اضحيه العيد ج الاخير
حكايات روماني مكرم
أحمد تراجع خطوة لورا وهو بيبص للشاشة، إيده كانت بترتعش وعينه زاغت بيني وبين بابا. صوت الرنين كان عالي ومتردد في الصالة زي إنذار بالخطر.
خالي حرك راسه وقال: “رد يا أحمد، شوف أختك عايزة إيه يوم العيد.”
أحمد بلع ريقه وفتح الخط، وبمجرد ما حط التليفون على ودنه، الصوت طلع عالي وجاحد لدرجة إننا كلنا سمعناه من غير ما يفتح السبيكر. “أم محمود” كانت بتصرخ بنبرة مغلولة: “جرى إيه يا أحمد؟! أنت اتجننت؟ بقى تاخد نصيب بناتي من الريش والكبدة وتروح تدلقهم تحت رجلين مراتك وأهلها؟! أمك قاعدة في الصالة ضغطها عالي وبتصوت وتقول ابني باعني وباع أخته عشان حتة لقمة!”
أحمد وشه بقى كحلي، وبص للأرض وبهمس مكتوم قال: “اقفلي دلوقتي يا أسماء.. اقفلي أنا في بيت حمايا.”
“بيت حماك إيه وزفت إيه؟!” زعقت أخته بقلة ذوق وعصبية: “أمك بتقولك اللحمة دي لو مأرجعتش مكانها والست ندى دي عرفت مقامها، لا أنت ابننا ولا نعرفك، وأنا جاية في الطريق أهو ومكلمة عمامك يلموا الليلة دي!”
أحمد قفل السكة بسرعة وهو بينهج، وبص لبابا وهو مش قادر ينطق بكلمة واحدة من الكسوف. شكل جوزي كان يصعب على الكافر؛ راجل واقف في وسط رجالة عيلتي، وعورته وبيته مكشوفين على مشاع بسبب أمه وأخته.
بابا هز راسه بأسف وقعد تاني على كرسيه، وقال بنبرة هادية بس تقطم الرقبة: “سمعت يا ابني؟ سمعت أختك بتقول إيه؟ اللحمة اللي أنت جايبها تصالح بيها مراتك، عيلتك شيفاها خسارة فيها، وشايفين إن بنتي بتاخد نصيب بنات أختك.”
أحمد قرب من بابا وهو شبه عياط: “يا عمي أنا ماليش دعوة بكلامهم! أنا الراجل وأنا اللي دفعت تمن العجل، ومحدش ليه كلمة عليا!”
في اللحظة دي أنا خرجت عن صمتي. وقفت قدامه وبصيت في عينه بجمود وقلت: “ملكش كلمة عليهم إزاي يا أحمد؟ وأختك مكلمة عمامك وجاية على بيتي تفرج عليا الناس؟ أنت جيت هنا باللحمة عشان تسكتني وتراضيني كأنني عيلة صغيرة، ومفكرتش للحظة في العاصفة اللي هتحصل لما ترجع.”
أحمد بص لي بقلة حيلة: “يعني إيه يا ندى؟ هسيب بيتي يتخرب؟”
قلت له بقوة: “بيتك يتخرب لما كرامة مراتك تتداس. أنت دلوقتي هتاخد الشنطة دي في إيدك، وترجع لبيتك وأمك وأختك وعمامك اللي جايين.”
أحمد اتصدم وقال: “وأنتِ؟”
تدخل عمي الكبير وقال بحسم: “بنتنا مش هترجع معاك في وسط الليلة دي يا أحمد. روح اقعد مع عيلتك، وفهمهم إن ندى بنت أصول ومش طمعانة في كبشة لحم، ولما تخلصوا مشاكلكم وتعرفوا تحترموا اللي غايب قبل الحاضر، يبقى الباب مفتوح للصلح. شيل شنطتك يا ابني وتوكل على الله.”
أحمد انكسر تمامًا. وطى على الترابيزة وقفل سستة الشنطة الكبيرة وهو مش قادر يرفع عينه فينا. شال الشنطة التقيلة على كتفه، وبص لي نظرة طويلة مليانة ندم وخوف من اللي جاي، وقال بصوت مخنوق: “كل سنة وأنتم طيبين يا جماعة.”
ونزل.. ساب وراه صمت غريب في الصالة.
ماما قربت مني وأخدتني في حضنها، وأنا كنت حاسة بنار بتاكل في قلبي. أربع سنين جواز، عمري ما اتمنيت فيهم غير الستر وبيت هادي، والنهاردة يوم العيد بيتحول لساحة حرب وعناد.
