ج الاخير حكايات روماني مكرم
ج الاخير

سكتت الحاجة زكية على الناحية التانية من الخط.. ثواني كانت فيها أنفاسها المتهدجة بتتسجل في ودني زي انتصار صامت. السكوت ده كان معناه إن الصدمة قطعت لسانها، إن الست اللي كانت بتخطط وتدبر وتهينني من ورا ضهري، اكتشفت فجأة إن القناع وقع، وإن “الضحية” هي اللي مسكت السكينة من النص.
قالت بصوت متلخبط ومكسور، غير الصوت القوي اللي كان بيردح من شوية:
* “هـ.. هناء؟ أنتِ بتقولي إيه يا بت أنتِ؟ أنتِ اتجننتي؟”
رديت عليها بنبرة أبرد من التلج، وأنا بصلة في عيون أشرف اللي كانت الدموع محبوسة فيها من كتر الرعب:
* “لا يا حجة، أنا عقلت.. عقلت أوي كمان. خلي ‘شيرين’ تجهز الفستان، وخلي بتوع الورد يرصوا الصواني، بس حطي في حسابك إن العريس بكرة الصبح هيكون مطلوب في النيابة بسبب إيصالات أمانة وشيكات المحل اللي كتبها بتوقيعه، والشقة اللي فاكرين إنكم هتجوزوه فيها، إيجارها القديم مدفوع من حسابي أنا، وعقدها باسمي.”
قفلت الخط في وشها من غير ما أستنى أسمع كذبة جديدة. التليفون كان بيرن في إيدي زي المجنون، اسم “أمي” على الشاشة، وبعدها اسم “شيرين”، بس أنا حطيت الموبايل على الترابيزة بفركة إيد واحدة.
أشرف كان واقف قدامي زي التلميذ المذنب اللي استنى العقاب. وشّه اتغير تماماً، الجبروت والذكاء اللي كان بيمثلهم اتمسحوا، وظهر مكانهم الجبن الحقيقي. قعد على الكرسي وهز رأسه بين إيديه، وبدأ ينتحب بصوت واطي:
* “هناء.. وحياة مريم عندك تسمعيني.. أنا اضحك عليا.. أمي هي اللي زقتني، أمي هي اللي قالت لي شيرين معاها فلوس وهتدخل معانا شريكة في المحل الجديد وهتفك أزمتنا.. أنا مابحبهاش والله العظيم ما بحبها، أنا بحبك أنتِ وبنتي!”
ضحكت.. ضحكة طالعة من قعر قلبي، فيها كمية وجع وسخرية تكفي بلد.
* “تصدق يا أشرف؟ أنت صعبان عليا.. مش عشان أنت خاين، عشان أنت جبان. بتبيع أمك في ثانية عشان تنفذ بجلدك، زي ما بعتني أنا وبنتك في ثانية عشان واحدة لابسة أصفر ومزوقة! أنت فاكر إن اللعبة دي هتنتهي بكلمتين ودعوتين؟”
في اللحظة دي، باب الأوضة اتفتح براحة. مريم خرجت، كانت ماسكة الدبدوب بتاعها وبتبص لأبوها بعيون مليانة حيرة وخوف. أشرف أول ما شافها، قام وجري عليها عشان يحضنها، فاكر إن البنت هتبقى درعه البشري اللي هيحميه مني:
* “مريم.. يا حبيبة بابا.. قولي لماما تسامحني.. قوليلها بابا بيحبنا.”
بس مريم رجعت لورا خطوتين.. رفعت إيدها الصغيرة وزقته براحة، وقالت بصوت طفولي بس كان زي الرصاصة في قلبه:
* “أنت مابتحبناش يا بابا.. أنت كنت بتحضن الست الصفرا وتضحك معاها وهي بتقول على ماما كلام وحش.. أنا شفتك.”
الكلمة نزلَت عليه زي الصاعقة. وشّه اتثبت، وإيده الممدودة اتجمدت في الهوا. البنت اللي كان بيفضل يسرح شعرها كل يوم جمعة وهو فخور، هي نفسها اللي كشفت كذبه ورفضت حضنه.
مسكت إيد مريم ودخلتها أوضتها تاني، وقفلّت الباب براحة. لفيت لأشرف وقُلت له:
* “مريم شافت كل حاجة يا أشرف.. شافت أبوها وهو بيبص لشرف عيلته وبيبيعه بقرشين. دلوقتي بقى.. قدامك عشر دقايق بالظبط. تلم كل هدومك، كل ورقة تخصك في البيت ده، وتاخد بعضك وتطلع برة.”
قام وقف بذهول:
* “أخرج أروح فين؟ دي شقتي!”
* “دي شقتي أنا بفلوسي وورثي اللي كلته، والعقد المكتوب بيننا يثبت ده. ولو خرجت بالذوق دلوقتي، هسيب المحامي يكلمك بكرة في الهدوء.. لكن لو قاوحت، الفيديو ده هيكون على جروب العيلة وعلى الفيس بوك خلال خمس دقايق، وبدل ما تخرج بكرامتك اللي فاضل منها قشور، هتخرج والحارة كلها بتشاور عليك وعلى أمك.”
أشرف بص لي، كان بيدور في وشي على “هناء” القديمة.. الست اللي كانت بتسامح في حقها، الست اللي كانت بتستنى كلمتين حلوين عشان تنسى الإهانة. بس مالقاش غير واحدة تانية خالص.. واحدة قلبت الصفحة وقررت تحرق الكتاب كله.
بدأ يلم هدومه بقلة حيلة، إيده كانت بتترعش وهو بيحط الهدوم في شنطة السفر. كل قطعة هدوم بيشيلها كانت بتفكرني بليلة سهرت فيها أكونم له عشان أشتريها له، بلقمة وفرتها من بؤي عشان هو يلبس ويبان “سيد الرجالة”. طلع من الأوضة وهو شايل الشنطة، وقف عند الباب ورمى المفاتيح على الترابيزة.
* “هتندمي يا هناء..” قالها بصوت مخنوق بالغل. “أمي مش هتسيبك، وشيرين عيلتها تقيلة وهياخدوا حقهم منك.”
بتسمت له ابتسامة هادية وقربت من الباب:
* “خليهم يجربوا يا أشرف.. أنت نسيّت إن الست لما بترمي الخوف من قلبها، مابيبقاش فاضل حاجة تخسرها. بكرة الساعة 10 الصبح، المحامي هيكون مستنيك في المحكمة عشان الإجراءات.. ويا ريت تروح للحجة زكية تقولها تجهز المهر الجديد، عشان الفلوس اللي كانت في البنك باسمك، أنا سحبتها النهاردة الصبح بالتوكيل الرسمي العام اللي أنت عملتهولي زمان.”
وشّه ابيضّ زي الورقة، شفايفه أتحركت من غير ما يطلع منها صوت. هو كان ناسي التوكيل ده تماماً.. كان فاكر إن التوكيل مجرد ورقة في وسط الأوراق، بس أنا كنت حاسبة كل خطوة من اللحظة اللي نزلت فيها من عمارة المنيرة.
فتحت الباب على آخره وزقيته برة الشقة، وقفلت الباب بالمفتاح.. تكة، اتنين، تلاتة.
قعدت على الأرض ورا الباب مباشرة. المسافة اللي بيني وبين الحرية كانت التكة دي. الدموع اللي حبستها طوال الساعات اللي فاتت نزلت أخيرًا، بس مكنتش دموع حزن ولا ضعف.. كانت دموع غسيل لسنوات من السذاجة والنفاق.
تليفوني رن تاني.. المرة دي كان رقم غريب. فتحت الخط وسكت.
