بعد خمس سنوات ج1
بعد خمس سنوات من العيش معنا
سمعتُ حماتي تبكي في الشرفة وتقول لشخص مجهول
يجب أن أخبرهم الحقيقة قبل أن أموت وفي تلك اللحظة أدركت أن المرأة التي أحببناها جميعًا كانت تخفي سرًا قد يدمّر العائلة بالكامل.
في البداية
جاءت حماتي لتعيش معنا لشهرين فقط بعد وفاة حماي.
وأقسم أنني يومها دخلت غرفتي وبكيت.
ليس حزنًا لانها جأت لتعيش معانا
بل خوفًا من حياتي القادمة.
كنت أسمع طوال عمري قصص النساء عن الحموات.
المشاكل.
التدخلات.
البيوت التي خربت بسبب كثرة الاحتكاك.
وكنت مقتنعة أن حياتي الزوجية ستتحول إلى جحيم.
خصوصًا أن حماتي كانت امرأة قوية جدًا
ومن النوع الذي يخشاه الجميع في العائلة.
حتى زوجي نفسه كان يتوتر أحيانًا من طريقة كلامها.
لذلك عندما قال لي
أمي ستبقى معنا فترة بسيطة حتى تتحسن نفسيًا
ابتسمت فقط
لكن داخلي كان يصرخ.
في الأيام الأولى
كنت أتحرك داخل البيت بحذر.
أراقب كل كلمة أقولها.
كل أكلة أطبخها.
كل تصرف أفعله أمامها.
كنت أنتظر أول انتقاد
أول مشكلة
أول تدخل في حياتي مع زوجي.
لكن المفاجأة
أن شيئًا من هذا لم يحدث.
بل حدث العكس تمامًا.
حماتي كانت امرأة طيبة بشكل لم أتوقعه أبدًا.
منذ أول يوم
كانت تستيقظ قبلي لتحضر الفطور للأطفال.
ترتب البيت.
تطوي الملابس.
وتحاول مساعدتي في كل شيء رغم تعبها.
وكلما قلت لها
خالتي، ارتاحي قليلًا
كانت تبتسم وتقول
طالما أستطيع الحركة أريد أن أخفف عنكم.
حتى أطفالي تعلقوا بها بسرعة.
ابني
الصغير كان يرفض النوم إلا بجانبها.
وابنتي تحفظ القصص التي كانت تحكيها كل ليلة.
وأقسم أن البيت تغيّر بوجودها.
صار أهدأ.
أدفأ.
وأكثر راحة.
حتى علاقتي بزوجي أصبحت أفضل.
لأنها لم تكن امرأة تحب المشاكل أصلًا.
بل كانت دائمًا تطفئ أي توتر قبل أن يكبر.
مرة عاد زوجي من العمل متوترًا ورفع صوته عليّ أمامها.
فالتفتت إليه فورًا وقالت بحزم
لا تكلّم زوجتك بهذه الطريقة.
صدمتني وقتها.
لأن أغلب الأمهات يدافعن عن أبنائهن حتى وهم مخطئون.
أما هي
فكانت عادلة بشكل جعلني أحبها أكثر كل يوم.
ومع مرور الوقت
تحولت من حماتي إلى شخص أشعر معه بالأمان الحقيقي.
حتى إنها أصبحت أقرب لي من بعض أهلي أحيانًا.
إذا مرضتُ
تبقى بجانبي طوال اليوم.
إذا تعبت نفسيًا
تجلس تستمع إليّ وكأنني ابنتها فعلًا.
وفي أصعب فترة مررنا بها ماديًا
باعت قطعة ذهب كانت تحتفظ بها منذ سنوات دون أن تخبر أحدًا، فقط حتى تساعدنا.
وعندما اكتشفتُ ذلك
بكيت بحرقة.
قلت لها
لماذا فعلتِ هذا؟!
فأجابتني ببساطة
أنتم أولادي الآن.
منذ تلك اللحظة
شعرت أن الله عوضني بها عن أشياء كثيرة مؤلمة في حياتي.
لكن قبل أسابيع قليلة
بدأت ألاحظ شيئًا غريبًا عليها.
كانت تسرح كثيرًا.
تنظر من النافذة بصمت طويل.
وتجلس وحدها في الشرفة بعد الفجر لساعات.
وفي إحدى الليالي
دخلتُ المطبخ فوجدتها تبكي بصمت.
ارتبكت فورًا وسألتها
خالتي ماذا بكِ؟!
مسحت دموعها بسرعة وقالت
لا شيء يا ابنتي فقط اشتقتُ لبيتي القديم.
شعرتُ
بانقباض داخلي.
لأنني لأول مرة أراها ضعيفة هكذا.
ومنذ تلك الليلة
بدأت تكرر الكلام نفسه.
أريد العودة إلى القرية.
أشتاق لجاراتي.
أريد أن أجلس أمام البيت القديم قليلًا.
في البداية
ظننتها مجرد لحظة حنين وستمر.
لكنها كانت جادة.
حتى إنها بدأت ترتب أغراضها بهدوء دون أن تخبرنا.
وعندما واجهها زوجي
قالت شيئًا كسر قلبي
لا أريد أن أموت وأنتم تشعرون أنني عبء عليكم.
بكيتُ يومها بشدة.
لأنها لم تكن عبئًا أبدًا.
بل كانت روح البيت كلها.
وحاولنا إقناعها بالبقاء
لكنها كانت تبتسم فقط وتغيّر الموضوع.
إلى أن جاءت الليلة التي غيّرت كل شيء.
كنتُ مستيقظة بعد منتصف الليل لأن ابنتي كانت مريضة.
خرجتُ لأحضر لها الدواء
فسمعتُ صوت حماتي تتحدث في الهاتف بصوت منخفض داخل الشرفة.
ولم أكن أنوي التنصت أبدًا
لكن جملة واحدة فقط جعلت الدم يتجمّد في عروقي.
كانت تبكي وهي تقول
لم يعد لدي وقت كثير ويجب أن أخبرهم الحقيقة قبل أن أموت.
تجمّدتُ في مكاني بعد تلك الجملة.
لم يعد لدي وقت كثير ويجب أن أخبرهم الحقيقة قبل أن أموت.
شعرتُ بأن قلبي توقف لثوانٍ.
كانت حماتي تبكي بصوت منخفض داخل الشرفة، بينما أنا واقفة خلف الباب ممسكة بزجاجة الدواء وغير قادرة حتى على التنفس.
ثم قالت للشخص الذي كانت تحدثه
تعبتُ من حمل هذا السر وحدي
سر؟
أي سر؟!
شعرتُ بقشعريرة تسري في جسدي كله.
وتراجعتُ بسرعة قبل أن تراني.
عدتُ إلى غرفتي وأنا بالكاد أستوعب ما سمعته.
طوال تلك الليلة
لم
أنم.
بقيتُ أحدق في السقف وأفكر
ما الحقيقة التي تخفيها؟
ولماذا كانت تبكي؟
ولماذا قالت إنها لم يعد لديها وقت كثير؟!
وفي الصباح
خرجتُ إلى المطبخ فوجدتها كعادتها.
تحضّر الشاي للأطفال.
وتبتسم بهدوء وكأن شيئًا لم يحدث.
لكنني هذه المرة كنت أنظر إليها بطريقة مختلفة تمامًا.
لأول مرة شعرتُ أن هناك شيئًا ثقيلًا جدًا داخل قلبها لم نعرفه يومًا.
وفي المساء
عاد زوجي من العمل.
وما إن جلس حتى قالت له
أريد أن أتحدث معك الليلة.
كان صوتها غريبًا.
هادئًا
لكن داخله شيء مخيف.
لاحظتُ أن زوجي توتر فورًا.
حتى إنه ترك الطعام دون أن يكمل.
وبعد العشاء
دخل غرفتها وأغلق الباب خلفه.
مرت ساعة كاملة.
ثم ساعة أخرى.
وأقسم أنني طوال ذلك الوقت كنت أشعر بأن شيئًا سيئًا جدًا يحدث خلف ذلك الباب.
وعندما خرج أخيرًا
شعرتُ أنني لا أعرف ملامحه.
كان شاحبًا بصورة أخافتني.
وعيناه حمراوين.
وكأنه بكى طويلًا.
لكن الصدمة الحقيقية
أنه بدا وكأنه فقد القدرة حتى على التفكير.
سألته فورًا
ماذا حدث؟!
لكنه تجاهل سؤالي تمامًا.
وقال فقط بصوت متعب
أمي متعبة لا تزعجيها الليلة.
ثم دخل غرفتنا وأغلق الباب.
لكنني أعرف زوجي جيدًا.
كان يرتجف.
وفي منتصف الليل
استيقظتُ على صوته وهو يبكي بصمت.
وجدته جالسًا وحده في الصالة، يحدق في الأرض بطريقة أخافتني.
اقتربتُ منه بسرعة وقلت
تكلم ماذا قالت لك؟!
رفع رأسه نحوي ببطء
ثم قال جملة جعلت الدم يتجمّد في عروقي
أمي ليست أمي الحقيقية.
شعرتُ
بأن الدنيا تدور حولي.
حدّقتُ فيه غير مصدقة.
لكنه أكمل بصوت مكسور
المرأة التي ربّتني طوال عمري كانت خالتي.
لم أستطع الكلام.
كل شيء أصبح ضبابيًا فجأة.
ثم أكمل
أمي الحقيقية ماتت
بعد ولادتي بأيام.
شعرتُ بأن قلبي ينقبض بقوة.
لكن الصدمة الأكبر
أن حماتي أخفت ذلك عنه طوال حياته.
خمسة وثلاثون عامًا
وهو يظن أنها أمه الحقيقية.
سألته بصدمة
كيف لم يخبرك أحد؟!
ضحك ضحكة قصيرة مليئة بالألم وقال
لأن أبي طلب منها أن تدفن الحقيقة للأبد.
ثم ساد الصمت.
صمت ثقيل جدًا.
لكنني لاحظت شيئًا غريبًا
رغم الصدمة
لم يكن الغضب ظاهرًا على وجهه بقدر الانكسار.
وكأنه لا يعرف كيف يشعر أصلًا.
ثم قال فجأة
لكن هذا ليس السر الحقيقي.
شعرتُ بالخوف فورًا.
وسألته
إذًا ما السر؟!
أغمض عينيه للحظات
ثم قال
أمي لم تمت بشكل طبيعي.
توقفت أنفاسي.
وأكمل بصوت مرتجف
قالت إن الجميع كذبوا عليّ طوال هذه السنوات.
شعرتُ بقشعريرة باردة تسري في ظهري.
ثم بدأ يحكي ما قالته له.
قالت له إن والدته الحقيقية كانت تعيش حياة تعيسة مع أبيه.
الخلافات بينهما لم تكن تتوقف.
الصراخ.
الإهانات.
والتوتر الدائم داخل البيت.
لكن أحدًا لم يكن يعرف الحقيقة كاملة.
إلى أن جاءت الليلة الأخيرة.
قالت حماتي إنها استيقظت فجرًا يومها على صوت شجار عنيف جدًا بين أختها وزوجها.
وكانت تسمع أختها تبكي وهي تقول
لن أتحمل أكثر من هذا!
ثم سمعت صوت شيء يتحطم.
وصوت ارتطام قوي.
ركضت نحو الدرج
فوجدت أختها ممددة على الأرض والدم يخرج من رأسها.
وبجانب الدرج كانت هناك مزهرية مكسورة متناثرة فوق السجاد.
أما والد زوجي
فكان واقفًا أعلى الدرج ينظر إليها بصدمة وكأنه لا يصدق ما حدث.
شعرتُ
بأن يدي بدأت ترتجف.
وأكمل زوجي بصوت مخنوق
قالت إنها ظلت سنوات تحاول إقناع نفسها أن ما حدث كان مجرد حادث.
ثم رفع عينيه نحوي وقال
لكنها رأت أشياء جعلتها تشك طوال عمرها.
سألته بخوف
ماذا رأت؟
ابتلع ريقه بصعوبة
ثم قال
رأت آثار أصابع زرقاء على ذراع أمي كأن أحدهم أمسكها بعنف.
صمت للحظة
ثم أضاف
وسمعته بعدها يردد وهو يبكي
أنا لم أقصد أقسم بالله لم أقصد.
وضعتُ يدي فوق فمي من الصدمة.
شعرتُ بالغثيان.
أما زوجي
فبدأت دموعه تنزل بصمت.
وقال
أبي أخبر الجميع أنها سقطت بسبب الدوخة.
ثم أضاف
وتم تسجيل الوفاة وقتها كحادث سقوط بعد شهادة العائلة والطبيب.
ساد الصمت للحظات.
ثم قال بصوت مختنق
وخلال أسابيع تزوج خالتي حتى تبقى لتربي الطفل.
ذلك الطفل
كان هو.
لكن هذه المرة
لم يستطع التماسك أكثر.
ضرب الحائط بقبضته فجأة وهو يصرخ
كيف استطاع أن ينظر في وجهي كل هذه السنوات وكأن شيئًا لم يحدث؟!
ثم انهار جالسًا وهو يبكي بطريقة مزّقت قلبي.
وأقسم أنني لأول مرة شعرت أن حماتي لم تكن تعيش معنا فقط لأنها تحبنا
بل لأنها كانت تحمل خوفًا وذنبًا منذ عشرات السنين.
وفي اليوم التالي
دخلتُ غرفتها.
كانت جالسة تقرأ القرآن بهدوء.
وعندما رأتني
ابتسمت لي كعادتها.
لكنني لم أستطع التظاهر.
جلستُ أمامها مباشرة وقلت
لماذا أخفيتِ كل هذا؟!
ارتجفت يداها فوق المصحف.
ثم قالت بصوت متعب
لأنني كنت أخاف أن يكرهني.
شعرتُ بالدموع تملأ عيني.
فأكملت
ربّيته منذ كان رضيعًا وكان
كل ما أخشاه أن أخسره عندما يكبر.
ثم نظرت نحوي وأضافت
وكنت أخاف أيضًا أن تدمر الحقيقة حياته وأن يكبر وهو يحمل الكراهية لأبيه ولي معًا.
صمتت للحظة
ثم قالت
كنتُ أريد أن يموت هذا السر معي.
لكنني سألتها
ولماذا قررتِ الكلام الآن؟
وهنا
تغيّر وجهها بالكامل.
وأقسم أنني شعرت بالخوف الحقيقي لأول مرة.
نظرت نحو باب الغرفة
ثم قالت بصوت منخفض جدًا
لأنني منذ شهر رأيتُ شخصًا ظننته مات منذ سنوات.
شعرتُ بأن قلبي بدأ يخفق بعنف.
وسألتها هامسة
من؟
لكن قبل أن تجيب
سمعنا فجأة صوت باب البيت يُفتح بعنف.
ثم دخل زوجي وهو شاحب بطريقة مرعبة.
كان يمسك شيئًا بيده المرتجفة.
وعندما اقترب منا
رأيتُ أنها صورة قديمة.
صورة لوالده.
لكن الصدمة التي جمّدت الدم في عروقي
أن المرأة التي كانت تقف بجانبه في الصورة
كانت تشبه حماتي بشكل مرعب.
إلا أنها لم تكن هي.
تجمّدتُ في مكاني وأنا أحدق في الصورة.
كانت امرأة تقف بجانب والد زوجي قبل أكثر من ثلاثين عامًا.
تشبه حماتي بطريقة مخيفة
لكنها لم تكن هي.
نفس العينين.
نفس الملامح.
حتى الابتسامة نفسها.
لكن المرأة في الصورة كانت أصغر بكثير
وترتدي فستانًا قديمًا يعود لسنوات بعيدة.
والأغرب
أن خلف الصورة كانت هناك جملة مكتوبة بخط مرتجف
إذا حدث لي شيء فابني ليس آمنًا هنا.
شعرتُ ببرودة تسري في جسدي كله.
أما زوجي
فكان واقفًا أمامنا ويده ترتجف.
ثم قال بصوت مخنوق
وجدتُ الصورة داخل غرفة أبي القديمة.
شعرتُ أن حماتي شحبت
فجأة.
وأخفضت عينيها فورًا.
سألها زوجي بسرعة
من هذه المرأة؟!
ساد صمت ثقيل داخل الغرفة.
ثم بدأت حماتي تبكي بهدوء.
وقالت
هذه أختي.
شعرتُ بأن قلبي انقبض.
أختها؟
إذًا المرأة في الصورة
هي والدة زوجي الحقيقية.
لكن لماذا بدا الخوف على وجه حماتي بهذه الطريقة؟
اقترب زوجي منها أكثر وقال
ما الذي رأيتِه قبل شهر وجعلكِ تتكلمين الآن؟
رفعت رأسها نحوه ببطء
وقالت
لأنني رأيتُ ابن عمنا.
تجمّدتُ فورًا.
أما زوجي
فحدق فيها بعدم استيعاب.
ثم همس
لكنهم قالوا إنه مات
أغمضت عينيها للحظات
ثم قالت
اختفى بعد الحادثة مباشرة ولم يره أحد منذ ذلك اليوم.
شعرتُ بقشعريرة تسري في جسدي.
ثم بدأت تحكي الحقيقة كاملة لأول مرة.
قالت إن أختها والدة زوجي لم تكن تعيش تعاسة مع زوجها فقط
بل كانت تخاف منه.
لأنه كان رجلًا عصبيًا جدًا.
ويغضب بعنف.
ويشكّ في الجميع.
وفي آخر سنة قبل وفاتها
بدأ يشك أن هناك رجلًا آخر في حياتها.
لكن الحقيقة
أن الرجل لم يكن عشيقًا كما ظن.
بل كان ابن عمهم.
الرجل الوحيد الذي كانت أختها تلجأ إليه عندما يضربها زوجها أو يهينها.
وكان يحاول دائمًا إصلاح الأمور بينهما.
لكن والد زوجي كان يرفض تصديق ذلك.
وفي الليلة الأخيرة
حدث الشجار الكبير.
قالت حماتي إنها سمعت والد زوجي يصرخ
أقسم بالله إذا خرجتِ من هذا البيت مرة أخرى إليه سأقتلكِ!
ثم سمعت أختها تبكي.
وبعد دقائق
سمعت صوت الارتطام.
وعندما نزلت
وجدت أختها غارقة في دمها أسفل الدرج.
أما والد
زوجي
فكان واقفًا في الأعلى مصدومًا.
لكن الصدمة الحقيقية
أنه كان يبكي ويقول
أنا لم أقصد.
شعرتُ بأن أنفاسي توقفت.
وسألتها هامسة
إذًا هل دفعها فعلًا؟
انهارت حماتي بالبكاء.
وقالت
بعد سنوات اعترف لي بكل….تابع للجزء الثاني