فاتت الساعات تقيلة، ومحدش فينا عارف إيه اللي بيحصل هناك في بيتي. لحد ما الساعة جت عشرة بالليل..
تليفون بابا رن. بابا بص للشاشة ولقى الرقم غريب، فتح الخط وحطه على ودنه، وسمع صوت راجل خشن ووقور بيقول: “السلام عليكم يا حاج ناصر.. أنا الحاج عبد الحميد، عم أحمد جوز بنتك..”
حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم
بابا عدل قعدته ونبرة صوته اتغيرت للجدية والوقار وهو بيرد: “وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أهلاً يا حاج عبد الحميد.. خطوة عزيزة، وكل سنة وأنت طيب وبخير.”
صوت عم أحمد جاله من الناحية التانية، صوته كان هادي وفيه رصانة ولاد البلد الكبار: “وأنت بالصحة والسلامة يا حاج ناصر، وعيد سعيد عليك وعلى أسرتك. أنا بكلمك وأنا قاعد في بيت ابن أخويا أحمد، ومعايا الحاجة والدته وأخته، وجيت بنفسي عشان أسمع الحكاية من أولها، وميرضينيش أبداً إن بنت الأصول تبيت برا بيتها يوم العيد غضبانة.”
بابا بص لي، ولقاني واقفه متابعة المكالمة بقلب بيدق وعين مليانة ترقب. بابا رد على العم وقال: “والله يا حاج عبد الحميد، أنت راجل صاحب واجب وعارف الأصول، وأحمد ابننا، بس اللي حصل الصبح ميرضيش ربنا ولا يرضي أي راجل حر عنده نخوة على بنته.”
الحاج عبد الحميد اتنهد وقال: “عارف يا حاج، وأحمد حكى لي على كل حاجة، وأنا جيت هنا ووقفت كل واحد عند حده. الست والدته غلطت لما اتكلمت في أمر الخلفة، دي حاجة بيد ربنا ومحدش يعاير حد بأمر الله، وأخته أسماء غلطت لما علت صوتها وجاية تطمع في أضحية أخوها وهو صاحب البيت. أنا حكمت في قعدتي دي إن أحمد يجيلك بكرة الصبح ومعاه والدته لحد بيتك، يطيبوا خاطر بنتك وخاطرك، والصلح يتم بما يرضي الله.”
بابا سكت لثواني، بيفكر في العرض، وبعدين قال: “تشرفونا يا حاج عبد الحميد، البيت بيتك والمطرح مطرحك، وإحنا بنشتري الراجل وبنشتري الأصول.”
قفل بابا الخط، وبص لخالي وعمي وقال: “عم أحمد راجل عاقل، وحكم إن أمه تيجي بكرة تصالح ندى هنا في بيتنا.”
ماما فرحت وقالت: “الحمد لله، كده حق بنتنا يرجع لها قدام عيلتها كلها.”
لكن فرحة ماما ما كملتش، وأنا قلبي انقبض.. أنا عارفة حماتي كويس، وعارفة كبريائها وجبروتها، ومستحيل ترضى تيجي لحد هنا وتعتذر لي بالسهولة دي، وأكيد في حاجة تانية هتحصل تحت التربيزة.
وفعلاً، ممرتش نص ساعة، وتليفوني أنا رن.. وكانت رسالة مكتوبة من رقم أحمد، بس الأسلوب والكلام مكنش أسلوب أحمد أبداً.
فتحت الرسالة وأنا برتعش، ولقيت مكتوب فيها:
“عم أحمد حكم باللي هو عايزه عشان يلم الليلة قدام الناس، بس وحياة حرقة قلبي على اللحمة اللي ابني شالها ووداها ليكي، لو عتبتي باب البيت ده بكره وأنا مكسورة وجاية أصالحك، ليكون آخر يوم ليكي في بيت ابني، وهجوزه ست ستك اللي تجيب له حتة العيل اللي يحرمك من كل حاجة.. واجهزي بقى للرد المظبوط بكرة قدام عمامك!”
وقفت مكاني مذهولة، الرسالة كانت واضحة إنها من حماتي، استخدمت تليفون أحمد من وراه عشان تهددني وتتحداني قبل قعدة بكرة.
بصيت لبابا ولعمي وخالي وهم بيتكلموا عن أصول قعدة بكرة، ومكنتش عارفة أقولهم على الرسالة دي ولا أسكت.. والدموع رجعت تلمع في عيني وأنا حاسة إن بكرة مش هيكون يوم صلح، بكرة هيكون يوم الانفجار الكبير..
حكايات رومانى مكرم
مسكت التليفون وإيدي بتترعش، وبصيت لكلام حماتي اللي كله غل وتهديد. لثواني، الشيطان وزّني إني أصرخ وأورّي الرسالة لبابا وعمامي وأقلب الدنيا، وأخليها معركة كسر عضم ونكد ملوش آخر في يوم العيد.
لكن في اللحظة دي، افتكرت كلمة أمي: “الخير لما يخرج من البيت، ربنا بيزيده”، وافترضت في نفسي الحكمة. أنا بنت أصول، والبيوت مابتتبنيش بالردح والعند، ولما النفوس بتسخن، الكبار هما اللي بيوزنوا الأمور بعقلهم، مش بنار الغيرة والغل. مسحت الرسالة تماماً من تليفوني، ونظفت قلبي من الخوف. أنا مسنودة على رجالة، والحق مابيروحش.
تاني يوم الصبح، الشمس طلعت منورة وجميلة. جهزنا الصالة، وبابا وعمامي قعدوا مستنيين. وعلى الساعة حداشر، الباب خبط.
فتح بابا، ودخل الحاج عبد الحميد وعمه، ووراه أحمد ووشه في الأرض، وفي الآخر دخلت حماتي. كانت لافة طرحتها وجاية بخطوات ثقيلة، وشها مكشر وعينها بتلف في الصالة كأنها مجبرة.
قعدنا كلنا، والحاج عبد الحميد اتكلم بأصل وكرم: “يا حاج ناصر، إحنا جينا لحد بيتكم عشان نأكد إن بنتنا ندى ملهاش هنا غير العز والكرامة. والست والدة أحمد جاية بنفسها عشان تطيب خاطر ندى، وتقول لها كل سنة وأنتِ طيبة، وإن اللي حصل الصبح كان ساعة شيطان.”
الصمت حل في الصالة، والكل بص لحماتي مستنيين كلمتها. حماتي بلعت ريقها بصعوبة، وبصت لي ونطقت بكلمات طالعة بالعافية: “كل سنة وأنتِ طيبة يا ندى.. والمسامح كريم يا بنتي، أنا زي أمك برضه ومكنتش اقصد.”
أحمد بص لي بنظرة رجاء وندم حقيقي، وعينه كانت بتقول لي: “اشتريني.”
بصيت لحماتي، ومردتش عليها بنفس أسلوب رسالتها الهدامة، بل رديت بالحكمة والوقار اللي اتربيت عليه. وقفت على رجلي وقربت منها، وسلمت عليها وبست راسها قدام الكل وقلت بصوت هادي ومسموع: “وأنتِ طيبة وبخير يا طنط. أنا عمري ما أزعل منك، أنتِ مقامك مقام أمي، والبيت اللي دخلته وأنا شيلت اسم ابنك، عمري ما هكون سبب في كسرته ولا في زعلك. ربنا يخليكي لينا ويطول في عمرك، والخير في بيت أحمد كتير ويكفينا ويكفي أخته وأهلي وكل حبايبنا.”
الصالة كلها اتقلبت بالدعاء. الحاج عبد الحميد وقف وقال: “الله ينور عليكي يا بنتي! بنت أصول بجد، ووزنتي الأمور بعقل كبار.”
أحمد قام وقف وعينه لمعت بالدموع من الفرحة والفخر بيا قدام أهله، وحماتي نفسها وشها اتغير وبصت لي بنظرة ذهول، لأنها كانت متوقعة إني هفضحها بالرسالة أو هتعالى عليها، لكن حلمي وحكمتي كسرو كبريائها تماماً وحسسوها بصغر حجم موقفها.
بابا ابتسم وهو فخور بيا وبتربيتي، وبص لأحمد وقال: “بنتنا رجعت لبيتك يا أحمد، بس المرة دي أنت اللي شايل شنطتها وعارف قيمتها.”
أحمد شال الشنطة، وسلمنا على الكل، ورجعنا بيتنا سوا. وأول ما دخلنا الشقة وقفلنا الباب، أحمد أخدني في حضنه وفضل يعتذر لي وهو بيقول: “أنا أسف يا ندى، وعهد عليا قدام ربنا، كرامتك من النهارده فوق راسي، ومحدش هيتدخل بيننا تاني.”
حماتي دخلت شقتها من سكات، ومن اليوم ده، عرفت إن ندى مش ضعيفة، لكنها بنت أصول بتعرف تشتري جوزها وتكسب معركتها بالعقل والحكمة، مش بالخناق.
والعيد اللي بدأ بجحيم، انتهى ببيت هادي ومستقر، ونفوس عرفت مقام بعضها بالحق والأصول.
