ضرتي الجديدة بقلم نرمين عادل همام

ضرتي الجديدة بقلم نرمين عادل همام

كان المفروض الليلة دي تكون ليلة مثالية بكل المقاييس.. ليلة دافية، هادية، وبتجمع شمل العيلة زي ما اتعودنا كل سنة. بقالي أسابيع عمالة أرتب وأحضر في كل تفصيلة بنفسي؛ نزلت سوق الورد واخترت الياسمين الأبيض اللي ريحته بتملا المكان، طلبت الأكل المخصوص اللي الكل بيحبه ويطلبوه بالاسم، وعلقت الزينات المضيئة في الجنينة بإيدي علشان تدي بهجة للمكان. كان العشا السنوي ده مش مجرد قعدة، ده كان عادة عائلتنا المقدسة، اللحظة اللي بنلم فيها الشمل ونحتفل بسندنا لبعض ودفانا سوا.

وبعدين.. وصل جوزي، كريم. بس مكنش لوحده.

كان ماسك في إيده ست غريبة، واقفة جنبه ولابسة فستان أحمر صارخ يخطف العين وسط هدوء المكان، وحاطة إيدها براحة وثقة مبالغ فيها على بطنها اللي بدأت تدور وتكبر بشكل واضح. الصدمة اللي لجمت الكل مكنتش عشان حلاوتها أو فستانها.. لا، دي كانت عشان إيد كريم نفسه، اللي كان حاططها بفخر وبشكل مستفز على بطنها، وكأنه واقف بيقدم للدنيا كلها أهم وأكبر إنجاز عمله في حياته.

الكل سكت فجأة.. الصوت اتقطع تمامًا، الشوك والسكاكين وقفت في الهوا وهي متعلقة بين الأطباق، حتى الهوا في الجنينة حسيت إنه اتجمد. أبويا ملامحه اتمطت من الذهول، وبص لـ كريم وهو مش مصدق، وكأنه كان هيروح فيها من كتر المفاجأة وضغط الدم اللي علي فجأة.

وزي عادته، حب كريم يكسر السكوت والجمود ده بثقة مريضة هزت أركان المكان، وهو بيبصلي في عيني مباشرة من غير ما يرمش: — عايز أعرفك على ضرتك الجديدة، دينا.. الإنسانة اللي حبتها واخترتها ولازم الكل يتقبلها لأنها شايلة ابني في بطنها، وحسيت إن الوقت جه خلاص عشان العيلة كلها تعرفها وتتعرف عليها.

كلماته دخلت قلبي زي السهم المسموم.. جرحت كبريائي قدام أهلي. لكن، في سري.. كنت عارفة. تأخيره اللي بيكتر كل شوية وحججه البايخة، سفراته لشغل وهمي اللي بتيجي فجأة في نص الأسبوع، المكالمات اللي كان بيرد عليها بنبرة واطية وهو بيوشوش ويهرب بعيد عني في البلكونة.. كنت عايشة بقالي فترة طويلة على حافة الاكتشاف ده، خايفة ومتوجسة من اللحظة اللي كل شكوكي وظنوني فيها هتحول لحقيقة ملموسة قدام عيوني.

ومع كدة.. منهار تش. مصرختش، مبكيتش، وموقعتش على الأرض. بل بالعكس، رفعت راسي بثبات ويقين قوي. عشان أنا، على عكسه تمامًا، كنت مستعدة ومأمنة نفسي كويس أوي.

المظروف الأبيض السميك اللي محطوط قدامي على الترابيزة.. مكنش فيه ورق طلاق أو تنازل زي ما الكل كان متوقع في اللحظة دي.. لا, ده كان فيه حاجة ثانية خالص، حاجة أشد قسوة وأصعب بكتير على راجل في حجم أنانيته.. س…لاح قاطع، قادر إنه يمزق كل أوهامه وأحلامه في لقطة واحدة ويهد المعبد على اللي فيه. كان فاكر بعقليته الصغيرة إنه هيذلني، إنه هيفضحني ويكسرني قدام أهلي، ويخليني أحس إني مجرد زوجة قديمة ممكن استبدالها وتربيتها بسهولة.

بس الليلة دي.. مش هتمشي زي ما خطط ليها أبدًا. مش هسيبها تمشي زي ما رسم في خياله المريض خالص.

فضل كريم واقف، ماسك دينا وجنبها، عمال يشدها عليه أكتر ويعدل إيده على بطنها ليرينا حملها ويأكد الفكرة، ومبتسم بثقة عميا وعامل فيها بطل تراجيدي داخل يعلن انتصاره الساحق قدام الكل. حماتي كانت أول واحدة تفوق من الصدمة، ونطقت وصوتها بيرتعش من الذهول والخوف من رد فعل أبويا: — كريم يا ابني! إيه الكلام الفارغ اللي بتقوله ده؟ إنت اتجننت؟

شد دينا ناحيته أكتر وكأنه بيحتمي فيها، وقال بنبرة مليانة تحدي وعناد: — الكلام ده معناه إني مبقتش عايز أمثل دور مش دوري تاني خلاص.. دينا مراتي شرعًا وهي حامل مني في ابن أحلامي. وأنا من حقي أكون مبسوط وأعيش حياتي بالطريقة اللي تعجبني!

كلمة “مبسووط” دي لفت ورنّت في الصالة كلها، عملت صدى صوت مستفز، بس جوايا أنا.. طلعت ضحكة صامتة. مش ضحكة فرح ولا شمتة لأ، دي كانت ضحكة باردة جدًا.. زي البرود اللي بيصيبك لما الحقيقة بتبان كاملة قدامك فجأة بوضوح ملوش مثيل، ومتبقاش محتاج تسأل نفسك هو أنا مكبرة الموضوع ولا بتهيألي؟

أبويا حط كوباية الشاي على الترابيزة بهدوء زيادة عن اللزوم يقلق، هدوء ما قبل العاصفة. أمي بصّت لي من طرف عينها، ووشها خطفه اللون وبقى شاحب كأنها مستنية مني أنهار في أي لحظة، أو أقوم أترجاه يرجع لي وميتخلاش عني، أو أجري أستخبى في الحمام وأنا مكسورة ودموعي مغرقاني من الفضيحة.

بس أنا معملتش أي حاجة من دي خالص.

ضرتي الجديدة بقلم نرمين عادل همام

مسكت المنديل القماش المطرز اللي كان محطوط على رجلي، ومسحت طرف شفايفي بمنتهى الهدوء والبرود اللي في الدنيا، وقمت وقفت على طولي بكبرياء هز ثقته في نفسه للحظة.

بصيت له وقولت:

 — عندك حق يا كريم.. قلتها بنبرة هادية ورزينة لدرجة خلت كذا حد من قرايبنا يلف ويبص لي باستغراب وذهول، 

وتابعت: — التمثيل ملوش أي لازمة ولا عازة الليلة دي فعلاً.. كفاية تمثيل لحد كدة.

لمحت لمعة انتصار مريضة وخبيثة في عينه، افتكر إني بسهل الموضوع عليه وبستسلم وبرفع الراية البيضاء من أول جولة. حتى الست اللي معاه، دينا، رفعت راسها لفوق شوية، بفخر وغرور، وكأنها شايفة إنها خلاص انتصرت وخدت مكاني في البيت وفي قلب الراجل. مسكينة.. مكنتش فاهمة إن الكرسي نفسه اللي هي طايرة بيه مكنش هو الجايزة اللي تستاهل تتباهى بيها، ومكنتش تعرف المستنقع اللي هي رميت نفسها فيه.

الظرف الأبيض كان لسه قدامي على الترابيزة، محطوط جنب كوباية المية اللي ملمستهاش من ساعة ما قعدنا. مدّيت إيدي ومسكته بين صوابعي ببرود قاتل.

سحبت نفس طويل وكملت كلامي: 

— كنت ناوية أستنى لحد ما نحلي والعشا يخلص.. بس بما إنك قررت من أولها تخلي العشا ده عرض رسمي ومسرحية رخيصة قدام الكل، يبقى الأحسن والأنسب إن كلنا نتعرف على الضيف الحقيقي والمميز بتاع الليلة دي.. نتعرف على الحقيقة كاملة.

كريم حواجبه عقدت وبانت عليه علامات الضيق والزهق وقال بنبرة حادة: — يا إيمان، بلاش تعملي مشاكل وتفرجي علينا الناس وتخربي الليلة.. الموضوع خلص خلاص.

بصيت له وكنت مستغربة بجد من كمية التناقض والتبجح اللي هو فيه! الراجل اللي جايب مراته الجديدة وهي حامل، وفاتح الموضوع كله بقلة ذوق وكسر خاطر قدام العيلة كلها، جاي بكل برود بيقولي أنا أهدى ومعملش مشاكل؟

ابتسمت ابتسامة خفيفة، وقربت منه خطوة وأنا برفع المظروف في وشّه وقولت: — متقلقش خالص يا كريم.. المشكلة مش أنا اللي بدأتها ولا أنا اللي عملتها.. أنا بس جبت الورق والتحاليل الطبية اللي تثبتها وتكشف اللعبة كلها للكل.

طلعت شوية أوراق من الظرف، وبحركات بطيئة ومدروسة حطيت نسخة قدام أبويا، وبعدين نسخة قدام أمي، وبعدها مديت إيدي بورقة تالتة لوالدة كريم، اللي كانت إيديها بتترعش بعنف وهي بتاخدها مني وعينها بتتنقل بيني وبين ابنها.

— “إيه ده يا بنتي؟” سألتني بصوت واطي ومبحوح، مليان بالخوف من اللي جاي.

بصيت لـ كريم بنظرة خالية من أي مشاعر وقولت: — “دي الحاجة اللي كان المفروض ابنك كريم يفكر فيها كويس ويحسبها صح، قبل ما يتجرأ ويستخدم بيتي عشان يحتفل بطريقته القذرة دي.”

كريم ملامحه اتقبضت، وقرب مني خطوة وهو بيجز على سنانه بغضب أعمى: — “إيمااان!”

بصيت له في عينه مباشرة، وطلعت الكلمة من بين شفايفي بلهجة آمرة، حازمة، وثابتة لدرجة تخوف: — “اقعد مكانك.”

معلّيتش صوتي، ولا صرخت، ولا انفعلت؛ مكنش فيه أي داعي لكل ده، لأن القوة الحقيقية كانت في الورق اللي بين إيدي. ولأول مرة من يوم ما عرفته، شفت لمعة التردد والخوف الحقيقي في عينه. مقعدش، بس في نفس الوقت مكنش عنده الشجاعة إنه يقرب خطوة تانية ناحيتي.

في اللحظة دي، أبويا مسك أول ورقة، قرا سطرين اتنين بس، وفجأة ملامح وشه اتغيرت تماماً والدم هرب من عروقه. بص للورق وبصلي وهو مش مصدق: — “إيه ده؟! الكلام ده صح؟!”

أمي شدت ورقة ثانية من قدامها وقرتها بسرعة، وصوتها طلع مخنوق ومصدوم: — “مستحيل.. مش ممكن يعمل كدة!”

دينا بصّت لكريم بتوتر وخوف حقيقي بدأ ينهش ثقتها، وهو حاول يبتسم بتصنع غبي عشان يلم الموضوع ويداوي كبريائه اللي بيتهد، بس كان باين إن وشه مشدود، عرقان، ومرعوب من جوا. التفت لي وقال بصوت متحشرج: — “إنتي عملتي إيه يا إيمان؟”

بصيت له ببرود قاتل، وسحبت كرسي وقعدت وحطيت رجل على رجل: — “شغلي.. عملت شغلي مش أكتر.”

ضرتي الجديدة بقلم نرمين عادل همام

طلعت ملف تاني من قلب الظرف، مكنش سميك، كان أرفع شوية ولونه فاتح. سندت ضهري لورا وقولت: — “من تلات شهور.. لما لقيت رسايلك ليها، وجيت واجهتك، وقلت لي يومها بمنتهى البجاجة وعينك مكسورة: (أنا بحبها ولازم ننهي كل حاجة بينا).. أنا مدخلتش معاك في نقاش، ولا فتحت معاك خناق، ولا نزلت لدموع الستات اللي كنت مستنيها.”

سكت لحظة كاملة، وكنت بستمتع بكل ثانية وهو بينهار فيها قدامي، ملامحه كانت بتتفكك زي بيت الرعب، وكملت: — “لأني فهمت حاجة مهمة أوي وقتها.. إنت مكنتش بس عايز تسيب الجوازة وتطلق عشان تروح لحب حياتك.. إنت كنت عايز تخرج من هنا وتاخد معاك حاجة غالية أوي، حاجة مش من حقك ولا عمرها هتحقلك.”

رفع دقنه لفوق في محاولة يائسة وبائسة يبان فيها قوي، وقال بتوتر مفضوح للكل: — “أنا مش فاهم إنتي بتحوري وتتكلمي عن إيه أصلاً! إيه الألغاز دي؟”

بصيت له بثبات يهد جبال ويخرس أي لسان: — “لأ.. إنت فاهم كويس أوي أنا قصدي إيه.”

ورفعت ورقة من اللي في إيدي لفوق، في نص الصالة، عشان الكل يشوفها ويقرا العناوين المطبوعة عليها. الأوراق مكانتش كتير كعدد، بس كانت كفاية أوي وزيادة عشان توديه ورا الشمس.

— “كان فيه حاجات غريبة وبتحصل في الشركة بقالها فترة طويلة وأنا ومجلس الإدارة بنراقبها.. فواتير منفوخة على الفاضي وأرقامها خيالية، فلوس مدفوعة بانتظام لناس محدش في السوق كله يسمع عنهم ولا يعرفهم، مصاريف تسويق وتطوير ملهاش أي لازمة ولا عائد على أرض الواقع.. ومن ساعة ما الست دينا دي ظهرت في حياتك، الحاجات دي أرقامها بقت أضعاف الأضعاف.”

دينا جمدت مكانها تماماً، وفستانها الأحمر الصارخ ملقاش أي لون في وشها يغطيه بعد ما الدم هرب منه. لفت راسها بتلقائية وقالت بصوت مرعوب: — “أنا.. أنا مش اسمي فيفي!”

ابتسمت ببرود وهدوء يغيظ المستفز، وهزيت راسي: — “طبعًا لأ.. النهارده ودلوقتي قدام العيلة اسمك دينا، الست الشريفة اللي حامل في ابن أحلامه. بس في قسم التسويق بره، وفي العقود الرسمية كنتِ مسمية نفسك فيفي. وعند المورد الوهمي (كونسبتو أوربانو إم إكس) كنتِ قريبة المدير وواخدة عمولات ونسب ثابتة تحت الترابيزة.. وبالنسبة لكريم، واضح إنك كنتِ المستقبل المشرق بفستان أحمر وبطن مثالية.”

الصمت نزل على الصالة فجأة زي الصاعقة.. صمت مرعب لدرجة إن نفوسهم بقت مسموعة. كريم بصّ لي بنظرة حادة مليانة غل وكراهية، كأنه عايز يخترقني بنظراته ويخلص عليّ بسبس عينه، وقال من بين سنانه: — “إنتي أكيد مجنونة.. ورسمي كمان!”

رديت بثقة: — “لا.. أنا جاهزة ومستعدة تماماً، ووعيت أوي قبل ما أتكلم.”

أبويا كان لسه بيقرا في الورق والتحويلات البنكية ومصدوم من الأرقام، وأمي بصالي بنظرة غريبة جدًا.. نظرة فيها خليط دافي بين الصدمة والفخر اللي كان مختفي من سنين وتاني رجع يلمع في عينها وهي شايفاني باخد حقي تالت ومتلت.

بصيت لكريم وتابعت كلامي بكل ثقة: — “بمنتهى البساطة كدة.. وقبل ما نمضي وصلات الطلاق وتعرف سكتك، أنا نقلت ملكية الفيلا دي اللي إحنا قاعدين فيها لشركة (ديزاين لاين) كأصل منفصل تماماً ومحمي قانونيًا. يعني مابقاش ليك أي حق فيها، ولا حتى شبر واحد يخصك هنا.. بس دي تقريبًا أبسط وأهيف حاجة حصلت الليلة دي.”

قمت وقفت، وحطيت ورقة تانية في إيده بغرور وقوة. هو مسكها تلقائي من الصدمة، عينه جت على الأرقام والختم اللي تحت.. قراها ووشه اصفر وازرق وبقى بكل ألوان الرعب: — “لا.. مش ممكن!”

ضحكت بوضوح: — “لأ بلى، وممكن ونص.. تدقيق مالي كامل وشامل لكل حساباتك؛ توقيعك، دخولك على السيستم بالـ IP بتاعك، رسايلك، مقابلاتك المشبوهة برا المواعيد الرسمية مع المورد الوهمي.. والأجمل بقى، والاكسسوار الأهم في الليلة دي كلها؟”

شاورت بصباعي على إيد دينا الممدودة: — “الخاتم الألماظ اللي في إيد العروسة، اللي ثمنه ٣ مليون جنيه.. أول دفعة منه اتدفعت مباشرة من حساب الشركة وتحت بند (مصاريف علاقات عامة).”

ضرتي الجديدة بقلم نرمين عادل همام

أم كريم طلع منها صوت مكتوم، شهقة عالية كأنها بتنازع وبتضيع. أبوه وقف فجأة وعروق رقبتها برزت وهو بيزعق بصوت عالي هز المكان: — “كريم! قول لي إن الكلام ده كدب ومش حقيقي! قول إنك ممدتش إيدك على شقا الناس!”

دينا —أو فيفي— رجعت خطوة لورا وهي مرعوبة، وبصت لكريم بنظرة تانية خالص بعد ما لقت المركب بتغرق بيهم: — “إنت… إنت قلت لي إن الخاتم ده من فلوسك وتعبك! من جيبك الخاص!”

كريم لف لها بعصبية وغل وعينه بتطلع شرار: — “اسكتي خالص دلوقتي! مش وقتك!”

— “مش هسكت!” صرخت في وشه بأعلى صوتها وهي بتبعد عنه وكأنه وباء: “إنت قلت إن كل حاجة متظبطة ومأمنة تماماً، وإنها مجرد اسم على الورق وخلاص ومحدش هيكشفها، وإنك إنت اللي ماسك كل حاجة في إيدك والشركة دي بتاعتك إنت!”

همهمة خفيفة ومرتبكة انتشرت وسط الموجودين كلهم في المكان؛ نظرات مذهولة، وهمسات مسمومة بدأت تنهش في كبرياء كريم الواهي. 

ابتسمت بسخرية وشماتة خفيفة كنت دارياها ورا برودي؛ أهو الجشع والطمع دايمًا بيكشف صاحبه لوحده في الآخر مهما استخبى ومهما دارى، الحقيقة ليها صوت عالي مبيتمسحش.

أخويا الصغير، اللي كان قاعد ساكت طول الوقت ومنعزل بيتفرج على المسرحية دي وعينه بتلمع، ضحك فجأة ضحكة ناشفة، عالية ومستهزئة قطعت الوشوشة: — “جايب مراته الجديدة يعلن حبه ويفاخر بيها بخاتم ألماظ متدفع من فلوس الشركة؟! مستوى واطي ومحترم جدًا بصراحة يليق بيك.”

كريم بص له بحدة وعينه بتطق شرار ووعد ووعيد، لكنه مكنش في موقف يسمح له حتى بالرد. كملت كلامي بمنتهى الثبات وأنا ببص في ساعة إيدي ببرود قاتل: — “الساعة ٧ النهارده بالظبط، المحامي بتاعي قدم بلاغ رسمي وموثق للنيابة بتهم احتيال إداري، وخيانة أمانة، واختلاس أموال عامة وخاصة، وتزوير توقيع إلكتروني.. ومش بس كدة، البنك المركزي والنيابة ومجلس الإدارة اتبلغوا رسمياً بكل تفصيلة وبالمستندات اللي قدامكم دي.”

أول ما نطقت الكلمتين دول، إيده سابت الورق من الصدمة وكأنه اتهز بصعقة كهربائية، والورق وقع مبعثر على الترابيزة. بلع ريقه بصعوبة وقال بصوت مهزوز بيحاول ينكر بيه الواقع: — “إنتي مش هتعملي كده.. مش هتقدري تخربي بيتك بإيدك.”

طلعت موبايلي من شنطتي بهدوء، فتحته، ولفيت الشاشة ووريته الرسالة الرسمية اللي وصلتني على تليفوني: — “البلاغ اتقبل ومشي في الإجراءات القانونية خلاص، والحسابات البنكية بتاعتك وبتاع الشركات كلها اتجمدت من نص ساعة.”

بصيت له بثبات وتحدي خلاه يصغر أكتر: — “أنا عملت كده فعلاً وخلصت.. اللعبة انتهت يا كريم.”

وشه بقى فجأة فاضي وخالي من أي تعبير غير الرعب الخالص؛ في لحظة واحدة، اختفى الشخص الواثق من نفسه، اللبق والمقنع اللي كان داخل يهد الدنيا، ومبقتش شايف قبالي غير راجل متوتر، مرعوب، ومحاصر بالحقيقة العارية من غير أي غطا.

أبوه قعد على الكرسي تقيل ومهموم، وحاطط إيده على راسه ومش قادر يرفع عينه في عين أبويا، وأمه بدأت تعيط بكسرة وتلطم على صدرها: — “يا ابني! عملت إيه في نفسك وفينا؟ وديتنا في داهية وجمعت علينا الفضيحة!”

حاول كريم يتمالك نفسه للمرة الأخيرة ويصطنع قوة متهالكة، وزعق بصوت مبحوح وهو بيلف يكلم أهلي: — “ده كله كدب وتلفيق! هي بتلفق لي التهم دي وتزور الورق عشان مش قادرة تستحمل صدمة إني سيبتها واتجوزت عليها وبحب غيرها! دي غيرة ستات!”

الجملة دي عدت عليا بهدوء وبرود غريب، لدرجة خلتني أحس بشفقة وسخرية خفيفة.. مش عليه طبعاً، على ضعف وقلة حيلة المحاولة الهبلة دي عشان يخلص نفسه من حبل المشنقة اللي لفّه حوالين رقبته بإيده.

بصيت له وقلت بهدوء شديد، الهدوء ده بالذات هو اللي نرفزه وعصبه أكتر ووّلع النار جواه: — “كريم.. إنت جبت مراتك الجديدة الحامل على عشا عيلتي وفي بيتي اللي من شقايا، عشان تجرحني وتكسر عيني قدامهم وتاخد لقطة انتصار وهمية.. أقل حاجة كنت ممكن تعملها دلوقتي وأنت بتتفضح، إنك تطلع من الموقف ده بشكل أذكى وأشيك من كده بكتير، بدل الرخص ده.”

دينا بصّت للخاتم الألماظ اللي في إيدها كأنه بقى جمرة نار، بقى تقيل فجأة عليها وعايزة تخلص منه في ثانية. — “احتيال؟!” همست لنفسها برعب حقيقي وهي وشها جايب ألوان، “إنت دخلتني في مصيبة وموضوع كبير زي ده؟!”

حاول كريم يقرب منها ويمسك دراعها عشان يهديها ويثبتها، بس هي سحبت إيدها بنفور ونفضتها بسرعة كأنها اتلمست من أفعى مسمومة. الحركة دي فاجأتني شوية بصراحة؛ مش علشان هي قوية وبتقدر تدافع عن نفسها أو عندها مبدأ، بس علشان دي كانت أول مرة في حياتي أشوف حد يسيب كريم وينفض له ويغدر بيه، قبل ما هو اللي يسيب ويغدر كعادته مع الكل.

في اللحظة دي، أبويا قام وقف ببطء، وبهدوء تقيل يوزن بلد كاملة. أبويا مش من النوع اللي بيتكلم كتير أو بيحب الزعيق، بس لما بنطق.. الكل لازم يحط جزمة في بقه ويسمع باحترام. بص لكريم بنظرة كلها احتقار وقرف، ونطق بكلمات حاسمة زي السيف: — “قدامك دقيقتين بالظبط تخرج من البيت ده ومن الجنينة دي، قبل ما أطلعك بإيدي مرمي برا على الرصيف.”

كريم اتكلم بلهجة مهزوزة ومستعطفة: — “يا فندم اسمعني بس.. الموضوع فيه سوء تفاهم…”

ضرتي الجديدة بقلم نرمين عادل همام

— “ما تنادينيش كدة واخرس خالص!” أبويا قطع كلامه بحدة وصوت جهوري وهو بيشاور بصوابعه على الباب الخارجي: “إدّيناك لقمة، وعيلة، وثقة، واعتبرناك واحد مننا وصونّاك، وإنت فاكر إنك بكل بجاحة تيجي ترمي قذارتك دي في وشنا وتمشي عادي؟! اطلع بره!”

أم كريم انهارت تماماً وبقت تشهق من العياط والكسرة، ولفت عليا وهي بتترجاني: — “سامحينا يا إيمان يا بنتي.. والله العظيم ما كنا نعرف حاجة عن عمايله السودا دي ولا عن جوازه!”

بصيت لها ولأول مرة من سنين، مكنتش شايفاها شريكة في اللي عمله أو قاصدة تؤذيني، كنت شايفاها مجرد ست ضعيفة متعودة تغمض عينيها وتسيب غيرها يسوق حياتها ويوديها في داهية وهي راضية. قلت لها بأسى ونبرة صافية: — “أنا عارفة إنكم مكنتوش تعرفوا.. ودي في حد ذاتها أكبر مشكلة.”

كريم هنا فقد أعصابه تماماً بعد ما لقى كل الأبواب اتقفلت في وشه، وخبط بإيده بكل غل وعصبية على الترابيزة لدرجة إن الأطباق اتهزت: — “الموضوع مش هيخلص بالبساطة دي يا إيمان! مش هسيبك تخربيني!”

بصيت له في عينه مباشرة، ومكنتش حاسة بأي ذرة مشاعر ناحيته في اللحظة دي؛ لا حب، لا كره، لا غضب، ولا حتى حنين لأيامنا القديمة سوا. هدوء غريب ونظيف سكن جوايا، زي الهدوء اللي بييجي بعد عاصفة مرعبة دمرت كل حاجة قديمة ومغشوشة، وبقت الأرض مستوية وفاضية تماماً.. الهدوء اللي بتفهم فيه وبتتأكد إنك مبقتش الشخص الضعيف اللي دخل العاصفة دي من أساسه.

— “لأ يا كريم.. الموضوع خلص فعلاً، وبالشكل ده بالظبط.” وقفت بثبات وكملت: — “لا بيت، ولا شركة، ولا مليم واحد من فلوس الشغل هتقدر تلمسه، وفوق كل ده بلاغ في النيابة مفتوح ومستنيك على الباب بره.. وأنا، هقعد أكمل أكلي عادي جداً مع عيلتي.”

الكلام خرج مني ببرود وتلقائية أنا نفسي استغربتها، مكنتش رغبة مريضة في الانتقام، كانت مجرد حقيقة واقعة وعدالة بتتنفذ. أمي طلعت نفس خفيف، حاجة كدة ميكس بين التنهيدة والضحكة المتوترة من الصدمة، كأنها مش مستوعبة إزاي الدنيا اتقلبت في ثانية واحدة من انكسار لانتصار ساحق ليا.

أبويا قرب خطوة واحدة تقيلة ومخيفة من كريم.. والخطوة دي كانت كفيلة تنهي الحوار والنقاش كله. كريم رجع لورا بخوف وخطوات مرتعشة. ولأول مرة من يوم ما اتجوزته، شفت في عينه حاجة غريبة وجديدة عليه؛ مش غرور، ولا عصبية، ولا تبجح.. شفت رعب حقيقي. رعب الراجل اللي فهم متأخر أوي إنه مخسرش مجرد ست طيبة كانت بتحبه وبتستحمله، ده خسر السند والغطا وكل حاجة كانت سانداه وموقفاه على رجليه في الدنيا.

دينا قلعت الخاتم بعنف من صباعها، ورمته على الترابيزة بصوت معدني رن في المكان كله، الخاتم وقع واتدحرج لحد ما وقف جنب الورد الأبيض اللي أنا كنت مختاراه الصبح بكل حب، ومكنتش أعرف وقتها إنه هيشهد على ليلة سقوطهم. بصت له بزعيق وقالت: — “أنا مش جاية معاك في حتة! مش هضيع نفسي عشان واحد حرامي!”

كريم لف لها بذهول وعصبية وهو مش مصدق إنها بتتخلى عنه في أول محطة: — “بعد كل اللي عملته عشانك؟! بتبيعيني؟!”

ضحكت دينا ضحكة مكسورة، مليانة سخرية ومنطقية قاسية وقالت وهي بتبعد عنه: — “عشاني؟! ده حتى الفلوس اللي كنت بتصرف منها عليا وتعمل بيها بطل طلعت مش فلوسك ومسرقة! أنا مش هربط اسمي واسم ابني بواحد رايح السجن!”

الجملة دي بالذات كانت رصاصة الرحمة اللي نهت كل حاجة.. مش بس عشان جرحت رجولته وكبريائه في مقت..ل لأ، عشان كشفت كدبه وضلاله عاريين قدام الكل. كل التمثيل، والمنظرة، والصورة المنفوخة الكدابة اللي كان راسمها لنفسه طول السنين اللي فاتت وقعت واتفصصت في ثانية واحدة قدام عينه. الحقيقة المرة والصادمة مخرجتش مني أنا المرة دي عشان يقول غيرة ستات، دي خرجت من بق أقرب حد ليه، من الست اللي جابها بنفسه عشان يكسرني بيها.

أبويا مضايرش وقت، ونادى بصوت جهوري على رجال الأمن بتوع الفيلا. دخلوا اتنين في ثواني معدودة، وقفوا على الباب بجسامة ومن غير ولا كلمة، كأنهم كانوا حاسين من الأول إن الليلة دي مش عادية ومليانة قلق. كريم بص علينا واحد واحد، عينه كانت بتلف في الصالة بقلة حيلة، كان بيدور في عينينا على أي نظرة عطف، على أي حد يقف جنبه أو يدافع عنه، أي ثغرة صغبرة ينقذ بيها نفسه من الضياع المحتوم.. ملقاش. حتى الصمت اللي كان هادي في الصالة كان ضده وبيحاصره.

مد إيده لدينا بضعف وانكسار باين، ومسك دراعها كأنه بيتشعلق في آخر قشة فاضلاله في دنيته، بس هي نفضت إيدها منه بعنف وبمنتهى القسوة والرفض.

ضرتي الجديدة بقلم نرمين عادل همام

وخرج.. خرج لوحده تماماً. من غير ولا كلمة، ولا تبرير، ولا حتى تهديد تافه من تهديداته المعتادة؛ لف ضهره وخرج وهو حاسس إن الأرض بتتزلزل وبتتسحب من تحت رجله مع كل خطوة. بعد ثواني، سمعت صوت دينا برا في الجنينة وهي بتصرخ فيه وبتجري وراه؛ يمكن كانت بتطالبه بتفسير للمصيبة اللي حطها فيها، أو بتحاول تلحق منه أي مصلحة أو قرش فاضل، أو يمكن بس أدركت واكتشفت إن رهانها عليه كان خسران ومقلي من البداية.

آخر حاجة لمحتها من مكاني، كان طرف فستانها الأحمر الصارخ وهو بيبعد ويختفي وسط الورد الأبيض اللي ملى الجنينة، وكأن الستارة السودا بتقفل أخيراً على مسرحية هزلية ورخيصة خدت وقت أكتر من حجمها.

الباب الخارجي اتقفل، وكل حاجة في المكان سكتت فجأة.. سكون تقيل بس مش فاضي، سكون مليان بزخم وتفاصيل كل اللي حصل في الليلة دي.

بصيت حواليا بهدوء؛ الترابيزة اللي قعدت أسابيع أرتب في تفاصيلها وأختار وردها وأكلها، بقت الليلة دي شاهدة على نهاية جواز مغشوش، وسقوط راجل أناني، وبداية طريق جديد ليا لسه ملامحه مش واضحة تماماً.. بس أكيد هيبقى أنضف وأرقى بكتير.

أمي كانت أول واحدة تتحرك وسط الذهول ده؛ قربت مني بخطوات بطيئة وراحة كأنها خايفة تلمسني فأنهر أو أقع. حطت إيدها الدافية على وشي بحنية وسألتني وعينها مدمعة: — “إنتي كويسة يا بنتي؟”

سؤال بسيط وصغير أوي.. بس المرة دي وجعني بجد ولمس حتة جوايا. فكرت للحظة أقول لأ.. فكرت في السنين والعمر اللي ضاعوا معاه في الهوا، فكرت في كل مرة كدبت فيها عيني وعقلي عشان أصدقه وأحافظ على بيتي، وفي كل إشارة خيانة واضحة طنشت وعديت فوقيها بس عشان المركب تمشي وماتغرقش. فكرت في الخاتم الألماظ اللي مرمي قدامي على الترابيزة وبقى مجرد حتة حديدة مصدية ملهاش أي قيمة بعد ما اتلوث بفلوس حرام، وفكرت في الإهانة والوجع اللي كان ناوي يعيشني فيهم الليلة دي.

بس في نفس اللحظة.. فكرت في حاجة تانية أهم بكتير؛ إني ماتهزمتش. إني وقفت واجهت الحقيقة المرة وعيني مرمشتش ولا خافت، إني حميت نفسي، وشغلي، وفلوسي، واسمي، واسم عيلتي بكل ذكاء. إني مكنتش الضحية الغلبانة المكسورة اللي كان راسمها في خياله المريض وجاي يتفرج عليها وهي بتبكي. وإنه لما جه بكل بجاحته عشان يكسرني.. هو اللي اتدشدش ومباقش منه مية حتة تتصلح.

خدت نفس طويل وعميق، ولأول مرة من فترة طويلة حسيت براحة غريبة ودافية بتملا صدري؛ راحة حد أخيراً قلع حمل تقيل ومهلك كان شايله على كتافه طول السنين اللي فاتت وهو مش حاسس بيه. بصيت لأمي، وبعدين لأبويا اللي كان بيبصلي بنظرة فخر، وللبيت كله، وفهمت الليلة دي إن النهاية دي مكنتش خسارة أبدًا.. دي كانت البداية الصح اللي كنت مستقياها.

ابتسمت لأمي وقولت بثبات: — “دلوقتي.. أيوة يا ماما، أنا كويسة جداً.”

تمت

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *