ج 2 العزومة حكايات روماني مكرم

ج2

مرت الأيام الأخيرة من شهر رمضان بسرعة خاطفة، وحلّت أجواء الاستعداد لعيد الفطر المبارك. كانت الشوارع تتزين بأضواء العيد، وأصوات كعك العيد وروائح الخبيز تفوح من البيوت. ورغم الظاهر الهدئ الذي ساد العلاقات بيننا وبين بيت إسماعيل بعد جلسة الصلح في منزل الجدة، إلا أنني كنت أشعر في أعماقي أن ما حدث لم يكن سوى “هدنة مؤقتة”. فالنفوس القوية التي اعتادت فرض سيطرتها لا تستسلم بسهولة، وكانت نجوى تبحث عن فرصة لإعادة رسم الخريطة لصالحها.

جاءت ليلة العيد، وتجمعت العائلة كالعادة في شقة الجدة لتجهيز صواني الكعك والبيتفور، وتوزيع العيديات على الأطفال. كان هذا التجمع السنوي بمثابة طقس مقدس لا يتخلف عنه أحد. دخلت أنا وخالد وأولادنا محملين بالبهجة والألعاب للأطفال، ووجدنا إسماعيل ونجوى قد سباقانا إلى هناك.

كانت نجوى ترتدي ثوبًا جديدًا فاخرًا، وتتعامل بابتسامة متكلفة تحاول من خلالها إظهار أن كل شيء على ما يرام، وأنها تجاوزت الأزمة تمامًا. لكن نظراتها الثاقبة نحو أبنائي، والطريقة التي كانت تسحب بها ابنتها كلما اقتربت من ياسين، كانت تشي بغير ذلك. كانت تتعامل بحذر شديد، حذر أشبه بالبناء الجدار العازل بين الأطفال.

جلسنا جميعًا حول الطاولة الكبيرة في الصالة. بدأت الجدة في توزيع المهام لتقطيع العجين ورص الكعك. حاولت أن أكون مبادرة ولطيفة، فمددت يدي بالصينية القريبة من نجوى وقلت لها بنبرة دافئة: “كل سنة وإنتي طيبة يا نجوى، ربنا يجعل أيامنا كلها أعياد وخير.”

ردت نجوى دون أن ترفع عينها عن الصينية التي أمامها، وبنبرة تحمل جفافًا مستترًا: ” وأنتِ طيبة يا هند.. ربنا يتقبل منا ومنكم، وما يعودش علينا أيام التوتر والتعب تاني.”

كانت كلماتها كقطرة سم في كوب عسل، لكنني قررت التغاضي عنها إكرامًا للجدة واليوم المبارك. إلا أن الأحداث أخذت منحنى آخر عندما بدأ الأطفال يلعبون في الممر المؤدي للغرف. كان ياسين يلعب مع ابنة عمه “جنى” بالبالونات، وفجأة ارتفعت ضحكاتهم وصياحهم الطفولي.

في تلك اللحظة، وقفت نجوى فجأة وتركت عجينة الكعك من يدها بعنف، وقالت بصوت مرتفع أربك الجميع: “جنى! تعالي هنا فورًا وقعدي جنبي! كم مرة قلت لك ما تلعبيش حركة زي دي؟ اللعب ده مش نظامنا!”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *