ج الاخير ضرتي حامل للكاتبة نرمين عادل همام

إياد اتنفض في مكانه وبص للباب برعب، وجريت أنا فتحت، ودخلوا كلهم ورا بعض بلهفة، وفضول، وعينيهم بتدور في أركان الشقة مستغربين الاستدعاء ده. حماتي دخلت أول واحدة وعلى وشها ابتسامة صفراء ملوية وقالت: 

— “خير يا بنتي؟ قلقتيني بالرسالة بتاعتك على الجروب في الساعادي.. قوليلي، أخيراً ربنا جبر بخاطرنا واللقمة اشتغلت وهنفرح بولي العهد اللي مستنيينه؟”

مكملتش جملتها ولا لسه بلعت ريقها.. لما صوت كعب عالي ومستفز رن في الممر بره على السلم. تيك.. تيك.. تيك.. 

ودخلت من الباب نهى السكرتيرة بكامل شياكتها، وأول ما خطت رجليها جوه وشافت اللمة وعيلة إياد كلها قاعدة، اتخضت ورعبت ورجعت خطوة لورا ووشها جاب ألوان. بصت لـ “إياد” اللي واقف بالفوطة بخوف وهستيريا، وقالت بصوت مهزوز وبيرتعش

: — “إياد.. أنا جيت علطول زي ما بعت لي في الرسالة وقلت لي مراتي مش هنا.. بس إيه الناس دي كلها؟ وإيه اللمة دي؟”

في ثانية واحدة، البيت كله اتخشب، وحماتي وأبوه وأخته تنحوا ومبقاش حد فاهم حاجة. أنا هنا مسكت موبايل إياد ورفعته لفوق قدام عين الكل، وفتحت الشات والرسالة، وعليت صوتي على آخره بنبرة هزت حيطان الشقة: 

— “دي السكرتيرة بتاعته يا جماعة.. وده هو ‘الخبر السعيد’ والعظيم اللي كان مستخبي عننا كلنا. مبروك يا حماتي، مبروك يا عيلة الشافعي، نهى السكرتيرة لسه باعتة وبتقول إنها حامل في ابن إياد!”

إياد أول ما لقى الحكاية اتفرشت، صرخ فيا بهستيريا وجنون وعينه كانت هتطلع من مكانها، والفوطة كانت هتقع من على وسطه وبقى يزعق: 

— “إيه المسرحية الواطية اللي بتعمليها دي؟ إنتي اتجننتي رسمي؟ إنتي بتخرفي بتقولي إيه؟”

مردتش عليه ولا بكلمة واحدة، ولا عبرت صريخه. مديت إيدي على التربيزة وفتحت الملف السميك بالراحة والكل حابس أنفاسه والصوت مكتوم في الصالة.. الصفحة الأولى الكبيرة كانت عبارة عن: 

تحليل عقم شامل، دقيق ومفصل باسم إياد الشافعي. وتحته مكتوب ومخطوط بخط أسود عريض لا يقبل الشك ولا التأويل: حالة خلقية دائمة وميؤوس منها ولا علاج لها.

أخته أول ما قرت السطر شهقت بأعلى صوت وحطت إيدها على بوقها من الصدمة، وأبوه صوته اتنبح وشاب وهو بيمد إيده ويرعش ويمسك الورقة ويبص فيها:

 — “إيه الكلام ده؟ يعني إيه الورق ده يا إياد؟ فهمني كدبهم وقول في إيه بالظبط؟”

بصيت لهم كلهم بمنتهى الثبات والقوة، ووزعت نظراتي الباردة عليهم واحد واحد، ووقفت عند وش حسام وعشيقتة وقولت: — “يعني ابنكم المصون مبيخلفش من أول يوم اتولد فيه.. يعني بالعربي كدة مستحيل يكون أب، 

لا النهاردة، ولا بكرة، ولا بعد مية سنة تانية.. فـ اسألوا السنيورة اللي واقفة على الباب دي، ابن مين اللي في بطنها!”

وبعدين لفيت وشي لنهى وبصيت لها بكل ثقة، وقلت لها بابتسامة توجع وتكشف الحقيقة كاملة في وشها: 

— “فلو إنتي حامل فعلاً يا شاطرة وجاية تتنططي علينا.. يبقى أكيد وجزمًا مش من جوزي؛ لأن جوزي عقيم. فـ روحي شوفي جيباه من اين.”

وش نهى قلب ألوان الطيف كلها في ثانية، وبقت تتلفت حواليها في الصالة برعب كأنها بتدور على أي مخرج أو مهرب تهرب منه من الفضيحة، ونزلت دموعها وقالت وهي بـتعيط بـهستيريا وصوت مرعوب: 

— “هو.. هو اللي قالي إن المشكلة كلها من مراته! هو اللي أمني وقال لي إنه نفسه يخلف ويشوف حتة عيل وهي اللي حارماه ومعيوبة!”

ضحكت بصوت عالي كله مرارة وسم وبصيت له وقولت: 

— “طبعاً.. طبعاً لازم يقول كدة ويتبلى عليا عشان يداري عيبه وخيبته قدام نفسه وقدامك.”

مديت إيدي في الملف وطلعت باقي الورق والمستندات المخفية.. تقارير وتحاليل تانية من ٣ معامل مختلفة وكبيرة في مصر، وتواريخها متوزعة على مدار سنتين فاتوا. رفعت صوتي ووجهت كلامي لـ حماتي وأهله كلهم وقلت بـقهر طالع من وسط ضلوعي:

— “سنتين.. سنتين كاملين وأنا مستحملة نظرات الشفقة، والتلقيح، والشماتة منكم في كل قعدة؛ سنتين وأنا متهمة في عرضي وصحتي إني

 ‘أرض بور’ ومابتطرحش، وقاعدة بتحايل على ربنا وببكي في صلاتي بالليل عشان خاطر عيون ابنكم وعشان يشوف عيل؛ وهو.. السبع بتاعكم، عارف الحقيقة كاملة وساكت، 

وبيتفرج عليا وأنا بتكسر وبموت كل يوم عشان بس يداري نقصه وعيبه الرجولي قدام الناس! مش بس كدة.. ده الباشا كان بيرتب حياة تانية في السر معاها، وبيدفع ليكي مبالغ شهرية محترمة من حسابنا المشترك وفلوسنا عشان يسكتك ويشتري ذمتك في الحرام!” بقلم نرمين عادل همام

إياد لقى نفسه عريان قدام أبوه وأمه وبقت فضيحته بجلاجل، فـ صرخ وصوته كان فيه نبرة انكسار وذل حقيقية وهو بيحاول يداري وشه:

 — “بس بقا!.. ده شأني الخاص ومحدش له دعوة بيا ولا بحياتي!”

بصيت له آخر نظرة احتقار ممكن ست تبصها لراجل، ومديت إيدي وبكل قوة خلعت خاتم الجواز والبلاتين اللي كان بيخنق صباعي وروحي طول السنين دي، ورميته بكل عزمي فوق التقارير على التربيزة الزجاج.

رنة الخاتم وهي بتخبط في الزجاج بقوة كانت هي “كلمة النهاية” الصريحة والمسموعة لحكايتي ومراري معاه.

وقلت لهم وأنا راسي فوق: 

— “ده هو الخبر السعيد الحقيقي والوحيد الليلة دي.. إني أخيراً مش هعيش في كدبة تانية ووهم، إني فوقت وفقت لنفسي قبل ما العمر والشباب يسرقوني مع واحد زيك وميسواش. اتفضلوا كلكم بره بيتي حالا ومن غير مطرود.. وأنا كدة كدة هحصلكم حالا، الشقة دي باسمي ومن بكرة الصبح هتبقى معروضة للبيع في المكاتب.”

اتجهت ناحية باب الشقة وبدأت أمشي بوقار وعزة ملكة متوجة، وقبل ما أفتح الباب وأخرج، لفيت وشي وبصيت لنهى السكرتيرة اللي كانت واقفة بتترعش وجسمها بيلتفض من الخوف، وقلت لها الكلمتين دول: 

— “لو حامل بجد وصادقة.. دوري كويس أوي على الأب الحقيقي للي في بطنك واعرفي هو مين، لأن إياد آخره في الدنيا دي يشتري جزم وساعات براندات يتمنظر بيها، مش راجل يربي عيال.” بقلم نرمين عادل همام

خرجت من باب الشقة ورقعت الباب ورايا بكل قوتي، وسيبت ورايا بركان قايد وشغال في الصالة؛ مابين صراخ ولطم أمه على خيبتها، وذهول وصدمة أبوه اللي مش مصدق عيب ابنه،

 وانهيار وجنون إياد اللي خسر كل حاجة في ثانية واحدة. نزلت السلم بخطوات ثابتة، قوية، وراسي مرفوعة في السماء، ولأول مرة من ٥ سنين جواز، محستش إني بهرب أو مكسورة.. حسيت في اللحظة دي إنني اتولدت من جديد وعمري بدأ، 

وإن الهوا النضيف اللي بتنفسه في الشارع بقا أنقى وأخف بكتير.

الكاتبة نرمين عادل همام

تمت

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *