حكايات اماني سيد ج2

طلعت من باب العمارت وبقيت بجرى في الشارع، دموعي اللي حبستها قدامهم نزلت شلالات، بس المرة دي مكنتش دموع كسرة.. كانت دموع قهر اتفجر وطلع في وش الكل. طارق كان بيجري ورايا بجلابيته وهو بيزعق في وسط الشارع ويقول:

ـ مريم! اقفي هنا! أنتي رايحة فين؟ أنتي فضحتيني قدام أهلي وخربتي العزومة وعايزة تفضحيني في المنطقة؟ اقفي بقولك!

مبصتلوش ورايا، ولا حتى فكرت أرد عليه. شاورت لأول تاكسي لمحت عيني عليه، فتحت الباب وركبت وقفلته بكل عزم فيا، وقلت للسواق وعيني في الأرض:

ـ اطلعي بينا يا اسطى على محطة القطر.. بسرعة أرجوك.

طارق وصل وخبط على زجاج التاكسي بغل وهو بيحلف:

ـ ماشي يا مريم.. لو ركبتي ومشتي هتبقى طالق! طالق يا مريم!

السواق بصلي في المراية بقلق وقال:

ـ على فين يا مدام؟ أتحرك؟

هزيت راسي بقوة وقلتله:

ـ اتحرك يا اسطى ومتوقفش.. اتحرك.

التاكسي طار بينا، وأنا رميت ضهري لورا وغمضت عيني. كلمته “أنتي طالق” رنت في ودني، بس غريبة.. محستش بالخوف اللي كنت بحسه زمان لما يهددني بيها. حسيت براحة، كأن حبل كان خانق رقبتي واتقطع.

وصلت المحطة، قطعت تذكرة وركبت القطر اللي راجع بيه على بلدي وأهلي في أسيوط. طول السكة وأنا بفتكر السبع سنين اللي فاتوا من عمري.. افتكرت إزاي كنت برخص نفسي عشان أرضيه وأرضي أمه، إزاي كنت باجي على صحتي وكرامتي عشان “البيت يكمّل” وعشان “كلام الناس”. نمت من التعب ومصحيش غير على صوت الكمسري وهو بيقول: “محطة أسيوط يا فندم”.

نزلت وركبت مواصلة لحد بيت أهلي. وصلت في نص الليل، أول ما أمي فتحت الباب وشافت منظري وهدومي المتبهدلة وشحوب وشي، خضت على صدرها وقالت:

ـ مريم! يا بنتي في إيه؟ إيه اللي جابك في وقت زي ده؟ وطارق فين؟

أول ما شفت أمي، كل القوة اللي كنت متسلحة بيها اتهدت، رميت نفسي في حضنها وقعدت أعيط زي العيلة الصغيرة.. عياط متواصل خرجت فيه كل كتمة الشهور والسنين اللي فاتت.

أخويا الكبير “أحمد” صحي على الصوت، وخرج مخضوض، وفضل يهدي فيا لحد ما قعدت وشربت بق ميه، وحكيتلهم كل اللي حصل.. من أول غسيل السجاجيد من النجمة، لحد قلبة السفرة والطلاق في الشارع.

أحمد قام وقف، وعروق وشها بارزة من الغضب وزعق:

ـ ابن الـ… بيطردك في الشارع عشان أمه وأهله يهينوكي؟ والندل واقف يتفرج ويقولك اعتذري؟ ورحمة أبويا ما هسيبه، أنا هسافرله الصبح أجيبه من قفاه!

أمي طبطبت عليا وهي بتبكي على حالي وقالت:

ـ حسبي الله ونعم الوكيل فيهم.. داسوا على لقمة عيشك وتعبك يا بنتي؟ متقلقيش يا مريم، أنتي في بيت أبوكي، وراسك مرفوعة، والقرش اللي يدوس على كرامتك بلاش منه.

في نفس الوقت ده، في القاهرة، شقة حماتي كانت قايدة نار..

جملات كانت قاعدة تولول وتلطم على وشها وسط المواعين المكسورة والأكل اللي مغرق السيراميك:

ـ شوفت يا طارق؟ شوفت البت جربوعة الأرياف عملت فينا إيه؟ كسرت حاجتي وبهدلت أكلنا ورمت النعمة في الأرض قدام أخواتي؟ دي ملهاش قعاد معاك دقيقة واحدة!

طارق كان رايح جاي في الصالة زي المجنون، وشه أسود من الغضب والاحراج قدام خالاته اللي كانوا قاعدين يتبادلوا نظرات الشماتة ويهمسوا:

ـ أهي طفشت وخربتلك البيت.. دي واحدة عينه قوية ومفترية، كويس إنك طلقتها وخلصت منها.

طارق زعق فيهم كلهم وقال:

ـ خلاص! بس بقى محدش يتكلم! أنا هعرف إزاي أربيها وأخليها تيجي راكعة على ركبها هنا وتلم الأكل ده بلسانها!

عدى أسبوع.. وأنا في بيت أهلي قافلة تليفوني تماماً، ومقضياها نوم وأكل مع أمي، وبدأت أسترد صحتي ولوني يرجعلي تاني. وفي يوم، وأنا قاعدة مع أمي في الصالة، الباب خبط.

أحمد فتح الباب، ولقينا طارق واقف، ومعاه اتنين من كبار عيلته جايين “يصالحوا”.

طارق دخل وراسه ناشفة، وبصلي بنظرة كلها تحدي وقال لأحمد:

ـ أنا جاي عشان خاطر الأصول، وجايب كبار عيلتي معايا عشان نرجع مريم، بس بشرط.. مريم تنزل تعتذر لأمي وتَبوس على إيدها قدام خالاتها كلهم وتتعهد إن صوتها ميعلاش تاني في البيت.
أحمد ضحك بسخرية وقام وقف وقرب من طارق وقاله:

ـ تعتذر لمين يا عين أمك؟ أنتي جاي لحد بيتنا وبتتشرط؟ أختي مش راجعة، والطلاق اللي رميته في الشارع ده هيتثبت في المحكمة، وحقها وقايمتها وكل مليم ليها هتاخده وتالت ومتلت!

طارق وشه قلب وقال بغضب:

ـ قايمة إيه ومحكمة إيه؟ أختكم خرجت بعبايتها، وملهاش عندي قشة واحدة! والطلاق ده كان في ساعة غضب ومش هثبته، ولو فكرتوا ترفعوا قضايا، أنا هعملها “بيت طاعة” وهجيبها من قفاها غصب عنكم وعنها!

وقف طارق وبصلي وقال بثقة عمياء:

ـ ها يا مريم؟ هتلمي هدومك وتيجي معايا بالذوق والأصول وتعتذري لأمي، ولا هتشوفي أيام سودا في المحاكم ومش هتنولي مليم واحد وتفضلي معلقة؟

قمت وقفت، وبصيتله بكل برود، وابتسمت نفس الابتسامة اللي جننته يوم العزومة وقلتله…

قمت وقفت، وبصيتله بكل برود، وابتسمت نفس الابتسامة اللي جننته يوم العزومة وقلتله:

ـ المحاكم دي للي زيك يا طارق.. للي ميعرفش الأصول ولا عنده نَخوة يحمي بيها مراته في بيته. وأنا مبقتش أخاف من تهديدك، أعلى ما في خيلك وخيل أمك اركبوه!

أحمد أخويا مسبلوش فرصة ينطق، مسكه من ياقة جلابيته وزقه لبرة الباب وهو بيقول لكبار عيلته:

ـ برة أنتوا وهو.. بيتنا مالمش رمم، والكلب بتاعكم ده ملوش قعاد وسط رجالة. ورقبتنا سدادة في أي محكمة تختاروها.

طرد الموقف كله برة وقفل الباب في وشهم. طارق وقف في السلم يجعجع ويزعق ويهدد، وصوته واصل لآخر الشارع، لحد ما الجيران اتلموا عليه ومشي وهو بيحلف إنه هيطين عيشتي.

من تاني يوم، قررت مأنتخش ولا أقعد أعيط على أطلال الماضي. فتحت تليفوني، وبدأت أتحرك مع أخويا أحمد. روحت لمحامي كبير في أسيوط، وحكيتله كل حاجة بالتفصيل.. من أول الدهولة والشقا، لغاية رمي اليمين في الشارع وتهديده ببيت الطاعة.

المحامي ابتسم بثقة وقال:

ـ متقلقيش يا مدام مريم، اللي زي ده بيبقى صوته عالي على الفاضي. إحنا هنرفع قضية إثبات طلاق بناءً على اليمين اللي رماه في الشارع وقدام شهود (السواق وبتاع المحطة لو وصلنا ليهم، أو بشهادة أخوكي اللي سمع التهديد)، وهنرفع خلع لو لف ودور، ومعاها قضايا النفقة، والتمكين من شقة الزوجية، وطبعاً قايمة المنقولات كاملة.. والقايمة دي لوحدها فيها “حبس” لو مبدرش بتسليم الحاجه كاملة ومن غير نقص مسمار.
بدأنا الإجراءات فعلاً، والمحامي بعتله أول إنذار على يد محضر بتسليم منقولات الزوجية.

في القاهرة، الإنذار وصل لطارق وهو قاعد في ورشته.. نزل عليه زي الصاعقة. جرى بطوله على شقة أمه، دخل وهو بينهج والورقة في إيده:

ـ الحقيني يا أمي! البت مريم رفعت عليا قضايا.. وبعتالي إنذار بتبديد القايمة! دي كاتبة كل حاجة في القايمة، حتى المعالق والحلل التيفال، والمحامي بيقولي لو م سلمتهاش الحاجه في ميعادها هتحبس!

جملات سابت حتة القطايف اللي في إيدها وقامت وقفت مخروبة:

ـ تحبسك؟ يا نهار أسود ومنيل! تحبس ابني عشان شوية خشب ومواعين؟ لا يا طارق، إحنا مش هنسبلها الشقة ولا العفش، إحنا ننقل العفش ده كله بالليل في شقة خالتك فوزية، ونقول للمحكمة الشقة فاضية ومعندناش حاجة ليها!

طارق، بغبائه المعهود وطوعه لأمه، وافقها على طول. وبالفعل، لموا العفش كله في أنصاص ليل، ونقلوه لبيت خالتها فوزية عشان يثبتوا إن الشقة مفيهاش حاجة ويضيعوا عليا حقي.

لكن اللي مكنش في حساب جملات ولا ابنها، إن بواب العمارة “عم محمد” كان راجل صاحب حق، وصعبان عليه اللي جرا لمريم الشقيانة اللي كانت دايماً بتبل ريقه بلقمة أو شاي وهي نازلة وطالعة. عم محمد صورهم بالموبايل وهما بينقلوا الخشب في الضلمة، وبعت الفيديوهات دي لأخويا أحمد على الواتساب!

لما أحمد وراني الفيديوهات، المحامي بتاعنا ضحك بصوت عالي وقال:

ـ أهو ده الغباء اللي على أصوله! هما كدة ثبتوا على نفسهم جناية “تبديد منقولات زوجية” مع سبق الإصرار والترصد. الفيديوهات دي هتقدم للمحكمة، وطارق كدة رجله هتيجي في الحبس مفيهاش كلام.

وفي يوم الجلسة الأولى بالمحكمة..

حضر طارق ومعاه محاميه وهو لابس نضيف وعامل فيها الباشا اللي متهان، ووقف قدام القاضي وقال بثقة:

ـ يا سيادة القاضي، المدعية سابت بيتها من غير إذن، والعفش اللي بتتكلم عنه ده مش موجود في الشقة أصلاً، هي خرجت وحاجتها معاها، وأنا شقتي فاضية وعلى البلاط.
محامي طارق قدم مذكرة بيقول فيها إن الزوجة متبلية عليه.

هنا، محاميّ قام بكل هدوء، وطلع فلاشة وحطها قدام القاضي وقال:

ـ سيادة القاضي.. دفاع المتهم بيكذب وبيضلل العدالة. دي فيديوهات موثقة بالوقت والتاريخ، للمتهم وهو بيهرب منقولات الزوجية بالكامل بالليل في عربية ربع نقل لبيت خالة المتهم المدعوة “فوزية”، وده إقرار صريح منه بتبديد الأمانة والقايمة اللي ماضي عليها بكامل إرادته.

القاضي بص للفيديو، وملامحه اتغيرت تماماً، وبص لطارق اللي وشه بقى أبيض زي القماشة، وركبه بدأت تخبط في بعضها.. المحامي بتاعه وطي عليه وهمس في ودنه: “أنت كدة رحت في داهية يا طارق.. الفيديو ده هيحبسك!”

القاضي رفع الجلسة للقرار.. وطارق خرج برة القاعة وهو بيموت من الرعب، تليفونه رن، كانت أمه جملات بتقوله بصوت مرعوب:

ـ الحقني يا طارق! المحضرين ومعاهم قوة من الشرطة واقفين تحت بيت خالتك فوزية ومعاهم أمر تفتيش وتمكين لمريم!

وفي نفس اللحظة، كنت أنا وأحمد والمحامي والمحضرين واقفين في مدخل عمارت خالتها فوزية، والمنطقة كلها اتلمت. فوزية كانت واقفة في البلكونة بتصرخ وتلطم، وجملات لسه واصلة بتجري وبتنهج..

وقفت قدامهم في وسط الشارع، وبصيت لحماتي وخالتها بكل قوة وعيني لمعت بالنصر وقلت لهم…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *