رحمه على بابي للكاتبة نرمين عادل همام
وراء كل باب حكاية

رحمه على بابي بقلم الكاتبة نرمين عادل همام
وفي صباح يوم وسعاد قاعدة بتلاعبهم الباب خبط خبطة خفيفة.. فتحت لقت نعمة واقفة قدامها! بس شكلها كان يصعب على الكافر وشها أصفر زي الليمونة وجسمها خاسس للنص وعينها غرقانة دموع.
نعمة دخلت الأوضة بصت للعيال بنظرة فيها وجع الدنيا كله وقالت بصوت مكسور
سامحيني يا أبلة سعاد.. أنا جيت عشان أقولك الحقيقة قبل ما أقابل وجه كريم.
نعمة دخلت الأوضة وسندت ضهرها على الحيطة وكأنها مش قادرة تقف بصت للتوأم اللي نايمين في هدوء على الكنبه وبكت بحرقة وقالت بصوت ملوش ملامح من كتر التعب
أنا اللي عملت كدة يا أبلة سعاد.. أنا اللي
حطيتهم قدام بابك
سعاد اتصدمت ورجعت خطوة لورا وبصت لها بذهول
إنتي يا نعمة طب ليه وليه كنتي بتمثلي عليا إنك غلبانة وجاية تدوري على شغل وليه الرسالة اللي كانت في الكرتونة بتقول إنك كنتي عاوزة بقلمي نرمين عادل همام
نعمة مسحت دموعها وقالت
أنا فعلا غلبانة يا ست الكل وأكتر مما تتخيلي. العيال دول ولادي.. ولادي من ال ضحك عليا بكلمتين وخلع اتجوزني شهر وطلقنى وماعرفش سكته وسابني لوحدي في الدنيا لا حيلة ولا مال. لما ولدتهم الدنيا اسودت في عيني مكنتش لاقية أكل ليهم ولا ليا وكنت بشوفهم بيموتوا قدامي من الجوع كل يوم.
كملت نعمة وهي بتشهق
فكرت فعلا أرتاح من نظرات الناس ومن ذل الجوع.. بس في يوم شفتك وإنتي داخلة العمارة جديدة سألت عليكي وعرفت إنك ست طيبة وعايشة لوحدك. قولت هي دي اللي هتحن عليهم. مثلت إني عاوزة شغل عشان أدخل بيتك وأشوفك من جوه وأتطمن إن قلبي هيرتاح لو سبتهم عندك. وأول ما اتأكدت إنك ست بركة استنيت الفجر وحطيتهم وهربت.
سعاد سألتها بلهفة
طب والشهور اللي فاتت دي كنتي فين وليه شكلك بقى عامل كدة
نعمة وقعت على الأرض من التعب وقالت
كنت بشتغل في البيوت ليل نهار عشان أجمع قرشين أقدر بيهم أقف على رجلي وأرجع أطمن عليهم من بعيد.
. بس التعب هدني والمرض أكل جسمي ومبقتش قادرة. أنا جيت أقولك إنهم ولادي وجيت أقولك إني وهبتهم ليكي.. ربيهم يا سعاد ربيهم وأنا مسامحة في حقي كأمسعاد جرت عليها وسندتها وهي بتبكي
يا عبيطة.. كنتي قولي لي! كنت شلتك إنتي وهما في عيني. إنتي عارفة أنا بقالي كام سنة بدعي ربنا يرزقني بضنا 40 سنة يا نعمة! ربنا بعت لي ولادك عشان يبرد ناري وبعتك ليا عشان تكوني أختي الصغيرة او بنتي .
نعمة بصت لها بضعف وقالت
أنا مش عاوزة غير إني أشوفهم بيكبروا قدام عيني.. مش عاوزة لقب أم كفاية عليا أكون الخدامة اللي بتراعي ولادك.
سعاد حضنتها بقوة وقالت
مفيش خدامين هنا إحنا من النهاردة عيلة واحدة والسر ده هيدفن بينا.. العيال دول ولادي بالروح وولادك بالدم والبيت ده يساعنا كلنا.
نعمة كانت واقعة على ركبها بتترعش ومنهارة من العياط وسعاد مذهولة والاوضة كأنها بتلف بيها.
نعمة كانت بتحكي وصوتها بيتقطع من القهر
كل الحارة كانت بتكرهني يا أبلة سعاد.. قالوا عليا حرامية وقالوا صايعة ومحدش فكر يسألني إيه اللي وصلك لكده لحد ما إنتي جيتي.. كنتي أول حد يحسسني إني بني آدمة مش زبالة في الشارع. ساعتها رسمت الخطة.
سعاد مسحت دموعها وسألتها بحنان خطة إيه يا ضنايا
قررت
أسيب العيال عندك.. راقبتك كذا يوم شفت طيبة قلبك وعرفت إنك الست اللي هتحميهم. كل يوم كنت بسأل نفسي هما عايشين رمتهم ولا خلتهم عندها مكنتش بدوق طعم النوم.
سعاد سألتها وليه مارجعتيش من بدري يا نعمة
كنت عاوزة والله بس صاحبه الشغل اللي كنت فيه اتهمتني إني كسرت حاجة غالية وحلفت تخليني أشتغل 6 شهور من غير مليم عشان يصلحها وإلا هيبلغ البوليس. اشتغلت شهور وأول ما خلصت جيت جري أشوف ولادي حصلهم إيه.
سعاد خدتها في حضنها وطمنتها خلاص يا بنتي العيال زي الفل وصحتهم ترد الروح. نعمة بصت لها بذهول يعني إنتي مش زعلانه مني
زعلانة إيه بس أنا قلبي بيتقطع عليكي يا نعمة.
سعاد سألتها إنتي عندك كام سنة يا بنتي وأهلك فين
أبويا وأمي ماتوا من سنين في حادثة. سعاد شهقت يا ساتر يا رب!
كانوا ناس مبسوطين أوي عندهم بيوت وفلوس.. بس لما ماتوا أنا اتدمرت. كان عندي 12 سنة دخلت في غيبوبة شهور ولما فقت لقيت كل حاجة راحت. أعمامي وأهل أبويا نهبوا كل حاجة الحسابات والبيوت والعربيات ورموني لجدتي في البلد ولما هي كمان ماتت من سنتين طردوني وقالوا لي إنتي كبرتي وشوفي حالك.
دموع سعاد مابطلتش يعني إنتي في الشارع من يومها
أيوه.. ومكنش
ليا حد. ولما حصل اللي حصل الدنيا ضلمت أكتر. مكنتش عارفة ربنا سايبني عايشة ليه.
سعاد حضنتها بقوة وقالت سايبك عايشة عشان قصتك لسه مخلصتش يا نعمة.. وعشان ربنا جابك ليا لسبب. من النهاردة إنتي بنتي وهترجعي مدرستك وتكملي تعليمك. نعمة برقت عينيها مدرسة أنا مش معايا أصلا تمن لقمة!
أنا اللي هدفع كل حاجة.. كل حاجة.
سعاد سألتها نفسك تطلعي إيه يا نعمة
كان حلمي أطلع دكتورة.. كنت دايما الأولى في مدرستي. سعاد ابتسمت وحلمك هيرجع تاني يا دكتورة نعمة.. أوعدك.
من يومها سعاد اعتبرت نعمة بنتها بس الجيران مورهومش يوم حلو. البت دي حرامية! إحنا مش هنسكن في بيت واحد مع واحدة زي دي! ارميها بره وإلا هنبلغ عنك! سعاد كانت بتدافع عنها زي الأسد لحد ما صاحب البيت نفسه جيه وقالها يا ست سعاد السكان يهددون يسيبوا البيت بسبب البنت دي لازم تمشي.
هنا سعاد خدت القرار الصعب أنا هشتري بيت في منطقة تانية خالص محدش يعرف فيها قصة نعمة عشان نعيش في سلام. وفعلا بعد أسبوعين اشترت بيت تلات أوض في حتة هادية ونقلوا هما الأربعة سعاد ونعمة والتوأم. سعاد قدمت لنعمة في أحسن مدرسة وجابت لها مدرسين خصوصيين ولاب توب وكل اللي محتاجاه ومحدش كان يعرف إن نعمة خلفت ولا
يعرف ماضيها وبعدها قدمتلها منازل . طبعا لانها صغير في السن الشهور عدت والتوأم بدأوا يكبروا يمشوا ويضحكوا ويملوا البيت فرحة.. وحاجة أجمل من كده كمان حصلت.
العيال كبروا وبقوا ينادوا سعاد ماما وينادوا نعمة أبلة نعمة. نعمة كانت طول وقتها دافنة نفسها في الكتب والمذاكرة والتوأم مكنوش بيشوفوها غير الأخت الكبيرة الشاطرة اللي دايما مشغولة. بالنسبة ليهم سعاد هي اللي أكلت وشربت وحمت وغنت وطبطبت وقت العياط.. سعاد بقت هي الكون كله ليهم. ونعمة مكنش عندها أي مانع بالعكس كانت بتبوس إيد سعاد كل يوم وهي شايفة ولادها عايشين في عز وحب مكنتش تحلم بيه.
السنين جرت.. نعمة خلصت ثانوي ودخلت الجامعة وهنا حصلت المعجزة اللي مكنش حد يتخيلها نعمة جالها منحة كاملة عشان تدرس الطب في جامعه خاصة .
سافرت نعمة محافظة تانيه وهناك اشتغلت على نفسها كانت بتذاكر ليل نهار وعمرها
ما نسيت هي جاية منين ولا نسيت الست اللي أحيتها من العدم. ويوم التخرج وقفت نعمة على المسرح بالروب والقبعة وصوت المذيع المركز الأول مع مرتبة الشرف الأولى وأفضل طالبة طب لهذا العام.. دكتورة نعمة!
سعاد كانت قاعدة في وسط الجمهور دموعها نازلة زي المطر وقلبها كان هيوقف من الفرحة. همست بصوت واطي شكرا يا رب.. شكرا إنك حولت وجعنا لرفعة ومنصب.
بعد كام سنة نعمة أخدت الدكتوراه وبقت واحدة من أصغر وأهم الدكاترة. الناس لما كانوا يشوفوا سعاد ونعمة يحلفوا إنهم أم وبنتها بالدم ومحدش عرف السر ولا كان فيه لزوم حد يعرف.
في يوم نعمة دخلت على سعاد بابتسامة مكسوفة وقالت لها
ماما.. أنا عاوزاكي تقابلي حد. سعاد رفعت حاجبها بضحكة مين يا دكتورة
اسمه ابراهيم .. راجل طيب وبيحب ربنا وعاوز يتجوزني يا ماما. عين سعاد اتملت بدموع الفرح يا ألف نهار أبيض! ده أنا
مستنية اليوم ده من زمان.
طلع ابراهيم غنى كمان بس مكنش فيه لا كبر ولا غطرسة. كان إنسان حنين ومحترم وحب نعمة من كل قلبه. فرحهم كان حكاية الناس كلها حكت عنها ورد في كل حتة ومزيكا تملى السما وسعاد واقفة جنب نعمة بتبكي دموع الفرح الصافي.
سعاد قالتلها لازم تصارحيه ويعرف الحقيقه وال بيحب بيسامح وبيقدر
التوأم بقوا مراهقين ولسه بينادوا سعاد ماما ونعمة أبلة نعمة مع انهم عرفوا انها امهم لكن ماكنوش مقتنعين يمكن لما يكبروا يقدروا العيال سعداء وشبعانين حب وده اللي يهم الدنيا كلها.
بعد الجواز بكام سنة نعمة فاجئت سعاد بهديتين الأولى اشترت لها فيلا فيها جنينة مليانة ورد فل وياسمين الورد اللي سعاد بتعشقه. التانية بنت مستشفى حديثة وسمتها مستشفى سعاد.
نعمة مسكت إيد سعاد وقالت لها بامتنان
يا ماما.. إنتي اللي اديتيني
الحياة لما مكنش عندي حاجة. إنتي اللي شوفتيني والناس كلها كانت بتغمض عينيها عني. ده أقل حاجة أقدر أقدمها لك. سعاد مكنتش قادرة تبطل عياط يا بنتي مكنش له لزوم كفاية عليا أشوفك متهنية.
لأ يا أمي له لزوم.. لأنك علمتيني إن الحب مش بالدم الحب بالتضحية.
وعاشوا كلهم في تبات ونبات سعاد ونعمة وابراهيم والتوأم. الست اللي الناس عايروها بالخلفه سنين بقت أم لكل الناس. والبنت اللي سموها حرامية بقت دكتورة بتنقذ أرواح البشر. والعيال اللي كانوا هيترموا في الخرابات كبروا في حضن الحب.
توقيت ربنا دايما صح وخطته أجمل بكتير مما نتخيل. عمرك ما تحكم على حد بمظهره ولا بكلام الناس عليه. سعاد مسمعتش للجيران اللي قالوا على نعمة حرامية واختارت الرحمة.. والاختيار ده غير الدنيا كلها.
بقلمي نرمين عادل همام
ماتنساش تتابع صفحتي لو القصة عجبتك
رحمة الله وسعت كل شيء وبسببها وجدت رحمه على بابي
تمت
