ج الاخير حكايات روماني مكرم

ج الاخير

بصيت له بنظرة أخيره، نظرة مفيهاش أي شفقة ولا أي ندم، وقُلت له بصوت هادي وواثق هز أركان المحل:
* “أنا مخربتش بيتك يا أشرف.. أنت اللي بنيت بيتك من قش، ولما جت شوية هوى نضاف، طيروه. ده مش الدمار يا ابن زكية.. ده مجرد بداية الحساب.”
مرت تلات أشهر على اليوم ده.. تلات أشهر كانوا كفيلين إن كل واحد ياخد حسابه بالقسطاس المستقيم.
الأستاذ سامح المحامي كمل المشوار للمناقير. قضية الطلاق للضرر اتحكم فيها لصالحي من أول جلسة بعد ما المحكمة شافت فيديو الكاميرا وشهادة الشهود. أخدت حضانة مريم، ونفقة محترمة، وشهادة القاضي اللي قالت في حيثيات الحكم إن الخيانة المتلبسة بالدليل الثابت لا تدع مجالاً للشك في عدم أمانة الزوج.
أما المحل، فاسترديته بالكامل بعد ما أثبتنا بالدفاتر وحركة الحسابات إن كل البضاعة والأصول مدفوعة من شيكات باسمي وورثي. شيلت اليافطة القديمة اللي كان عليها اسمه، وعملت تجديد شامل للمكان.. وسميته “مريم”. المحل بقى يدخل أضعاف اللي كان بيدخله زمان، عشان ربنا لما بياخد منك زيف، بيعوضك بالبركة والصح.
وأشرف؟
الست “شيرين” وأهلها رفعوا عليه قضية رد قيمة شبكة وهدايا كانوا جايبينها له، وبعد ما اكتشفوا إنه مكسور ومحيلتوش ولا مليم، سابوه ورموه زي الكارت المحروق. الحاجة زكية، اللي كانت بتدعى الفقر والمرض عشان تكسر نفسي، جتلها جلطة خفيفة بجد المرة دي من كتر الصدمة والفضايح اللي طالتهم في الحارة، وبقت قاعدة في شقة المنيرة، لا حيلتها قرش، ولا حيلتها الست اللي كانت بتخدمها بعينيها.
في يوم أربع الصبح، كنت واقفة في المحل بنظم البضاعة الجديدة، وريحة الورد الطبيعي مليانة المكان. الباب اتفتح، ودخل أشرف.
مكنش هو نفس الراجل بتاع زمان.. كان دبلان، هدومه مبهدلة، ووشه مليان انكسار وندم. بص لي بنظرة شحات بيدور على لقمة عيش، ووقف بعيد مش قادر يخطو خطوة واحدة جوه المحل اللي بقى مكتوب باسمي.
مقالات ذات صلة
* “إزيك يا هناء..” قالها بصوت واطي ومكسور.
بصيت له بثبات وابتسامة هادية:
* “الحمد لله يا أشرف.. خير؟ المحامي قال لي إن كل الأوراق الخالصة اتمضت.”
قرب خطوة، ودنّس عينه في الأرض:
* “أنا جاي أطلب منك السماح.. أمي تعبانة بجد بتموت في البيت، وأنا مش قادر أجيب لها الدوا.. المحل راح، والفلوس راحت، وشيرين وأهلها جردوني من كل حاجة. أنا عرفت إن ربنا بيخلص منك يا هناء.. وحياة مريم عندك تسامحيني، وتخليني أشوف بنتي ولو خمس دقائق.”
بصيت له طويلة.. كنت فاكرة إن اللحظة دي هيجي معاها رغبة في الانتقام أو الشماتة، بس اكتشفت إن أحسن حاجة وصلتلها هي “اللامبالاة”. أشرف بالنسبة لي بقى مجرد غريب مالوش أي وجود في حياتي.
طلعت محفظتي، طلعت منها مبلغ محترم حطيته على الترابيزة قدامه، وقُلت له:
* “الفلوس دي لله.. عشان علاج الحاجة زكية، ومش عشان خاطرك ولا خاطرها، عشان ربنا ما يقطعش بحد. أما مريم، فبنتك هتشوفها في المواعيد اللي حددتها المحكمة ورؤية القانون.. أنا مش هحرمها منك، بس مش هسمح لك تدمر نفسيتها بتزييفك تاني.”
أشرف بص للفلوس، وبعدين بص لي وعينيه مليانة دموع ندم.. أخد الفلوس بإيد بتترعش، ولف وضهره منحني عشان يخرج.
وهو يفتح الباب، دخلت مريم الصغيرة وهي ماسكة شنطة مدرستها وتضحك مع عمها محمود. بصت لأبوها ببرود، وقالت له: “إزيك يا بابا”، وعدت من جنبه وراحت حضنتني.
وقف هو على العتبة، يراقب المشهد.. يراقب الست اللي استهان بيها وهي تبني إمبراطوريتها الصغيرة، والبنت اللي كانت بتسرح شعرها وهي فرحانة بيك، وهي دلوقتي بتكبر وتحترم نفسها بعيد عنه.
قفلت باب المحل ورا خروجه، وبصيت لمريم ولمحمود وللمستقبل اللي بيستناني.. وفي اللحظة دي بس، حست إن المعبد لم يقع عليا.. المعبد اتهد على اللي يستاهل، وأنا خرجت منه بأغلى حاجة: كرامتي، وبنتي، وحياتي الجديدة.

الصفحة السابقة 1 2 3

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *