ج1 شفت حماتي بالصدفة

حكايات منى السيد

الشقة دي تسوى مش أقل من تلاتة مليون، لو جبتلي شقة بمليون ونص في حتة هادية، الباقي هنعمل بيه إيه؟ اسمعي رده كويس يا ماما، وسيبيه هو اللي يقترح عليكي فكرة إنه ياخد الفلوس يشتري بيها شهادات أو يحطها في حسابه عشان يزودها، خليه يتكلم براحته.
سيبت أمي ورجعت على بيتي قبل ميعاد رجوع أحمد ويوسف، كنت عايزة أحمد يروح لأمي وأنا مش هناك عشان ياخد راحته في الكلام وميشكش في حاجة.
الساعة كانت حوالي خمسة المغرب لما رن جرس الباب، كان يوسف راجع من الجامعة، دخل ورمى شنطته ماما، ريحة البيت قهوة وبس، مفيش غدا ولا إيه؟ بصيت لابني، لطوله ولوسامته، للولد اللي شقيت عليه تمنتاشر سنة من بعد وفاة أبوه، الولد اللي أحمد كان بيستكتر عليه قرش متوفر لمستقبله ويقول ابن راجل تاني. قربت منه وباسته في راسه بحنية معرفش يوسف سببها حالا يا حبيبي هسخنلك الأكل، كان عندي شوية مشاوير بس. مالك يا أمي؟ وشك مرهق أوي. مفيش يا حبيبي، صداع خفيف بس.
على الساعة سبعة بالليل، رن تليفوني. كان أحمد. رديت بصوت عادي جداً ألو، إيه يا أحمد اتأخرت ليه؟ معلش يا حبيبتي، أنا عند مامتك أهو لسه، قعدت معاها شوية وكان عندها شوية طلبات نزلت جبتها لها، والست طيبة أوي وقعدت تحكي معايا. طيب ربنا يخليك ليها، هتيجي تتعشى؟ مسافة السكة وجاي.
بعد ما قفل، جتني رنة تانية من رقم أمي. رديت بسرعة وبلهفة ماما؟ مشي؟ مشي يا مريم… وسجلت كل كلمة! قلبي دق بعنف قالك إيه يا ماما؟ زي ما توقعتي بالظبط. قالي يا حماتي، الشقة القديمة دي متجبش تلاتة مليون كاش دلوقتي، السوق نايم، بس هو لقى زبون مستعد يدفع اتنين مليون وسبعمية، وهيجيبلي شقة تانية في حدائق الأهرام بمليون وربعمية ألف، والمليون وتلتمية الباقيين قالي بالحرف يا أمي إنتي كبيرة وملكاش في البنوك والضرايب ووجع الدماغ، المبلغ ده هحطه في وديعة بإسمي عشان أطلعلك فوايدها كل شهر تعيشي منها ملكة ومتحتاجيش مليم من حد، ومريم بنتك متقوليلهاش عشان متقعدش تقلق وتفتح أبواب مصاريف، إحنا نعملها لها مفاجأة!
دمي غلي في عروقي. كان بيخطط ياخد المليون وتلتمية ألف يكمل بيهم شقة بنته دينا، ويسيب أمي تاخد فتافيت أو يمكن بعد شوية يقطع عنها كل حاجة بحجة إن البنك فيه مشاكل، ويحط أمي في شقة بعيدة عني ويتحكم فيها وفي فلوسها!
التسجيل واضح يا ماما؟ واضح جداً يا بنتي، صوته زي القرش في التسجيل. تمام يا أمي، امسكي التسجيل ومتمسحيش حاجة، وبكرة الصبح هعدي آخده منك.
أحمد رجع البيت وشكله مبسوط جداً ومنتعش، دخل وهو بيصفر، وطلب شاي وقعد في الصالة يفرك إيديه في بعض كأنه مقبل على صفقة العمر. بصلي وقال مريم، تفتكري لو دينا بنتي اتجوزت قريب، المفروض نساعدها بإيه؟ بصيتله وأنا بقدم له كباية الشاي نساعدها باللي نقدر عليه يا أحمد، بس إنت عارف إن مدخراتنا كلها شايلاها لمستقبل العيال، وإحنا يدوب معانا الفلوس اللي شايلاها في الحساب عشان يوسف لما يتخرج ونجهز له حاجة. وشه اتغير شوية بس حاول يداري ما هو يوسف لسه قدامه سنتين جامعة يا مريم، وبعدين يوسف راجل يعتمد على نفسه، إنما دينا بنت وضعيفة ومحتاجة ضهر. ويوسف مش ابنك برضه يا أحمد ولا إيه؟ مش ده اللي بتقوله دايماً؟ سكت ثواني وبص في الكباية طبعاً يا مريم… طبعاً ابني، بس إنتي عارفة الظروف. عموماً الفلوس في البنك بأمان، وربنا يسهل لما ييجي وقتها.
تاني يوم الصبح، نهى طلبت مني نروح البنك. رحنا البنك الأهلي اللي فيه الحساب المشترك. طلبت كشف حساب مفصل لآخر تلات شهور مختوم بختم البنك. الموظف طبع الكشف، وبصيت للأرقام… الرعب الحقيقي ظهر على الورق. الحساب اللي كان فيه اتنين مليون وتلتمية ألف جنيه، متبقيش فيه غير تمانين ألف جنيه بس! أحمد سحب في الأول ٥٠٠ ألف، وبعدها بأسبوع سحب ٤٨٠ ألف نقدي، وحول لماما سعاد ٨٠٠ ألف جنيه على دفعتين، وحول لحسابه الشخصي المنفصل باقي المبالغ على فترات متباعدة. كل ده في خلال شهرين، في الوقت اللي كان بيجيلي فيه البيت يقولي الأسعار غليت يا مريم، لازم نقتصد شوية في مصاريف البيت!
نهى بصت لكشف الحساب، وابتسمت ابتسامة باردة حلو أوي، التحويلات لحساب والدته دي إثبات دهب. التحويلات البنكية دي بتثبت حركة الأموال وخروجها من الوعاء المشترك للغير بدون وجه حق تجاري أو التزام مدني، وده بيقوي موقفنا جداً في دعوى استرداد أموال وتبديد، بس مش هنتحرك بيها دلوقتي، لسه مشهد النهاية متقفلش. والمشهد إيه يا نهى؟ أحمد هيكلم مامتك يحدد ميعاد مع المشتري لكتابة العقد المبدئي ودفع العربون، إحنا هنسيبه لحد ما يوصل للمرحلة دي بالظبط.
وفعلاً، بعد تلات أيام، أحمد جالي البيت وهو مش سايعاه الفرحة مريم! مامتك باركت خلاص، لقيتلها بيعة لقطة للشقة، اتنين مليون وستمية وخمسين ألف كاش، والمشتري هيدفع عربون ٢٠٠ ألف بكرة في شقة مامتك، والمتبقي عند كتابة العقد النهائي بعد أسبوع في الشهر العقاري! عملت نفسي مخضوضة بجد يا أحمد؟! وماما وافقت؟! وافقت يا ستي، مش بقولك مامتك بتثق فيا؟ أنا رتبت كل حاجة، وهنروح بكرة الساعة ٦ المغرب نكتب العقد الابتدائي مع المشتري، وقايل لمامتك إنك هتكوني معانا عشان تطمني. طبعاً هاجي، دي شقة أبويا وشقة أمي، لازم أكون موجودة.
في الليلة دي، مريم القديمة كانت بتموت، والست اللي مش بتسمح لحد يدوس على كرامتها وحق ولادها كانت بتولد من جديد. نسقت مع نهى كل خطوة، واتفقت مع اتنين محامين من زمايلها يكونوا موجودين تحت البيت في الوقت المحدد.
تاني يوم، الساعة جت ستة إلا ربع. كنت أنا وأحمد في تاكسي رايحين على الهرم. أحمد كان لابس أحسن بدلة عنده، وشايل شنطة أوراق جلد شيك، عمال يتصل بأمه في الموبايل ويبعتلها رسايل، وأنا جنبه شفت طرف رسالة منها أول ما العربون يتدفع، خود مريم واخرجوا واقفل مع الراجل لوحدك عشان متشوفش الفلوس.
وصلنا عمارة ماما. طلعنا في الأسانسير القديم، فتحت ماما الباب، وكانت لابسة إسدالها وقاعدة هادية بشكل غريب. بعد خمس دقايق، رن الجرس، ودخل المشتري، راجل محترم ومعاه سمسار. قعدوا في الصالون، وأحمد كان متصدر المشهد، بيتكلم كأنه صاحب البيت، كأنه الآمر الناهي أهلاً يا حاج، نورت، إحنا اتفقنا على اتنين مليون وستمية وخمسين، العربون ٢٠٠ ألف، والباقي شيك مقبول الدفع عند التسجيل والتسليم. المشتري طلع ظرف كبير فيه الفلوس وحطه على الترابيزة تمام يا أستاذ أحمد، وده عقد الاتفاق المبدئي، بس مين اللي هيمضي؟ الحاجة أمينة صاحبة الملك طبعاً.
أحمد أخد القلم وابتسم، وبص لأمي اتفضلي يا أمي امضي هنا، وأنا هستلم العربون أشيله في الحفظ والصون عندي في الخزنة لحد ما نخلص باقي الإجراءات.
أمي مدت إيدها ومسكت القلم، وفجأة سابت القلم على الترابيزة وبصت لأحمد طب وبالنسبة للمليون وتلتمية ألف يا أحمد يا

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *