حماني والغسالة ج2

حكايات زهرة

## الجزء الثالث: ليلة البلاط والدموع

مصطفى ركع على الأرض جمب أمه وهو بيخبط على وشها وبيهزها برعب:

“أمي! اصحي يا أمي بالله عليكِ! إلحقيني يا نيرمين، أمي بتروح مني! هاتي شوية ماية بسرعة!”

وقفت مكاني وبصيت له ببرود تام، ومتحركتش خطوة واحدة:

“أجيب لك ماية منين يا مصطفى؟ مش الثلاجة مشيت؟ والماير في القلل لسه مِلحقتش تسقع في البلكونة! وبعدين ما تخافش، أمك شديدة وتتحمل، دي من جيل زمان اللي ما بيهزهوش ريح، ولا إنتوا نسيتوا؟”

حماتي لما لقت مفيش فايدة، والتمثيلية مش جايبة معايا همّ، فتحت عين ونص، وقامت قعدت وهي بتنهج من الغيظ والنكَد، وبصت لي وعيونها بتطلع شرار:

“إنتِ جنسك إيه يا شابة إنتِ؟! قلبك ده إيه.. حجر؟! بعتي عفش بيتك وفضحتينا قدام الغريب والقريب وعايزاني يجرالي حاجة وتورثي في ابني؟!”

### صدمة الفواتير وبداية الحساب

مصطفى قام وقف، وعينيه حمرا زي الدم، وبدأ يستوعب حجم الكـ,ـارثة اللي الشقة بقت فيها. الشقة اللي كانت قصر بقى صدى الصوت بيرن فيها. بص لي وقال بفقدان أمل:

“نيرمين.. إنتِ طينتي العيشة خلاص، اللي عملتيه ده قلة أدب وجنان رسمي. أنا هكلم حمايا يجي يشوف المـ,ـصيبة اللي خلفها، ويا إما العفش ده يرجع في ظرف ساعتين، يا إما إنتِ طالق وتفضلي في بيت أبوكي!”

ابتسمت بكل ثقة، وطلعت موبايلي من جيبي وقلت له:

“وفر مكالمتك يا درش.. أنا كلمت بابا من ساعة ما التاجر مشي، وحكيت له إن حماتي الغالية باعت غسالتي الـ LG المستوردة بـ 5 تلاف جنيه عشان توفر في الكهربا، وطبعاً بابا حبيبي لما عرف إنكم بتوفروا، قال لي: (عفشك يا بنتي وخسارة في ناس مش مقدرة قيمته، وأنا باعت لك العربيات تنقله المخزن عندي قبل ما حماتك تبيعه هو كمان برخص التراب وتفتكره توفير!)”

مصطفى فك بوقه من الصدمة:

> “يعني.. يعني العفش متباعش لروبابيكيا؟! العفش راح عند حمايا؟!”

>

رديت عليه بضحكة مستفزة:

“أمال إنت فاكرني غبية زيك وزي أمك؟ أبيع شقايا بمليم؟ لأ يا حبيبي، العفش في الحفظ والصوان في بيت أبويا، والفلوس اللي رميتها على الأرض دي هي الـ 5 تلاف جنيه بتوع غسالتي، وفوقيهم 5 تلاف تمن التكييفات والأجهزة اللي أنا بعتها فعلاً لغفير العمارة وجيرانا عشان أثبت لكم إني ست بيت مدبرة وبسمع الكلام!”

### ليلة بلا غطاء

حماتي بدأت تصرخ تاني لما عرفت إنها مش هتقدر تكسـ,ـر عيني ولا تتهمني بالسـ,ـرقة، لأن الأب في ضهر بنته:

“يا مصيبتيـ,ـ! يعني إحنا هنقعد في الفضا ده؟! طب والناس اللي جاية تبارك لنا من قرايبك بكرة يا مصطفى؟ هنقعدهم على البلاط؟!”

بصيت لها وقلت لها بكل تناحة:

“آه يا طنط.. وإيه يعني؟ مش إنتِ اللي قولتي الصبح جيل دلوع وبيمـ,ـوت في السهـ,ـتنة؟ قرايب مصطفى ناس أصيلة وهيستحملوا، وبعدين قعدة الأرض صحة وفرش الجلابيب بيوفر في الغسيل والمنظفات!”

مصطفى حس بالمهانة التامة، وبدأ يدرك إنه بغبائه وسلبيته الصبح خسر كل حاجة. بصلها وقال بعتاب مكتوم:

“عاجبك كدة يا أمي؟ أهو بيتي اتخرب في أقل من شهر جواز! خسرت أجهزتي ومراتي وعفشي بسبب الغسالة!”

حماتي رفعت صباعها في وشه وقالت بلؤم:

“إنت هتلومني أنا يا واد؟! أنا كنت بربيها وبكسر مناخيرها عشان تعرف إن ليها حما!”

### شروط اللعبة الجديدة

الليل بدأ يدخل، والشقة بقت ضلمة كحل وكئيبة، لأن النجف كمان أنا كنت شايلاه مع العفش وسايبة لمبات سلك عريانة مدلدلة من السقف.

مصطفى قعد على البلاط وسند ضهره على الحيطة وهو حاطط راسه بين ركبه، وحماتي كانت نايمة في الصالة على حتة كرتونة لقيتها عند السلم، وبتأن من برد البلاط اللي بدأ يقرص عضمها.

دخلت الأوضة الوحيدة اللي فيها سرير، وقبل ما أقفل الباب ورايا بالمفتاح، بصيت لمصطفى وقلت له:

“الساعة دلوقتي بقت 10 بالليل.. قدامك بالظبط 7 ساعات يا مصطفى، الساعة 5 الفجر بالدقيقة هصحيكم إنت وأمك.. وراكم غسيل مواعيد العزومة بتاعة إمبارح على إيدكم، وطبعاً مفيش سخان عشان نوفر في الكهربا! واليومين الجايين دول هشوف مين فينا اللي نفسه أطول ومين اللي هيتربى من جديد!”

قفلت الباب ورايا وسبتهم في الصالة الضلمة، وسامعة صوت حماتي وهي بتهمس لمصطفى برعب: “البنت دي مش طبيعية يا مصطفى.. دي هتطير برج برج من دماغي، شوف لنا حل!”

مصطفى مردش عليها، بس أنا كنت عارفة إن المفاجأة الجاية هتخليهم يلفوا حوالين نفسهم أكتر…

## الجزء الرابع: طابور الفجر والمفاجأة الكبرى

الساعة خمسة الفجر بالدقيقة..

فتحت باب الأوضة وخرجت للصالة وأنا لابسة عبايتي وبكل نشاط. الشقة كانت هسس، والضلمة مغطية المكان مفيش غير النور الضعيف اللي جاي من أعمدة الشارع.

بصيت على الأرض، لقيت مصطفى وأمه نايمين جمب الحيطة، حاطين لبسهم فوق بعض عشان يستخبوا من رطوبة البلاط وسقعة الفجرية اللي قـ,ـتلتهم طول الليل.

رحت وقفت فوق راس حماتي، وبنفس الطريقة والأسلوب خبطت برجلي على الأرض وهزيتها:

> “اصحي يا طنط.. اصحي يا حبيبتي الساعة بقت خمسة، ووراكي غسيل قد كدة ومواعين العزومة مستنياكي في المطبخ!”

>

### طابور الصباح البارد

حماتي قامت وهي بتصرخ وعضمها بيزيّق من برد الأرض:

“آه يا ضهري! آه يا ركبي اللي اتدمرت! حرام عليكي يا بنتي، إحنا مانمناش ساعتين على بعض من البرد والناموس!”

مصطفى صحي هو كمان، وشه كان دبلان وعينيه منفوخة، بص لي بنظرة انكسار وقال:

“نيرمين.. أرجوكي كفاية لحد كدة، إحنا خلاص اتعلمنا الدرس، وأمي عرفت إنها غلطت لما باعت غسالتك. كلمي حمايا يرجع العفش، وأنا مستعد أنزل دلوقتي حالا أشتري لك أحسن غسالة في السوق بالتقسيط!”

قعدت على كرتونة كانت مرمية في الأرض وربعت إيدي:

“تشتري بالتقسيط وتستلف وتخـ,ـرب بيتك ليه يا مصطفى؟ ومين قال لك إني زعلانة؟ أنا مبسوطة جداً كدة! يلا يا طنط همتك معايا، المواعين في المطبخ والماية الساقعة هترد فيكي الروح.. مش قولتوا صحة وتوفير؟”

حماتي بصت لابنها والدموع في عينيها:

“شايف يا مصطفى؟ البنت عايزة تمـ,ـوتني! أنا مش قادرة أقف على رجلي يا ابني، ضهري اتقسم!”

قلت لها ببرود:

“جرى إيه يا طنط؟ إومال مين اللي كان بيقول لي إمبارح (أنا وأنا في سنك عشت وربيت رجالة وصحيت خمسة الفجر)؟ ولا هو الكلام ليّا والفعل ليكي؟ يلا يا حبيبتي قدامي على المطبخ!”

### مفاجأة المحضر الإداري

فعلاً، حماتي ومصطفى دخلوا المطبخ وهما شبه الأموات، وبدأوا يغسلوا المواعين على إيدهم بالماية الساقعة، ومصطفى واقف جمب أمه بيساعدها وهو بيبكي على حالهم وعلى شكلهم اللي بقى يصعب على الكافر.

على الساعة تسعة الصبح، الباب خبط خبطات قوية ومنتظمة.

مصطفى جري فتح الباب وهو فاكر إن حماه جاب العفش وجاي، لكن الصدمة كانت واقفة برة!

راجل ببدلة ومعاه اتنين أمناء شرطة، وبص في ورقة في إيده وقال بصوت جهوري:

“الأستاذ مصطفى محمد؟ والست والدته الحاجة سعاد؟”

مصطفى بلع ريقه برعب وقال: “أيوة أنا.. في إيه يا فندم؟”

الراجل طلع دفتر وقاله:

> “معاكم محضر إداري وإثبات حالة بتبديد منقولات زوجية وسـ,ـرقة أجهزة خاصة بالمدعوة (نيرمين أحمد). الزوجة مقدمة بلاغ إنكم تصرفتم في غسالتها وأجهزتها بدون وجه حق وبعتوها لحسابكم الشخصي!”

>

### الانهيار التام

حماتي خرجت من المطبخ تجري، إيديها كانت غرقانة صابون ومتبهدلة، وصرخت:

“محضر إيه وتبديد إيه؟! دي غسالة في بيتنا وإحنا حرين فيها! وبعدين هي اللي لمت عفشها وودته عند أبوها إمبارح!”

المحضر بص لها ببرود وقال:

“الكلام ده تقوله في النيابة يا حاجة.. الزوجة معاها فواتير الغسالة والأجهزة باسم والدها، ومعاها شهادة غفير العمارة والجيران اللي شهدوا إنك بعتي الغسالة والتكييفات الصبح من وراها. اتفضلوا معانا على القسم عشان تقوالوا أقوالكم!”

مصطفى لَفّ عليا والجنون خلاص هيقضي عليه، وجري مسك إيدي وقعد على ركبه قدامي قدام الشرطة:

“نيرمين! هتحبسي أمي؟! هتحبسي جوزك في أول شهر جواز؟! أرجوكي بلاش الفضيحة دي، إحنا أسفين، والله العظيم أسفين!”

حماتي قعدت على الركبة التانية وهي بتعيط بحرقة وتلطم على وشها:

“حقك عليا يا نيرمين.. أنا أسفة يا بنتي، أنا اللي طمعت في تمن الغسالة وقولت أكـ,ـسر عينك، أبـ,ـوس إيدك بلاش حبس، أنا ست كبيرة ومش حمل البهدلة دي!”

بصيت لهم وهما راكعين على البلاط الفاضي تحت رجلي، وابتسمت ابتسامة هادية جداً، وطلعت ورقة تانية من شنطتي وقلت لمصطفى:

“عشان تعرفوا بس إن جيلنا مش دلوع، وبيعرف يخطط كويس أوي.. الورقة دي لو مضيتوا عليها دلوقتي حالا، هتنازل عن المحضر والموضوع ينتهي.. أما لو ممضيتوش، فالبلاط ده هيبقى أرحم بكتير من اللي هتشوفوه جوة!”

مصطفى مسك الورقة وإيده بترتعش وقرأ اللي فيها، وفجأة عينه اتسعت من الصدمة وبص لأمه بذهول…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *