصنع. أول ما دخلت، الناس صفقت بحرارة والكل كان بيقرب يسلم عليها باحترام ويقولها: “مبروك يا شيرين هانم، مشروعك بقى حديث البلد كلها”. بصيت على نفسي في إزاز المحل اللي جنبي، لقيت وشي دبلان وهدومي مبهدلة ونفسي مكسورة.. وافتكرت اليوم اللي وقفت فيه في البلكونة أستعرض عليها بمراتي والدهب والضحك، واليوم اللي رميتلها فيه منديل ورق في وشها وقولتلها إنتي شحاتة..عرفت في اللحظة دي إن العز مش بالفلوس اللي بتتسرق والمنظرة الكدابة، العز الحقيقي لما ربنا يرفع المظلوم وينزلك أنت للتراب عشان تشوفه وهو في قمة مجده وأنت مش طايل حتى تلقي عليه السلام.