غدر الخيانة ج1 بقلم نرمين عادل همام

بقلم نرمين عادل همام

غدر الخيانة بقلم نرمين عادل همام

اختفت فجأة بعد ما قفشت زوجها فوق أختها الصغيرة، ومشيت من غير ما تسمع منه أي مبرر… لحد ما  لقاها بعد سنين ومعاها أولاده التوأم، ومن لحظتها مفيش طريق للرجوع…

ريحة الأوضة كانت غريبة… ومش مريحة بالمرة.

مش غريبة زي ريحة الصالة بعد حفلة سهر وكبريت، وكاسات متبهدلة على الترابيزات ودخان السجاير اللي لازق في ستاير القطيفة… لأ، الريحة المرة دي كانت حامية، فيها زعامة، وقلبت بطنها… ريحة فودكا، على عرق، على ريحة حديد، مع ريحة برفيوم “خشب الصندل” الغالي اللي “فريدة” كانت بتموت فيه وهي شاماها في رقبة جوزها وحبيبها.

إيدها اتثبتت مكانها وهي ماسكة الأكرة النحاس بتاعة مكتب “سليم الدالي”.

هي مكنتش داخلة تدور على مشاكل خالص. دي كانت جاية وفيه سر متشال جوة جواب لونه بيج، مخبياه تحت جاكتتها زي ما تكون بتداري دعوة خايفة عليها تطير. سونار فيه خيالين لسه صغيرين قوي… توأم.

قضت طول الظهرية وهي بتتخيل رده فعله هيكون إيه. سليم الدالي… كبير واحدة من أخطر عائلات البيزنس والسلاح في البلد، الراجل اللي بيخلي الوزراء يردوا على تليفوناته في ثانية، والغلابة والمجرمين ينزلوا عينيهم الأرض أول ما يلمحوه… الراجل ده ممكن أخيرًا يتلجم وميعرفش ينطق بكلمة! كانت متخيلة إنه ممكن يضحك ضحكته الهادية دي اللي مش بتصدق حاجة، الضحكة اللي مش بتطلع منه غير وهما على السرير والباب مقفول عليهم، لما الدنيا كلها بتبقى برة وهو بيرجع بني آدم طبيعي.

لكن أول ما باب المكتب اتوارب سنة، فريدة ملقتش جوزها لوحده.

سليم كان واقف ومديها ضهره، قميصه الأبيض مفتوح نصه، والكمام متشمرة لحد كوعه. كتافه كانت بتتحرك وهو عاصر ست ومثبتها على طرف مكتبه الأبنوس الغالي.

شعر الست الأصفر كان مفرود ومتبهدل على الجلد الأخضر بتاع المكتب. وفي رقبتها كانت فيه سِلسلة فضة رفيعة بتتهز.

فريدة عرفت السلسلة دي كويس قوي… دي هي اللي شارياها بأول مرطب قبضته بعد ما اتخرجت من الجامعة. دلاية على شكل هلال صغير وفيها فص ألماظ مجروح. “نور”… أختها الصغيرة… حتة من قلبها.

الصوت اللي طلع من بوق البنت كان مكتوم ومقطوع… وعقل فريدة، رحمة بيها أو زيادة في عذابها، ترجم الصوت ده على إنه ضحكة دلع!

فريدة متكلمتش .. ولا صرخت.

وهي دي الحاجة المرعبة… الغدر مخلهاش تعمل دراما وتصوت، الغدر جمدها في مكانها، خلاها زي الصنم.

صوابعها اتفتت على الجواب لحد ما طرفه اتطبق. بطنها قلبت عليها جامد، ووجع “قرف الصبح” بتاع الحمل اللي مخبياه بقالها ست أسابيع طلع في زورها بطعم مر وحارق.

إيدين سليم كانت على وسط نور.

وعينيها بتسرح مع خيط النور الضعيف . عقلها مكنش هنا.. كان مسافر لورا، لليالي اللي كانت فاكراها حنينة ودافية.

غمضت عينيها، ورجعت لها التفاصيل حية كأنها بتحصل دلوقتي؛ افتكرت قرب أنفاسه السخنة وهي بتدوب على بشرتها، ولمسة إيديه اللي كانت بتمشي على جسمها وتعمل فيه رعشة قوية بتهزها من فوق لتحت. افتكرت أول ما شفايفه تقرب من رقبتها، وإزاي ضربات قلبها كانت بتعلى وتتجنن مع كل بوسة طويلة يطبعها بشغف، بوسات كانت بتلف دماغها وتخليها تصدق إنه دايب فيها وإن اللي بينهم مشاعر مش هتنتهي. كانت بتترمي في حضنه بكل جوارحها، وتتكلبش فيه وهي حاسة إن ضمة صدره دي هي أمانها وملاذها الأخير من الدنيا.

وفجأة.. فتحت عينيها على الوجع، والدفا ده كله اتقلب لبرودة غلسة في صدرها.

“إزاي كل الأحاسيس دي كانت كدب؟! إزاي تمثيل بالبراعة دي؟”افتكرت الرعشة اللي كانت بتزلزلها بجد، وقابلها هو ببرود وتمثيل متقن. الملامح اللي كانت بتبان هيمانة وعاشقة، إزاي كانت مدارية وراها كدب وخداع بالحجم ده؟ كل كلمة حب وهمسة في ودنها وقت السَلطنة والشغف كانت مجرد كلام في الهواء. الغريب والموجع لفريدة مش بس الخيانة، الغريب هو إزاي البني آدم يقدر يديك كل القرب ده، ويلمسك بكل العاطفة دي ويخلي جسمك يترعش بين إيديه، وهو جواه بارد، وعقله شغال في حتة تانية خالص بيفصل كدبة جديدة.

نفس الإيدين دي كانت ماسكة وش فريدة الليلة اللي قبلها بكل حنية. نفس الإيدين دي اللي قتلت رجالة بدم بارد. نفس الإيدين اللي وعدتها، بصوت غامق ومبحوح زي الويسكى المعتّق، إن مفيش مخلوق في الدنيا هيلمس شعرة منها طول ما هو بيتنفس على وش الأرض.

فريدة رجعت خطوة لورا. سنتي واحد… وبعدين خطوة كمان.

شدت الباب وراها بالراحة لدرجة إن اللسان بتاع القفل مطلعش ليه صوت. محدش فيهم حس بيها.

الطرقة الطويلة البرة المكتب كانت ممدودة قدامها، كلها لوحات زيتية غالية وسجاد عجمي حرير… كل شبر في المكان ده مدفوع تمنه بالدم والخوف، وبفلوس عمر ريحتها ما هتنظف، مهما حطوا ورد بلدي في فازات كريستال.

في لحظة جنون، حست إنها هتقع من طولها وتغمى عليها. بس بدل ما تقع… مشيت.

مراحتش الأوضة… ولا راحت الحمام تقفل على نفسها وتعيط وتنهار. راحت لـ دولاب الهدوم اللي في الطرقة، مدت إيدها ورا الجواكت الشتوي التقيلة اللي محدش بيلبسها، وسحبت شنطة قماش قديمة ومتبهدلة.

كانت مجهزة الشنطة دي ولمة فيها حاجات من شهور… ويومها كرهت نفسها وجلدت ذاتها عشان عملت كده. ست بتحب جوزها، مستحيل تشيل “شنطة هروب”. بس الست اللي متجوزة “سليم الدالي”… لازم تعمل كده.

بعد تلاتة وعشرين دقيقة بالظبط… “فريدة” مابقاش ليها وجود في البيت ده.

سابت الحلق الألماظ، الفساتين السودا الغالية، وفيزا المشتريات اللي رجالة سليم يقدروا يتتبعوها في ثواني. خدت بس فلوس كاش كانت شايلاها في مكان الطوارئ المستخبي ورا هواية الحمام بتاع الضيوف، وباسبورها، وتلات بنطلونات جينز، وبلوفر، وصورة السونار.

عند الباب البراني، وقفت ثانية.

البيت وراها كان هس… سكوت تام. وفي آخر الطرقة، جوزها لسه في المكتب… مع أختها.

فريدة حطت إيدها على بطنها وضغطت براحة. همست للعيال اللي لسه ميكبروش عشان يسمعوها: “أنا آسفة… بس مش هربيكم في بيت الحب فيه معناه إمتلاك وعبودية”.

وفتحت الباب، وخرجت وسط المطر… ومن غير ما تبص وراها خطوة واحدة

تلات سنين عايشة باسم تاني خالص… “فريدة” ماتت ودفنتها بإيدها.

استقرت في مدينة “رأس البر” الساحلية الهادية، بعيد عن زحمة القاهرة ودوشتها. هناك محدش كان يعرف إنها كانت في يوم من الأيام متجوزة “سليم الدالي”… الملياردير اللي إمبراطوريته ممدودة من قصور التجمع الخامس لحد الموانئ والمخازن اللي غرقانة دم على شط الإسكندرية. بالنسبة لجيرانها، هي كانت مجرد “أبلة فايزة”، الست الانطوائية الغامقة اللي بتشتغل في ترجمة الكتب أونلاين، وبتربي ولدين توأم، عينيهم رمادي ملقحة على فضي… عينين شبه عينين أبوهم لدرجة تخوف.

“يوسف” و”ياسين” كانوا الحاجة الوحيدة الحلوة والنظيفة اللي سليم الدالي سابها لها في الدنيا دي.

وكل يوم بيمر، كانوا بيكبروا ويبقوا شبهه أكتر وأكتر. نفس النظرة اللماحة اللي بتحسب كل حاجة… نفس الهدوء المرعب اللي يخوفك. حتى وهما لسه عندهم تلات سنين، الناس في الشارع كانت بتوسع لهم لما يمشوا مع بعض.

فريدة كانت بتاخد بالها من ده… وكل الناس كمان كانت بتاخد بالها. صاحب البيت اللي مأجرالهم الشقة هزر معاها مرة وقالها: “أولادك دول هيبقوا بشنبات من ديلوقتي يا ست فايزة، هيبتهم شديدة قوي!” كانت بتجبر نفسها تضحك… وتقول في سرها: “لو تعرف بس الجينات دي جاية منين!”.

قدرت تعيش وتستخبى طول السنين دي بأنها تكون زي “الشفافة” ملهاش أثر. مفيش فيسبوك ولا إنستجرام… مفيش حسابات في البنوك تتربط باسمها القديم. إيجار الشقة بتدفعه كاش من برة برة عن طريق ترتيبات معقدة عملها لها المحامي الوحيد اللي سليم الدالي معرفش يشتريه بفلوسه.

تلات سنين، والخطة ماشية زي الساعة… لحد ما ظهرت “الصورة”.

الصورة دي نزلت على النت ومقعدتش أكتر من اتناشر دقيقة بالظبط وتمسحت. واحد من المصيفين كان بيلقط صور في المهرجان اللي بيتعمل في المارينا عند اللسان. عائلات بترقص، وفوانيس منورة ومزيطة الميناء، وعيال صغيرة بتجري وسط ورق الزينة الملون.

في طرف الصورة دي، كانت واقفة فريدة. وجنبها… ولدين صغيرين، عينيهم هي هي عينين سليم الدالي اللي مفيش اتنين في مصر يغلطوا فيها.

على نص الليل، كانت الصورة دي وصلت القاهرة… وفتحت باب جهنم.

سليم كان قاعد في مكتبه الخصوصي، باصص لشاشة الكمبيوتر وعينيه متثبتة، وصوت الرعد برة بيهز ستاير وأزاز القصر.

تلات سنين… تلات سنين وهو عايش على فكرة إن فريدة هربت واختفت لأنها خانته وباعت سرّه! تلات سنين وهو مقتنع إن العيال اللي كانت حامل فيهم مكنوش عياله!

مدير أمنه ورجل دراعه اليمين كان واقف جنبه، متجمد في مكانه ومش قادر ينطق. الراجل قال بحذر وهو صوته بيترعش: “تأكدنا من الموضوع مرتين يا باشا… العيال سنهم حوالي تلات سنين.”

صوت سليم نزل لدرجة واطية ومرعبة… الصوت اللي معناه إن فيه رقاب هتطير: “هاتوهالي… لو تحت الأرض.”

في الناحية التانية من الأوضة، “نور” وشها اتقلب كركم… الدم هرب من عروقها. سليم رفع عينه وربطها بنظرة حامية وبطيئة.

لأول مرة من سنين، أخت فريدة الصغيرة كانت هتموت من الرعب. نطقت بصوت عايم ومرعوش: “سليم… أنا… أنا هفهمك كل حاجة…”

بس هو مسمعهاش… كان قام وبدأ يتحرك ناحيتها زي الفهد.

لأن من تلات سنين فاتوا، في الليلة اللي فريدة هربت فيها، سليم مكنش بيلمس نور بدافع الدلع ولا الخيانة خالص… ده كان هيموتها في إيده وبيخنقها، بعد ما كشف إنها حطت لفريدة مادة في كاس الشربات عشان تسقطها وتموّت العيال في بطنها!

وفي ثانية واحدة… سليم الدالي فهم الحقيقة المرة اللي تقطم الظهر. مراته… حبيبة عمره، هربت واستخبت من الراجل الوحيد اللي كان بيحميها وبيقيد صوابعه العشرة شمع عشانها

فلاش باك

على ما الفجر كان بيشقشق، كانت “فريدة” بقت على بعد أكتر من ميتين كيلو من القاهرة، وبدأت تتعلم أول دروس الاختفاء. الدرس الأول كان بسيط قوي: الزعل والوجع بيعملوا صوت.

الوجع ده كان عايش في زورها، بيتحايل عليها ينزل دموع في حمامات بنزينات السفر، وفي زوايا مواقف الميكروباصات. إيدها كانت بترتعش وهي بتمسح العرق عند شباك التذاكر. الوجع ده هو اللي كان بيخليها تتلفت برعب كل ما عربية سودا تقرب وتهدي جنب الرصيف. وهو اللي كان بيلح عليها تطلع تليفونها وتكلم أي حد…

أي حد وتقول له: “أنا شفته… شفتهم بعيني! قولوا لي إن اللي شفته ده كابوس ومش حقيقة!”.

لكن فريدة كانت متجوزة سليم الدالي. وكانت عارفة كويس إن الوجع والدموع هما أول خيط ممكن يوصّله ليها. عشان كده، بلعت وجعها وكتمته لحد ما السكوت ساد المكان.

في استراحة على طريق مصر الإسماعيلية الصحراوي، وقفت قدام مراية مكسورة فوق حوض صديده واكل الحنفية، ومسكت المقص. شعرها الأسود الناعم اللي سليم كان بيعشق يلف صوابعه فيه، بدأ يقع في صفيحة الزبالة خصل ورا خصلة بشكل مبهدل. صبغت الباقي بلون بني مطفي ورخيص من علبة اشتريتها كاش. وفي الآخر… قلعت دبلتها وخاتم جوازها. ودي كانت أصعب حاجة.

طول عمرها كانت بتحس إن فص الألماظ بتاع الخاتم ده تقيل قوي على إيدها. مش عشان حجمه، مع إنه كان كبير وفاضح، بس عشان معناه. سليم حطه في صباعها في قاعة كتب كتاب منورة بمتين شمعة، ورجالته محاوطين المكان والسلاح مستخبي تحت جاكيتات البدل. يومها، باس صباعها وهمس لها: “بتاعتي”. وقتها، فريدة افتكرت إن الكلمة دي معناها “محبوبتي”. دلوقتي بس فهمت إن كان معناها “مملوكتي ومسجونتي”.

رمت الخاتم في الفراغ اللي ورا مكنة البيبسي اللي في الاستراحة، ومشت بسرعة قبل ما قلبها يضعف وترجع في كلامها.

على ما سليم الدالي رجع أوضته ولقى ضِلف الدولاب مفتوحة، والخزنة زي ما هي ملمستش، ومراته ملهاش أثر… كانت فريدة بدأت تتحول لبني آدم تاني خالص. بقى اسمها “فايزة”.

أجّرت أوضة فوق مغسلة في حتة متطرفة على أطراف بورسعيد اسمها “عزبة البرج”، حتة البحر فيها بياكل في الصخر، والشبورة بتنزل تقيلة لدرجة تخلي البيوت تبان كأنها طايرة في الهواء مالهاش أساسات. في المكان ده محدش بيسأل حد أسئلة كتيرة. كل الناس هناك خسرت حاجة في البحر، والبحر علمهم يحترموا السر اللي مبيتقالش.

اشتغلت فايزة في مخبز عيش وفطير بتاع ست أرملة عجوزة اسمها “الحاجة فتحيه”. ست شعرها زي القطن الفضي، كوعها ناشف، وعينها بتلقط الدب الشايب بس مابتجرحش حد بكلامها.

في تالت يوم شغل، والحاجة فتحيه بتعجن العجين والدقيق مغطيها لحد كوعها، سألتها من تحت لِتحت: “هربانة من راجل يا بنتي؟”. فريدة صوابعها اتثبتت على صاج الفطير. الحاجة فتحيه مرفعتش عينها من العجين وقالت: “ماترديش… بس اعرفي إن لو جِري وراكي لحد هنا، أنا شيلالي بندقية خرطوش تحت الفاترينة، ومن ساعة ما عملت عملية المية البيضاء ونظري بقى رصاصة”.

فريدة كانت هتموت وتضحك. الضحكة طلعت مكسورة، بس كانت أول ضحكة من أسابيع متوجعش زورها.

الشهور جرت… بطنها كبرت وبقت تداريها تحت جلاليب وعبايات واسعة. التوأم عرفوا نفسهم الأول بـ “الغمامان والتعب”، وبعدين بحركة خفيفة، ولحد ما بقت ركلات حامية وناشفة تحت ضلوعها. كانت بتقعد تتكلم معاهم في الأوضة اللي فوق المغسلة وصوت المطر بيرزع في الأزاز برة.

في ليلة، واحد منهم ركلها ركلة جامدة قطعت نفسها، فهمست له: “عارفة… أنت زعلان وغضبان… وأنا كمان زعلانة”. مقلتلهمش حاجة عن أبوهم. لسه بدري. كانت بتحكيلهم عن البحر، عن النورس، عن ريحة العيش الطالع سخن من الفرن. عن الشبورة اللي بتداري مدينة كاملة وتخلي الدنيا تبان صغيرة ورحيمة.

سليم كان بيدور عليها؟ طبعًا… ده سليم الدالي! في الأول، الأخبار كانت بتوصل لفريدة طشاش وفي وسط الكلام. راجل ببالطو غامق بيسأل في النواحي… عربية جيب سودا متفيمة شوهدت جنب لوكاندة نامت فيها أول ليلة… ست في بورسعيد أكلت علقة موت عشان كانت بتطلع بطاقات مزورة بعد ما حد سأل وراها عن واحدة حامل وبتدفع كاش.

سليم مكنش من النوع اللي بيجعجع ويعمل شوشرة… دي مش طريقته. هو كان بيمسح العقبات من طريقه في سكات. وبعد تلات شهور، حركة التدوير خفت واختفت. وده الخوف الأكبر لفريدة. لأن سليم الدالي عمره ما ساب حاجة تخصه أو مكتوبة باسمه.

لما التوأم شرفوا في ليلة شتا وضلمة، النور كان مقطوع عن نص البلد. الحاجة فتحيه خدت فريدة في عربيتها النص نقل وهي بتشتم في الهوا والمطر كأنه زبون قليل الأدب في المحل. الواد الأولاني نزل وهو بيصرخ، وشه أحمر وقافل إيده كأنه نازل يتخانق مع الدنيا. الدكتور قال: “مبروك… ولد”. فريدة دموعها نزلت.

التاني كان أهدى… بنت. عينيها واسعة وباصة لفريدة بوقار غريب، كأنها شافت كتير في بطن أمها وبتفكر هي الدنيا دي تستاهل تنزلها ولا لأ. فريدة سمتهم “يوسف” و”نور” (على اسم أختها اللي وحشتها رغم كل حاجة).

يوسف كان واخد شعر سليم الدالي الفاحم. ونور… كانت واخدة عينين سليم بالملي. الموضوع ده كان هيقضي عليها.

لوهلة صغيرة، وهي ضماهم هما الاتنين لـ صدرها، مأتش الغدر… شافت الراجل بتاع زمان. الراجل اللي كان بيرد على تليفونات الشغل المشبوه في البلكونة نص الليل، ويرجع السرير والدم لسه منشِفش على ضميره، ومع ذلك يلمسها هي بالذات كأنها الحتة الوحيدة النظيفة والبيضاء اللي فاضلة له في العالم ده.

وفجأة يوسف عطس عطسة صغيرة وهو غضبان، ونور طلعت تنهيدة هادية. فريدة باست راسهم وهمست: “أنتم بتوعي أنا”. الكلمة خضتها أول ما طلعت من بوقها. فعدلت كلامها بسرعة وقالت: “أنتم بتوع نفسكم… وأنا هحميكوا لحد ما تكبروا وتختاروا هتبقوا مين”.

مرت خمس سنين في عزبة البرج. العيال كبروا وبقوا زي القطط البرية. يوسف كان حركة وشقاوة وأسئلة مبتخلصش وركب متقشرة من اللعب. يجمع قواقع مكسورة من الشط ويحلف إن كل كابوريا يلاقيها صاحبه. ونور كانت هادية، بس مش سهلة… كانت بتراقب الناس بنظرة حادة ومركزة تخوف، وتفتكر كلام الكبار بيفتكروا إنها مش فاهماه. كانت بتعرف تتبغدد على الحاجة فتحيه وتخد منها البسكويت ببلاش وتخبيه ليوسف، لأن يوسف دايماً بياكل نصيبه بسرعة ويرجع يندم.

كانوا شبه فريدة بما يكفي إنهم يمشوا في بلد محدش يعرف فيها سليم الدالي. بس ساعات، في ضوء معين، لما يوسف يبرطم ويكشر، أو نور ترفع دقنها بتحدي وناشف… فريدة كانت بتحس بـ ماضيها بيمد إيده عبر السنين ويلمس كتفها. عمرها ما ارتاحت. الراحة دي هي المصيدة اللي بتقع فيها الستات.

غيرت مواعيد خروجها. بتدفع كاش دايماً. شالت شنط الطوارئ تحت البلاط المفكوك في الأرضية. وعلمت العيال ألعاب بس هي مش ألعاب في الحقيقة: “لما ماما تقول كلمة (الضلمة)، بنعمل إيه؟” يوسف يقول بفخر: “نلبس الكوتشي في ثانية!”. ونور تزود: “ونمسح الشنطة بتاعتي”. “وبعدين؟” “ونمشي ومنسألش ولا سؤال”. فريدة كانت بتكره نفسها بسبب الدرس ده أكتر من أي حاجة ثانية… بس علمتهولهم برضه.

وفي يوم تلات مغيم من أيام أكتوبر… الماضي وصل أخيراً. وصل وهو لابس بدلة كحلي متفصلة، وجزمة بتلمع تعمي العين.

فريدة شافت الراجل ده من ورا إزاز المخبز. مش سليم… ده كان الراجل دراعه اليمين ومستشاره القانوني: “عادل الصاوي”.

كان واقف الناحية التانية من الشارع تحت تندة محل أنتيكات مقفول، وعامل نفسه بيبص في تليفونه. الزمن مأثرش فيه كتير؛ شعره لسه أسود، وقفته مفرودة وناشفة، ووشه فاضي وخالي من التعبير زي وشوش الرجالة اللي دفنوا مشاعرهم من زمان قوي تحت التراب.

الدم اتجمد في عروق فريدة. الحاجة فتحيه لمحت نظرتها، وجسمها اتشد: “هو ده يا بنتي؟” فريدة قالت وصوتها رايح: “لأ… ده الألعن منه”.

عادل الصاوي رفع عينه لفوق. العينين اتقابلوا من ورا الإزاز. في اللحظة دي، الدنيا سكتت تماماً حوليهم. وبعدين… ابتسم. مش ابتسامة طيبة… دي ابتسامة واحد بيقولها: “قفشتك”.

فريدة تحركت قبل ما عقلها يفكر. قلعت المريلة، خطفت جاكتتها وجريت من الباب الوراني. “يا حاجة مارية—” الحاجة فتحيه قطعت كلامها بزعيق ناشف: “أنا هجيب العيال من الحضانة… اجري أنتِ!”.

لكن فريدة مالحقتش تخطي أربع خطوات في الممر الضيق البرة المخبز، لحد ما ظهرت عربية سودا ضخمة قفلت المخرج تماماً. الباب الوراني بتاع العربية اتفتح… ونزل منه… سليم الدالي.

الخمس سنين مغيرتوش ولا خلته أطيب… بالعكس، الغيبة دي صقلت الهيبة والغل اللي فيه. كان باين أرفع، أبرد، كأنه منحوت من نفس الضلمة اللي فاكراها بس من غير أي رتوش للحنية. بالطوه الأسود كان بيطير مع الهوا. وشه كان شاحب وحلو بس بالحلاوة القاسية بتاعة الشتا اللي بيموتك من الساقعة.

فريدة وقفت فجأة لدرجة إن جزمتها زحلقتها على الطوب المبلول. سليم ثبت عينه عليها. ولأول مرة من ساعة ما عرفته، بدا عليه إنه متردد. مش ضعف… سليم الدالي مبيضعفش. بس الصدمة خبطته.

عينيه مشيت على شعرها المقصوص، جاكتتها الرخيصة، آثار الدقيق اللي على كمها، والوش اللي ياما باسه في أوض منورة بالشموع. حاجة خطفت ملامحه واختفت في ثانية قبل ما حد يلمحها.

نطق وقال بصوت هز المكان: “فريدة”. اسمها القديم كان طالع من بوقه زي طلقة الرصاص.

رجعت خطوة لورا: “إياك تقرب”. جز على سنانه: “ماتهربيش يا فريدة”.

الموضوع ده صحى الوحش اللي جواها، ضحكت ضحكة حامية وناشفة من غير أي غلبت: “أنت لسه بتأمر وتنهي برضه؟” العضلة اللي في خده اتلوت: “أنا بقالي خمس سنين قالب عليكي الدنيا”. “وأنا قضيت الخمس سنين بدعي ربنا إنك تفشل ومتلاقينيش”.

الكلمة خبطته في مقتل. شافت ده بعينها رغم إن وش الخشب بتاعه متأثرش. ورا ظهره، ظهر عادل الصاوي عند مدخل الممر، وضامم إيده قدامه بهدوء. المصيدة قفلت. قلب فريدة بدأ يدق زي الطبلة… العيال! كان لازم تلحق العيال.

سليم قرب خطوة: “العيال دول بتوعي؟” الدنيا لفت بيها. فريدة من طقتش. ومكنتش محتاجة تنطق… عيون سليم اسودت، وضلمت أكتر، وفيه نظرة وحشية جرت في عروقه. صوته طلع حامي: “عندهم كام سنة؟” وزقت كلامها بزعيق: “ابعد عنهم ميزكش دعوة بيهم!”. “عندهم كام سنة يا فريدة؟!” “مش عيالك!”. نزل بصوته لدرجة تخوف: “ماتكذبيش عليا”.

كانت كارهة إن جسمها لسه فاكر النبرة دي. كارهة إن حتة منها لسه عارفة وميزت إن سليم الدالي ديلوقتي على شعرة ويفقد أعصابه تماماً. قالت بحدة: “دول عيال صغيرة… مش وريث الإمبراطورية بتاعتك، مش سلاح هتحارب بيه، ومش قطع شطرنج على التربيزة بتاعتك!”.

نظرته بقت زي الموس: “هما فين؟” سكوت فريدة كان هو الإجابة. سليم بص من وراها ناحية المخبز. فريدة وقفت في طريقه عشان تمنعه.

الحركة كانت مضحكة وسخيفة… هو أقوى، ورجالته محاوطين المكان، وبنظرة واحدة منه ممكن يطير رقبتها. ومع ذلك، كانت واقفة في ممر غرقان بمية المطر ومفيش بينه وبين عيالها غير جسمها اللي بيرتعش ده.

ولحظة واحدة، ملامحه اتهزت. وفجأة… صوت “يوسف” رن في الشارع من وراهم: “ماما؟” فريدة لفت وشها برعب.

أنت صح جداً! جلت مني دي، والاسم تاه وسط الحماس والإثارة. “الحاجة فتحيه” اسم جميل بس فعلاً فيه ريحة أجنبية ومش ماشي مع أصل الست البورسعيدية الجدعة دي.

الحاجة فتحية كانت واقفة جنب باب المخبز، وإيدها ماسكة كتف كل طفل من الاتنين. وشها كان خاطف ولونه أصفر. يوسف كان بيبص على العربيات السودا الفخمة بفضول وعينيه واسعة، أما نور فكانت مسبتة عينيها على سليم الدالي… مكنش فضول، كان حذر وخوف.

سليم وقف مكانه. العيال عمرهم ما شافوا صورته؛ فريدة حرقت كل أثر لحياتها القديمة. ومع ذلك، الدم بيحن، والدم بيعرف صاحبه بطرق مفيش بني آدم يقدر يفسرها.

يوسف مال براسه وقال: “ماما… مين عمو ده؟” فريدة لسانها اتقل مكنتش قادرة تنطق بكلمة.

سليم بدأ يقرب منهم بالراحة وخطوة خطوة، كأنه بيقرب من غزلان برية خايف تطير. رجالته بيبدأوا يتحركوا وراه، بس هو رفع إيده إشارة واحدة، فكلهم اتسمروا في مكانهم.

نور قدمت نفسها خطوة صغيرة وبقت واقفة قدام يوسف كأنها بتحميه. سليم لقط الحركة دي في ثانية. طبعًا… ده ابن الدالي ويفهم الحركات دي كويس.

عينيه بدأت تتحرك بين يوسف ونور، بيشرب كل تفصيلة فيهم؛ ملامح وشهم، عنيهم الرمادي، شكل بوق يوسف وهو مستغرب، والنظرة الحامية والغامقة اللي في عين نور.

لما اتكلم، صوته كان يدوب مسموع زي الهمس: “توأم…”

فريدة زقته من طريقها بسرعة وجمعت العيال تحت باطها: “على جوة… ادخلوا جوة!” مع إنها عارفة إن مفيش مكان في الدنيا سليم الدالي ميعرفش يدخله.

يوسف قاوح معاها: “يا ماما في إيه؟ مين ده؟” “جوة ديلوقتي حالا!” الخوف اللي كان في صوت أمهم خضهم أكتر من منظر العربيات والرجالة، فسمعوا الكلام وجريوا على جوة.

بس نور متأخرتش في الدخول، لفت وشها وبصت لسليم وسألته طق حنك: “أنت أبويا؟” السؤال ده نزل على الممر زي السكينة الحامية في الزبدة. سليم خد نفس طويل… فريدة حست بالنفس ده، كأن الدنيا كلها كتمت نفسها معاه. قال لها: “آه… أنا”.

فريدة لفت عليه وصرخت فيه بغل: “مالكش حق ترد عليها ولا تنطق بالكلمة دي!”. بس عينيه منزلتش من على نور، وكررها تاني: “آه… أنا أبوكي”.

نور فكرت في كلمته ثانية، وبعدين قالت بنشوفية: “أنت خليت ماما تعيط كتير”. سليم نقل عينه لفريدة وقتها. مية المطر كانت لازقة في رموش عينيه. ولثانية واحدة مستحيلة، بدا كأنه رجع بني آدم طبيعي وفيه حنية. قال بصوت واطي: “أنا غلطت كتير… غلطت في حقكم”.

بوق فريدة اتلوى بسخرية ووجع: “غلطت؟! بسم الله ما شاء الله… بتسمي اللي حصل ده غلطة؟”. ملامحه رجعت خشب وقفل وشه: “مش وقته الكلام ده هنا”. “لأ وقته! أنت مش أنت اللي هتحدد الكلام ده يتقال فين وإمتى!”. “لأ أنا اللي هحدد… لما يكونوا أعدائي قالبين البلد دي وبيدوروا عليا وعليكي عشان أنا جيت هنا، يبقى أنا اللي هحدد!”.

الكلمة نزلت فوق راسها زي الصاعقة. فريدة برقت له: “أعداء مين؟” سليم ودى عينه لعادل الصاوي. ابتسامة عادل كانت اتمسحت تماماً، وقال له بهدوء: “قولها يا باشا”.

سليم مكنش طايق حد يديله نصيحة بس اتكلم: “فيه حد سرب مكانك قبل ما نوصل هنا. لقطنا رسالتين مشفرين؛ واحدة لعيلة (الرفاعي) بتوع الإسكندرية، والتانية لرجالة كانوا شغالين مع عمي زمان”.

فريدة حست بـ مية المطر كأنها تلج على جلدها: “أنت اللي جبتهم وراك لحد هنا!”. “أنا عرفت مكانك لأن فيه حد تاني عرفه قبلي يا فريدة”. “لأ…” زعقت فيه: “ماتقلبش الحكاية وتعملي فيها البطل اللي جاي ينقذني!”. “أنا مابقلبش حاجة”. “طول عمرك أستاذ في قلب الحقائق”.

عينيه شرزت: “أنا دفنت نص رجالة حيتان السلاح في البلد وأنا بدور عليكي خمس سنين!”. “وكنت فاكر الجملة دي هتبان رومانسية في دماغك يعني؟” “كانت جملة ضرورية”. “ضرورية لمين؟” “ليا أنا!”. هو ده… سليم بتاع زمان. صريح في جبروته ووحشيته.

في اللحظة دي، الحاجة فتحية قدمت خطوة، وبندقية الخرطوش بقت باينة ومنورة من تحت عبايتها: “يا فايزة يا بنتي… خدي العيال واطلعي شقتك فوق”. رجالة سليم مدوا إيديهم تحت الجاكيتات بسرعة عشان يسحبوا السلاح. سليم مابصش وراه حتى، وقال بنبرة هادية بس تقطع الرقبة: “لو راجل منكم فكر مجرد تفكير يرفع سلاحه في وش الست دي… أنا هقطع إيده من لغاليغها”. كل الرجالة اتجمدوا مكانهم.

بس الحاجة فتحية، للامانة، متهزتش ولا خافت: “يا واد أنت… أنا ببطرخ السمك وبنظفه وعيني بتشوف قسوة أكتر من عينك دي… ماتجربنيش!”. لأول مرة، يوسف ابتسم ابتسامة صغيرة من ورا الباب. وسليم لقط الابتسامة دي برضه.

فريدة سحبت العيال ودخلت بيهم المخبز بسرعة. يا دوب وصلت لأول درجات السلم، ولقت سليم وراها. لفت له: “اقف عندك!”. “محتاج خمس دقائق بس”. “ما أنت برضه كنت محتاج خمس دقائق مع أختي، على ما أظن!”.

السكوت اللي حصل بعد الجملة دي كان مرعب وكابس على النفس. سليم وقف مكانه كأنها ضربته برصاصة في صدره.

فريدة بصت حواليها… ريحة المخبز كانت دقيق وخميرة وسكر. برة، رجالة بأسلحة واقفين تحت المطر. وجوة, عيالها باصين بعيون مرعوبة وواسعة.

صوت سليم طلع واطي ومبحوح: “ده اللي أنتِ شفتيه… صح؟” فريدة جسمها قشعر: “لأ… متتكلمش”. “أنتِ شفتِ نور على مكتبي”. “إياك تنطق اسمها على لسانك!”. “أنتِ افتكرتي إني بلمسها”. “أنت كنت بتلمسها فعلاً!”.

عينيه نشفت وبقت زي الحجر، بس مكنش غضب منها، كان غل من حاجة ثانية: “لأ… مش حقيقة”. فريدة ضحكت ضحكة مكسورة وهسترية: “أنا عارفة أنا شفت إيه بعيني!”. “أنتِ شفتِ نهاية اللعبة… مش بدايتها”. بطنها قلبت: “اسكت… كفاية”. “نور كانت متخدرة!”.

الأوضة لفت بـ فريدة. وش الحاجة فتحية اتخطف. وعادل الصاوي، اللي واقف عند الباب، نزل عينه الأرض. سليم كمل كلامه، وكل كلمة طالعة منه بحساب، قاسية، دقيقة، ومسمومة: “نور جاتلي المكتب الليلة دي لأنها قالت إن معاها معلومات عن رجالة عمي… كانت خايفة ومرعوبة. بس هي كانت واخدة مادة تخدير مش بمزاجها. البنت توازنها اختل وقامت واقعة على المكتب، أنا لحقتها ومسكتها من وسطها عشان متقعش على الأرض… وأنتِ فتحتِ الباب في اللحظة دي بالظبط!”.

فريدة بحلقت فيه… مش قادرة تصدق. لا… مستحيل. الذاكرة بدأت تعرض المشهد في دماغها تاني بحذافيره: شعر نور على المكتب… إيدين سليم على وسطها… الصوت اللي طلع من بوق نور… النفس المقطوع والمكتوم… ده مكنش ضحك دلع… ده كان صوت وجع وألم!

“لا…” فريدة قالتها بصوت عالي وهي بتهز راسها: “لا…”. وش سليم فضِل ثابت: “أنا كلمت الدكتور فوراً أول ما أنتِ مشيتِ… وعلى ما أدركت إنك سبتِ البيت وهربتِ، كانت نور غابت عن الوعي تماماً”.

صوت فريدة طلع ضعيف ويموت: “وليه مجيتش قولتلي؟ ليه مفهمتنيش؟” عينيه كانت بتغلي: “أنتِ اختفيتِ في ثانية!”. “كان معاك تليفونات… رجالة… البلد كلها بتترعب منك ومن اسمك!”. وجاوبها بصوت مخنوق: “وكل رسالة أو تليفون كنت هعمله عشان أدور عليكي، كان ممكن يوصل أعدائي ليكي ويقتلوكي! في الأول افتكرت إنهم خطفوكي… بعدين لقيت الخاتم مرمي، وهدومك مشيت، وفلوس الطوارئ ممسوحة…” صوته بقى أجش: “عرفت إنك مشيتِ بمزاجك واختّرتِ تبعدي”. “لأن شفتك معاها!”. “لأن فيه حد كان عايزك تشوفي كده بالظبط وتصدقيه!”.

المكان بدأ يضيق فوق دماغها. فريدة مسكت في هاندريل السلم وجسمها سايب: “قصدك إيه بالكلام ده؟”

سليم بص لعادل الصاوي تاني. عادل فتح جاكتته وطلع صورة مطبقة، وحطها على ترابيزة قريبة. فريدة مكنتش عايزة تبص… بس عينها راحت للصورة. الصورة كانت منغمشة، لقطة من كاميرات المراقبة بتاعة الطرقة في قصر سليم. نور كانت واقفة برة باب المكتب، جسمها بيتمرجح ومش متزنة. وجنبها كان واقف راجل بلبس الأمن بتاع البيت، فريدة فاكرة وشه طشاش من ضمن الشغالين… الراجل ده كان ماسك نور من كوعها وساندها. وعلى معصم إيده كانت فيه تاتو (وشم) باين…تاج أسود ومكسور بسكينة.

فريدة شافت العلامة دي قبل كده على رجالة سليم بيكرههم وعايز يمحيهم من الدنيا… رجالة “الرفاعي”. زورها اتقفل.

سليم قال: “هما اللي زقوها وزرعوها في بيتي… وكانوا عارفين إنك حامل قبل ما أنا نفسي أعرف”. إيد فريدة راحت على بطنها تلقائي، مع إن بطنها ديلوقتي فاضية وفات خمس سنين. سليم لقط الحركة دي وقال: “أنا لقيت ملف الحضانة والتحاليل بعد ما مشيتِ… فيه حد في العيادة باع المعلومات ليهم. توأم… في الأسبوع السادس”.

ركب فريدة خانتها ومبقتش قادرة تقف. الحاجة فتحية لحقتها ومسكتها من كوعها. يوسف بدأ يعيط في سكات… مش بصوت عالي، بس كان خايف لدرجة إن صوته رجّع فريدة للواقع في ثانية.

نزلت على ركبها وضمت العيال لـ صدرها: “مفيش حاجة يا حبيبي… مفيش حاجة، كله تمام”، كانت بتكذب عليهم عشان تطمنهم.

نور بصت من فوق كتف فريدة على سليم، وسألته ببراءة مرعبة: “أمال طنط نور فين ديلوقتي؟” فريدة اتجمدت… هي عمرها ما نطقت اسم أختها قدامهم! ملامحه سليم اتقبلت. وفريدة شافت الإجابة في عينيه قبل ما ينطق.

همست برعب: “لأ… متقولش كده… لأ”. سليم سكت. “لأ يا سليم!”. “ماتت بعد ما مشيتِ بتلات أيام”.

المخبز كله اختفى من قدام عينيها… المطر… الحيطان… ريحة العيش. مفضلش غير سليم الدالي، وبوقه بيطلع كلمات متخصش العالم البني آدمين: “التقرير الطبي قال جرعة زيادة… بس في الحقيقة دي كانت جريمة قتل. المادة اللي كانت في دمها متصنعة عشان تبان إنها لقطت جرعة مخدرات بداعي المزاج والترفيه. أنا كتمت على الخبر ومنعته يوصل للصحافة عشان كنت بصطاد الكلاب اللي عملوا كده واحد واحد”.

فريدة مكنتش قادرة تاخد نفسها. نور… أختها الشقية، المتهورة، اللي كانت بتسرق الروج بتاعها وتعيط في الأفلام الحزينة… اللي قالت لفريدة يوم فرحها “أنتِ دراما قوي عشان اتجوزتِ راجل من حيتان السلاح”، وبعدين حضنتها جامد الصبح لدرجة إن فريدة ضحكت من قلبها… نور مكنتش خاينة… نور كانت بتموت على المكتب ده!

فريدة طلعت منها صرخة مكتومة. سليم قرب ناحيتها… وفجأة… طرااااخ! نزلت بكف إيدها على وشه وادته قلم رن في المكان كله، لدرجة إن العيال اتخضوا. راس سليم اتلوت من قوة القلم. رجاله سليم برة اتهزوا وكانوا هيدخلوا. هو رفع إيده تاني وثبتهم مكانهم.

فريدة ضربته القلم التاني… بس المرة دي كان أضعف. مكنش غضب، كان قهر وكسرة قلب: “كان لازم تقولي… كان لازم تدور عليا وتقولي!”. وشه كان أبيض زي القماش: “حاولت ألاقيكي… قالب الدنيا عليكي”. “كان لازم تحميها!”. “فشلت…” ودي كانت أول مرة فريدة تسمع سليم الدالي بيلفظ الكلمة دي في حياته. مكنش بيقولها كخطة ولا تلاعب… كان بيقولها كحقيقة مرة مبلوعة بالدم.

وفجأة… بووووم! الواجهة الإزاز بتاعة المخبز انفجرت و اتهدت حتت! الإزاز طار في كل حتة على جوة. الحاجة فتحية صرخت.

سليم كان أسرع من اللمحة؛ سحب فريدة والعيال من قفاهم ورمى بيهم ورا الفاترينة والكونتر الرخام، في نفس اللحظة اللي ضرب النار اشتغل فيها زي المطر وقطع المخبز حتت. الدنيا بقت عبارة عن صوت يرعب—صراخ، خشب بيتكسر، وصوت الرصاص الغشيم وهو بيخرم الصاج والفرن والحيطان.

يوسف صرخ بعلو صوته. ونور حطت إيديها الاتنين على ودنها، عينيها كانت واسعة وناشفة من الدموع من كتر الصدمة. سليم رمى جسمه كله فوقيهم عشان يداريهم.

فريدة شمت ريحته تاني… خشب الصندل… المطر… وريحة البارود.

في لحظة جنون، حست إنها رجعت لـ باب المكتب من خمس سنين، لما ترجمت المصيبة على إنها خيانة!

سليم سحب مسدسه من تحت البالطو وبدأ يضرب نار من غير ما يبص، فيه راجل برة وقع في ثانية. عادل الصاوي ظهر جنبهم، والدم سايل من راسه: “رجالة الرفاعي يا باشا… تمانية على الأقل!”.

سليم بص لفريدة. مكنش فيه رجاء في وشه، مفيش حنية. كان فيه “أمر عسكري”: “الباب الوراني… حالا!”. “مش هاجي معاك!”. رصاصة خرمت الحيطة فوق راسها بالظبط. عيون سليم اسودت وبقت كحل: “هتيجي معايا غصب عنك!”.

شال يوسف بذراع واحد وزق فريدة ناحية الممر الوراني. بقلم نرمين عادل همام خطفت نور في إيدها وجريت. وراهم، الحاجة فتحية ضربت بالخرطوش: “في المخبز بتاعي يا ولاد الـ…”. صوت شتيمتها تاه وسط وابل الرصاص الجديد. فريدة صرخت باسمها: “حاجة فتحية!” بس سليم مسمحلهاش تتلفت وراها.

خرجوا للممر الضيق. الدخان كان مالي الشارع برة. عربية جيب سودا ضخمة رجعت بضهرها بسرعة جنونية والمطر بيمسح أثرها، وبابها اتفتح. عادل نط الأول. سليم زق فريدة والعيال وراه. فريدة بتقاوح وبتتخانق معاه: “لأ! الحاجة فتحية!”.

سليم بص وراه. لنص ثانية، ملامحه اتغيرت. وفجأة، الحاجة فتحية خرجت تترنح من المخبز، ماسكة الخرطوش في إيدها، وعبايتها مقطوعة من عند كتفها بس عايشة وبطولها: “امشوا! غوروا من هنا!”.

فريدة عيطت من الفرحة والراحة. سليم مسك الحاجة فتحية من ذراعها وشالها شيل رمى بيها جوة العربية معاهم. زعق في السواق: “اطلع!”.

العربية طلعت بأقصى سرعة وهي بتميل. الرصاص كان بيجري وراهم في الممر ويخبط في الصاج. سليم قعد يرجع الضرب من الإزاز الوراني المكسور لحد ما عزبة البرج كلها اختفت ورا الدخان والشبورة.

جوة العربية الجيب… يوسف كان كلبش في رقبة فريدة وهو بيموت من العياط. نور كانت قاعدة ساكتة ومش بتتحرك جنب الحاجة فتحية، اللي كانت كاتمة دم كتفها بفوطة وبتبرطم وتشتم شتايم تودي في داهية عن الصعايدة ، وتخريب البيوت، والرجالة اللي بيجيبوا الحرب معاهم على الفطار!

فريدة بصت لسليم. كان قاعد الناحية التانية قدامها، المسدس ممدود على ركبته، والدم على لياقة قميصه… وفيه دم مكنش دمه هو. سألت وصوتها بيرتعش: “واخدنا على فين؟” “مكان أمان”. “لأ”. عينه راحت عليها في ثانية: “فريدة—” قطعت كلامه: “لأ يا سليم! أنت مش هتلاقيني ديلوقتي وتطلع تقولي أختك اتقتلت، وتجيب ضرب نار لحد عيالي وتحت رجليهم، وبعدين تمسك لجام حياتنا وتمشينا بمزاجك!”.

صوته طلع بارد ومسموم: “عيالك دول عايشين ديلوقتي عشان أنا وصلت هنا قبل الكلاب دول ما يوصلوا!”. “عيالي كانوا في الخطر ده كله بسبب قذارة العالم بتاعك!”. “عيالنا”…..تابع للجزء الثاني مازالت الاثارة لم تبدأ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *