قالي سيبي شغلك واخدمي امي
“شغلك يقدر يستنى! أمي جاية وأنتِ اللي هتقعدي بيها!”
قالها كريم من غير ما يكلف نفسه حتى يرفع عينه من على شاشة الموبايل. كان قاعد في المطبخ بملابسه الداخلية، بيبلع الساندوتش بآلية وبرود يفرس، وإيده بتتحرك على الشاشة بمنتهى اللامبالاة، وكأنه بيقرأ نشرة الأرصاد وبيرمي الكلمتين عن مطر بكرة مثلاً، مش عن قرار هيشقلب حياتي وحياته. رجع كرر نفس الجملة بنفس النبرة الحسم اللي ما تقبلش نقاش: “شغلك يقدر يستنى يا ليلى! أمي جاية وأنتِ اللي هتقعدي معاها. خلص الكلام!”
وقفت في مكاني قدام البوتاجاز وإيدي متجمدة على إيد كنكة القهوة وكأنها طوق نجاة. في الثواني دي، حسيت برغبة عارمة بتمتلكني؛ أول إحساس جالي كان نفسي أدلق القهوة المغلية دي في وش جوزي المتغطرس المستفز اللي قاعد قدامي ده! وتاني إحساس كان إني أهج من البيت ده، وأرزع الباب ورايا برزعة تزلزل الحيطان وتخلي المحارة تقع على الأرض.
لكن كتمت غيظي، وأخدت نفس طويل ببطء، وقلت بأهدأ صوت قدرت أطلعه: — “ممكن تعيد اللي قلته تاني؟”
نفخ بضيق، وأخيراً اتكرم ورفع عينه وبصلي بنظرة الاستهجان والاستخفاف اللي بقيت حافظاها: — “يا ليلى ما تبقيش طفلة بقى! أمي تعبانة وما تقدرش تخدم نفسها. وأنتِ بتفضلي محبوسة في المكتب طول اليوم.. قال يعني سيدة أعمال والشركة هتقف من غيرك! لبسك واهتمامك الزايد بالمظاهر والاجتماعات والمنظرة دي مش أهم من الواجب والبيت اللي دايماً مهملة فيه.”
بصيت من شباك المطبخ على برة، كان مطر أكتوبر البارد بيغسل شوارع القاهرة بنفس القسوة اللي كلماته بتغسل بيها أي مشاعر حلوة باقية بيننا. رجعت بصيت عليه.. الراجل اللي عشت معاه سبع سنين كاملين، وسرير واحد، وبيننا طفل، وأحلام بتضيع، وديون مابتخلصش.. في اللحظة دي بالذات، جالي إحساس غريب أوي.. حسيت فجأة إنني مش عارفاه!
قلت وأنا بحاول ألملم كرامتي اللي بيدوس عليها ببرود: — “كريم، أنا رئيسة قسم التسويق في شركة ميزانيتها بملايين الجنيهات.. تحت إيدي تمن موظفين، وبدير مشروع قيمته عشرين مليون جنيه.. أنت مستوعب يعني إيه أسيب مكاني وفجأة كده؟”
هز كتافه بمنتهى اللامبالاة، ولا الهوا، مفيش أي علامة احترام واحدة لتعبي وشغلي: — “وإيه يعني؟ هيلاقوا غيرك في ثانية، الشغل مابيوقفش على حد يا ليلى. لكن أنا معنديش غير أم واحدة.. وبعدين التقصير اللي باين في البيت وفي طلباتي وفي كل حاجة الفترة الأخيرة دي سببه تشتتك في الوظيفة اللي واخدة كل تفكيرك على الفاضي.”
إيدي اترعشت جامد، والقهوة بدأت تفور والفقاقيع تطلع على جناب الكنكة، بالظبط زي الغليان اللي كان جوايا: — “وعندك ابن واحد برضه للعلم يعني! مش فكرة شغل وبس.”
رد بنبرة حاسمة من وسط حلوله الجاهزة اللي بيفصلها على مقاسه: — “ياسين في الحضانة طول اليوم، مشكلته محلولة.. لكن أمي محتاجة رعاية كاملة، ومش هسيبها للغرب.”
شلت الكنكة من على النار ببطء شديد، وصبيت القهوة في الفناجين بحذر كأني بتعامل مع قنبلة موقوتة. كنت محتاجة كام ثانية بس عشان أجمع شتات نفسي ومأنفجرش فيه.
حماتي، الحاجة سناء.. اه رجلها اتكسرت قريب، بس وصف “تعبانة وعاجزة” اللي كريم بيقوله ده كان فيلم درامي ومبالغة ملهاش أي علاقة بالواقع. الست عندها 65 سنة اه، بس صحتها وعزمها وعفاريتها يهدوا جبال! بتحب الخروج والفسح، وعاشقة للقهوة مع صاحباتها، وفوق كل ده، عندها موهبة فطرية فظيعة في إنها تحشر مناخيرها في أدق تفاصيل حياتنا، من أول نوع المسحوق اللي بستخدمه لحد طريقة تربيتي لياسين.
تنحنحت وسألته وأنا بحاول أحافظ على هدوئي المزيف: — “هتيجي إمتى؟”
— “الإثنين الجاي.. الصبح.”
يعني الأستاذ قرر، وخطط، وظبط مع مامته، وجاي يبلغني بالأمر الواقع! من غير ما ياخد رأيي، ولا يفكر حتى ظروفي إيه. وكأني شغالة عنده في البيت وجاي يضيف لمهامي وظيفة جديدة ومن غير مرتب كمان.
بصيت له بحدة، ورزعت فنجان القهوة قدامه لدرجة إن الشوية اتلقوا منه على الترابيزة، وقلت بنبرة كلها تحدي لبروده ده: — “طيب وأنت؟ مش أنت فري لانس وشغلك كله من البيت؟”
“ليلى، أنتِ عارفة إن الراجل ما ينفعش يخدم ست كبيرة.. عيب، دي مش شغلانة رجالة!”
قالها كريم بمنتهى البساطة وهو بيمص في شفايفه، وكأنه بيقول حكمة كونية مفيش عليها نقاش.
“مش شغلانة رجالة!”.. الكلمة فضلت ترن في ودني، تخبط في نفوخي وتعمل صدى صوت مستفز. يا سلام يا خويا! يعني إنه يقعد في البيت “يِكتشف نفسه” في عالم الديكور والفري لانس للعام الثالث على التوالي، وسايبني أشيل شيلة البيت كله لوحدي، دي اللي شغلانة ستات؟! دفع قسط الشقة اللي هيموتنا، ومصاريف حضانة الواد اللي بتقطم الظهر، وطلبات البيت من الألف للياء.. كل الطحن ده شغلانة ستات ومروة ستات؟! لكن أول ما ييجي الدور على أمه، تطلع نغمة “أصل دي مش شغلانة رجالة”! وأنا بقى المفروض أسيب شغلي، ومستقبلي، وكياني اللي طافحة الدم فيه عشان والدته تقعد مستريحة.. وده الطبيعي والمفروض وما تفتحيش بؤك!
بصيت له ودمي بيفور، وسألته بنبرة هادية بس طالع منها شرار: — “كريم.. ماذا لو رفضت؟”
بص لي باستنكار فظيع، وحواجبة اترفت لفوق وكأني كفرت: — “ليلى بلاش جنان وخيبة بالويبة! أمي اللي ولدتني وربتني وعاشت حياتها كلها عشاني، عايزاني أرميها في الشارع عشان الهانم تروح تعملي اجتماعات؟ وبعدين أنتِ مش غريبة!”
أهو الفخ كله مستخبي في الكلمة دي.. “أنتِ مش غريبة”! الكلمة اللي بيلفوها في ورق هدايا عشان يبتزوا بيها مشاعرك ويدوسوا على كرامتك. يعني لازم أضحي بكل حاجة نجحت فيها، وأرمي في الزبالة شقا وتفاصيل حياتي ونجاحي اللي بنيته طوبة طوبة في عشر سنين، لمجرد إن كل ده بنظر الأستاذ كريم عبارة عن شوية “ضجيج في الخلفية” ملوش أي لزمة قدام راحته وراحة الست والدته.
قعدت قدامه على الكرسي ومسكت فنجان القهوة.. القهوة كانت لسه سخنة مولعة ولسعت صوابعي جامد، بس اللسعة دي فوقتني، خلت عقلي يشتغل زي المكنة. بلعت ريقي وقلت له: — “تمام.. سيبني أفكر شوية.”
رد ببرود وهو بيرجع يثبت عينه في الموبايل تاني ولا كأني بني آدمة قاعدة قدامه: — “هتفكري في إيه يا بنتي وتضيعي وقتنا؟ اخلصي واكتبي استقالتك وبكرة الصبح قدميها في الشركة، والـ 15 يوم بتوع إخلاء الطرف دول يقضوكي ويسحبوكي لحد ما أمي تشرف يوم الإثنين.. الموضوع انتهى وقفلنا السيرة دي!”
في اللحظة دي بالذات، الغشاوة شالت من على عيني واتضح لي كل شيء. الراجل ده مقتنع وعنده يقين أعمى إني هتنحنح وهوافق وهنفذ أوامره العسكرية من غير أي نقاش، لمجرد إني مراته وده المكتوب عليا في قسيمة الجواز!
هديت خالص، ورسمت على وشي ابتسامة صفرا، وقلت بصوت ناعم زي الشربات: — “طبعاً يا حبيبي.. اللي تشوفه.”
من كتر ما هو واثق في نفسه وفي خضوعي، حتى مالحظش نبرة السخرية والسم اللي بيقطر من صوتي!
تاني يوم في المكتب، كنت عاملة زي الزومبي، مش قادرة أركز في أي ورق قدامي. حضرت الاجتماع الكبير، هزيت راسي وبصيت في التصميمات بتاعة الحملة الإعلانية الجديدة وناقشتها بآلية.. بس كلامه المستفز “شغلك يقدر يستنى” كان عمال يضرب في دماغي زي الشاكوش.
أمل، نائبتي وشاطرة جداً، لاحظت وشي المخطوف، قربت مني وسألتني بقلق: — “ليلى.. أنتِ بخير؟ شكلك تعبان أوي النهاردة.” تنهدت وقلت لها بخنقة: — “شويه مشاكل في البيت يا أمل.. متقلقيش.”
على آخر اليوم، كانت الخطة كملت واستوت في دماغي صح. هي اه مش أنبل حاجة في الدنيا، بس هي دي “العدالة” بعينها. طالما جوزي العزيز عايز يلعب معايا لعبة دنيئة رأيي فيها ملوش أي قيمة ولا وزن، يبقى أنا اللي هحط قوانين اللعبة دي، واللعب بقا على المكشوف بس في السر!
رحت خبطت على مكتب مدام ميرفت، المدير التنفيذي للشركة.. ست حوت وبتاعت سوق وفاهمة الدنيا. دخلت وقلت لها: — “مدام ميرفت، أنا محتاجة أتكلم مع حضرتك في موضوع خاص جداً.. ومحتاجة مساعدتك.”
قعدت وحكيت لها كل حاجة من طقطق لسلام عليكم.. الجواز، الحماة، والإنذار الإجباري اللي كريم ادهوني. وبعدين حطيت ورق الخطة قدامها وقلت: “أنا محتاجة إجازة بدون مرتب.. شهرين مثلاً. رسمياً قدام كريم أنا قدمت استقالتي وقاعدة في البيت، بس فعلياً أنا في الشغل وموجودة وبتابع كل حاجة من اللاب توب ومن البيت في الوقت اللي هيكون هو برة فيه، ولو جوزي اتصل بالشركة في أي وقت أو حب يتقصى ورايا، لازم يتقال له من خدمة العملاء أو السكرتارية إني استقلت فعلاً ومشيت.”
مدام ميرفت ضحكت من قلبها، وبصت لي بنظرة إعجاب وقالت: — “ليلى، أنتِ ذكية أوي.. عايزة تدي درس محترم للديكتاتور الصغير بتاعك ده؟” هزيت راسي وقلت: “حاجة زي كده بالظبط.” وافقت فوراً بس بشرط واحد: “تخلصي الشغل المطلوب منك وارجع لك بعد شهرين استلم ميعادي ومكاني.”
رجعت البيت يومها وأنا حاسة بنشوة انتصار داخلي مريحة أوي. كريم كان قاعد في الصالة كالعادة بكرشه وموبايله، وأول ما دخلت وقلت له بوش خايب إني استقلت خلاص ومديرة الموارد البشرية لفتت نظري، عينيه لمعت بفرحة غريبة وانتصار مقرف، وكأنه كسب معركة حربية وكسر مناخيري.
يا حبة عيني.. ميعرفش إن الحرب الحقيقية لسه هتبدأ، وإن دي مجرد الهدنة!
يوم الإثنين الصبح، الساعة دقت تسعة، والحاجة سناء وصلت. طبعاً دخلت من باب الشقة وهي ساندة بكل ثقلها على عكاز خشب، ووشها عاقد الكشرة وبتمثل دور الضحية المريضة المسكينة اللي بتموت. كريم بص لي بنظرة تحدي مسمومة، عينيه كانت بتقول: “وريني بقى شطارتك يا ست ليلى يا بتاعة الملايين!”
ابتسمت له بمنتهى الهدوء والبرود اللي في الكون، وقربت من حماتي وأخدت منها الشنطة وقلت بنبرة تقطر حنية: — “من عيني الجوز يا كريم.. الحاجة سناء دي في مقام أمي بالظبط، وشيلتها في عيني!”
وبدأت الخطة.. الخطة اللي مفيهاش غلطة، واللعب كله بقوانيني أنا!
أولاً: الرعاية الطبية الخانقة صحيتهم كلهم الساعة 6 الصبح، واليوم لسه بيفتح عينيه. دخلت أوضة الحاجة سناء، ورزعت الشيش فتحته على الآخر عشان نور الشمس يضرب في عينيها، وقلت بصوت عالي كله نشاط مستفز: — “يلا يا ماما.. صح النوم! لازم تمارين الصباح حالاً عشان الدورة الدموية تشتغل، الدكتور قال مفيش نوم بعد الفجر خالص للناس اللي في سنك!” الست كانت هتموت وتنام وتغطي وشها باللحاف، وتبرطم بكلمات مش مفهومة، بس أنا كنت مخلصة جداً وعندي ضمير يزهق بلد.. شديت من عليها الغطاء بابتسامة بريئة ووقفتها بالعافية!
ثانياً: الميزانية الناشفة على الضهر، كريم جاع وطلع الموبايل وقال بكسل: “ليلى، أنا هطلب غدا دليفري عشان مش قادر.” بصيت له ببرود ولهجة حازمة تخرس: — “لا يا حبيبي.. مفيش ميزانية للكلام الفاضي ده خالص! أنت ناسي إني سبت شغلي بطلب منك؟ القرشين اللي فاضلين في البيت لازم يروحوا لأدوية ماما وللأكل الصحي المسلوق.. من النهاردة مفيش في البيت ده غير خضار سوتيه من غير ملح ولا سمنة عشان ضغط الحاجة ما يعلاش، وإحنا هناكل معاها تضامناً مع مرضها.” كريم بص للقمة اللي في إيده بحسرة تكسر القلب، وبلع ريقه بصعوبة بس مقدرش ينطق بحرف.. مش هو اللي بغبائه وبجاحته عايزني أقعد بيها وأسيب شغلي؟ يشرب بقى!
ثالثاً: الاهتمام الزايد عن اللزوم (الزن القاتل) كل ما كريم يحاول يهرب من نكد البيت، ويقعد في الصالة يشتغل أو يمسك الموبايل يقلب فيه، كنت بطلع له زي العفريت وأقطع خلوته كل خمس دقائق: — “كريم.. تعالى بسرعة شيل مامتك ودخلها الحمام!” — “كريم.. سيب اللي في إيدك، مامتك قعدت لوحدها وعايزة تحكي لك ذكرياتها وهي صغيرة في طنطا.. اسمعها ده بر برضه!” — “كريم.. مامتك محتاجة حد يدهن لها رجلها بمرهم المفاصل اللي ريحته تِفطس دلوقتي حالااً.. ادهن لها أنت عشان عيب أنا أعمل كده وأنت موجود!”
بعد أسبوع واحد بس.. البيت اتقلب وبقى عبارة عن معسكر حربي مغلف بابتسامة الكنة المثالية المطيعة. كريم مابقاش عارف يهرب فين ولا يداري وشه من طلبات أمه وطلباتي، والحاجة سناء نفسها بدأت تمل وتتخنق من نظامي الصارم واهتمامي اللي كتم أنفاسها وحبسها في السرير!
وفجأة.. القنبلة اأفجرت، والحاجة سناء جابت آخرها! رميت العكاز في الأرض بغل وزعقت بصوت هز جدران الشقة: — “خلاص يا ليلى! حرام عليكي.. أنا مش عاجزة ولا بموت! ده كان كسر بسيط في قصبة الرجل وخفيت وبقيت زي البمب خلاص! أنا لا طايقة أكلكم المسلوق اللي يقطع الخميرة من البيت، ولا طايقة تمارين الفجر والمنبه اللي بيصحيني مع الفراخ، ولا عايزة حد يدهن لي رجلي بالزفت ده كل ساعة! أنا لمت شنطتي وراجعة بيتي ومطرحي هناك.. آكل اللي أنا عايزاه، وأنام براحتي من غير ما حد يطير النوم من عيني!”
كريم اتخض وحاول يهديها ويحب على إيدها: “يا أمي استهدي بالله بس، ليلى بتعمل كده عشان مصلحتك..” لكن الست كانت قفلت وجابت جاز خلاص.. لمت حاجتها، ونزلت وركبت تاكسي ومشيت في نفس اليوم!
قعد كريم على الكنبة بعد ما الباب اتقفل، وبص حواليه.. منظر بيته وحياته كان مكركب، ونفسيته في الأرض من الطحن والزن والتقشير اللي عاشه أسبوع كامل. بص لي بنظرة انكسار وندم حقيقي، وقال بصوت واطي ومكسور: — “ليلى.. أنا كنت غبي، وأنانت مبعرفش أفكر.. أنا اللي قررت بدالك، وأجبرتك تسيب مستقبلك وشغلك عشان تخدمي أمي، وما سألتكيش أصلاأ أنتِ ظروفك إيه ولا حابة إيه.. أنا آسف يا ليلى، ياريتك ما كنتِ سمعتي كلامي وكنتِ لسه في شغلك دلوقتي.”
بصيت له بمنتهى الهدوء والبرود، رفعت فنجان القهوة بتاعي، شربت منه بق بتمهل، وقلت له وعيني في عينه: — “كريم.. عندي ليك خبر.”
بص لي بقلق ووشه جاب ألوان: — “إيه تاني؟ يسترها ربنا..”
— “أنا مستقلتش يا حبيبي.”
كريم اتصدم صدمة عمره، لدرجة إن الموبايل اتزحلق من إيده وكان هيقع على الأرض، وبلم بقوة: — “يعني إيه؟! أنتِ مش ورتيني ورقة الاستقالة؟!”
— “يعني أنا أخدت إجازة بدون مرتب لمدة شهرين، واتفقت مع مديرة الشركة وكل زمايلي يقولوا إني استقلت ومشيت لو أنت فكرت تسأل ورايا.. كان لازم تعيش التجربة دي بنفسك يا كريم، كان لازم تتدبس في العيشة دي وتعرف إن محدش ليه الحق يقرر حياة حد تاني، ولا يفرض عليه يضحي بكيانه ومستقبله تحت مسمى “المفروض والواجب” وهو قاعد بيتفرج.. الدرس وصلك؟”
كريم سكت فترة طويلة جداً، وبص لي بذهول وعيونه مليانة كسوف من نفسه بعد ما استوعب اللعبة الذكية اللي اتعملت عليه. وفي الآخر، هز راسه بالموافقة وهو باصص في الأرض، وعارف إن مراته مش سهلة، وإن كرامتها خط أحمر.
تمت
