اضحية العيد ج2 حكايات روماني مكرم

ج2

نزلت دموعي وأنا ببص لبابا وهو ماسك إيدي وعينه مليانة عزة نفس ووجع في نفس الوقت. الكسرة اللي كنت حاساها قدام حماتي وجوزي تبخرت، وحل محلها سند أبويا اللي حسسني إني مش لوحدي في الدنيا.

أحمد اتسمر مكانه، وبص لأكياس اللحمة اللي بابا طلعها، وشه جاب مية لون، وحس بالخزي لأن شكلنا قدام أهلي بقى صغير جدًا.

حماتي حبت تلحق الموقف بس بطريقتها، لوت بوزها وقالت بنبرة فيها كبرياء مزيف: “يا حاج إحنا مقولناش بنتك شحاتة، إحنا بس بنوفر قرشين لبيت ابننا، والدنيا غلا وأنت أدرى.. ومفيش داعي لخراب البيوت على حتة لحمة.”

بابا مابصلهاش أصلاً، فضّل موجه كلامه لأحمد وقال بقوة: “أنا بنتي متجوزة راجل يشيلها ويشيل أهلها في عينه، زي ما إحنا شايلينه. لما بنتك تطلب تراضي أهلها باتنين كيلو لحمة من خير جوزها، تكسر بخاطرها؟ وتسمح لأمك تهينها وتعايرها بإنها لسه ربنا مارزقهاش بالخلف؟”

أحمد بص لأمه بصدمة وقال: “أنتِ قولتلها كده يا أمي؟”

حماتي ارتبكت ولفت وشها: “أنا مقولتش حاجة، أنا كنت بنصحها تلم إيدها.”

بابا شد على إيدي وقال لي تاني: “ادخلي يا بنتي هاتي هدومك، العيد ده هتقضيه في وسط أهلك اللي بيعزوا قيمتك.”

أحمد قرب بسرعة ومسك إيد بابا وقال بنبرة متوترة: “يا عمي استهدى بالله، دي ساعة شيطان ومحصلش حاجة لكل ده، دي مراتي وبيتي، واللحمة كلها تحت رجليها ورجلين أهلها.”

أنا وقفت في النص، سحبت إيدي من أحمد وبصيت له بجمود وقلت: “اللحمة اللي تيجى بالخناق وبعياطي وكسرة نفسي ونفس أهلي، متلزمنيش يا أحمد. أنت مكسرتش خاطري في اتنين كيلو لحمة.. أنت كسرتني لما سكت وأمك بتهينني، وكسرتني لما وفقت إن أختك تاخد الهبرة الكبيرة وأهلي ييجوا ياكلوا كأنهم شحاتين مالهمش قيمة.”

دخلت الأوضة وبابا وماما واقفين في الصالة، وأحمد بيحاول يتكلم مع بابا ويطيب خاطره، وحماتي عمالة تبرطم بصوت واطي في المطبخ.

لميت شنطتي، كل حتة في الأوضة كانت بتفكرني بأربع سنين علاج وعياط وأمل في طفل، وأربع سنين استحمال لحماتي عشان خاطر أحمد.. وفي الآخر، في أول محاكة حقيقية، أحمد باعني وباع كرامتي في ثانية.

خرجت بالشنطة، أحمد أول ما شافها وشه اتخطف وقالي: “هتمشي يا ندى؟ هتهدي بيتك يوم العيد عشان خاطر كبرياء؟”

بصيت له وقلت: “البيت اللي ملوش أساس من الكرامة والعدل، ميهدوش شنطة هدووم.. هو مهدود من الأول يا أحمد.”

بابا شال الشنطة مني، وبص لأحمد وقال له: “بنتي في بيتي معززة مكرمة، ولما تصفوا حساباتكم وتعرفوا قيمة ولاد الأصول.. يبقى لكل حادث حديث.”

نزلنا السلم، وصوت تكبيرات العيد شغال في الميكروفونات، والشارع كله كان بيبص علينا وأنا نازلة بشنطتي يوم العيد الصبح. جوزي كان واقف في البلكونة وشه أسود من الكسوف، وحماتي واقفه وراه بتبص بشماتة مخلطة بقلق.

ركبنا العربية مع بابا وماما، وأول ما التحرك بدأ، انفجرت في العياط في حضن أمي. أمي طبطبت عليا وقالت: “عيطي يا بنتي واغسلي قلبك، بس اعرفي إنك معملتيش حاجة غلط.. ربنا ميرضاش بالظلم.”

وصلنا بيت أبويا، البيت اللي عشت فيه أجمل أيام عمري. دخلت أوضتي القديمة، حطيت الشنطة، وحسيت برغبة رهيبة في النوم.. كأني كنت في معركة وبقالي سنين منمتش.

تليفوني مابطنش رن.. أحمد كان بيتصل ورا التاني، ويبعت رسائل: “ردي عليا يا ندى.. أمي مكنتش تقصد.. أنا غلطت وعايز أصالحك.. ارجعي عشان شكلي قدام الناس في العيد.”

كل همّه كان شكله قدام الناس!

قفل تليفوني تماماً ونمت.

صحيت قبل المغرب على صوت حركة في الصالة برا وصوت رجالة. قمت غسلت وشي وخرجت براحة أشوف في إيه.

أول ما طلعت الصالة، اتجمدت مكاني من المفاجأة..

لقيت أحمد قاعد، ومعاه عمي الكبير وخالي، وبابا قاعد قصادهم ووشه مفسرش خالص.

بس الصدمة الحقيقية كانت في الشئ اللي كان محطوط على ترابيزة الصالة الكبيرة، وأحمد بيشاور عليه وباصص لبابا..

حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم

كان المحطوط على الترابيزة شنطة سفر قماش من الحجم الكبير، مفتوحة وسيرها متدلي على الأرض، وجواها أكياس لحمة كتير جداً مرصوصة فوق بعضها بشكل يلفت العين، ومعاها علبة بلاستيك شفافة باين منها الكبدة والريش.

أحمد أول ما شافني خارجة من الأوضة، وقف بسرعة وعينه جت في عيني، وبان على وشه التعب والإحراج. عمي وخالي بصوا لي بنظرات هادية، وبابا فضل قاعد في مكانه، ملامحه جادة ومفيش عليها أي تعبير.

أحمد اتكلم بصوت حزين ومكسور قدام رجالة عيلتي: “يا عمي، أنا جيت لحد هنا ومش خارج من غير مراتي. الشنطة دي فيها نص الأضحية بالظبط.. الكبدة والريش والفخدة، وكل حتة حلوة في العجل. أنا جيت أصالح ندى وأصالحك، وأعرفكم إن قيمتكم عندي أكبر من أي عجل ومن أي لحمة.”

خالي بص لبابا وقال: “أهو يا حاج ناصر، جوز بنتك جالك لحد بيتك ويوم العيد، وشايل كرامتها وكرامتك فوق راسه وجايب حقها لحد هنا.. والصلح خير.”

أنا وقفت مكاني، وبصيت للشنطة الكبيرة المليانة لحمة، وحسيت بغصة في حلقي. اللحمة اللي كانت الصبح سبب في طردي وإهانتي، جاية لحد عندي بالكوم.. لكن هل دي اللي هتشفي جرح قلبي؟

بصيت لأحمد وقلت بصوت هادي بس طالع من وسط وجعي: “أنت فاكرني كنت زعلانة على لحمة يا أحمد؟ فاكر إن أهلي ناقصهم لحمة عشان تجيب الشنطة دي وتيجي؟”

أحمد قرب خطوتين وقال بلهفة: “عارف والله يا ندى إنك مش طمعانة، وعارف إن أهل الشرف والواجب ميبصوش للحاجات دي.. أنا اللي غلطت، وفهمت إن سكوتي الصبح كان قلة أصل مني. أمي زعلت مني لما أخدت اللحمة دي وجيت، وقالت لي لو خرجت باللحمة دي لأهلها متبقاش ابني، وأنا قولت لها ندى وأهلها أهم.. وجيت لك.”

كلام أحمد كان المفروض يريحني، لكنه في الحقيقة زود قلقي. يعني هو ما جاش غير لما عمل خناقة تانية مع أمه؟ يعني المشكلة لسه قايمة والبيت هناك قيد الاشتعال؟

بابا وقف في اللحظة دي، وبص لأحمد نظرة طويلة، وبعدين بص للشنطة وقال برزانة وهدوء: “أنت نورتنا يا أحمد، واللحمة دي مرجوعة معاك يا ابني.. إحنا مبنبيعش كرامة بنتنا بشنطة لحمة، ولا بنصالحها بوزنة ميزان.”

أحمد وشه اتقلب وقال بخوف: “يعني إيه يا عمي؟ أنت مش هتقبل صلحنا؟”

بابا كمل وقال: “الصلح مش هنا يا أحمد.. الصلح لما بيتك يتعدل، ولما أمك تعرف إن بنتي ليها كلمة وأصول في بيتها، ولما أنت تتعلم تقف في وش الغلط وتحمي مراتك من غير ما تظلم أمك برضه. اللحمة دي تاخدها وترجع بيها، وبنتي هتفضل هنا معززة مكرمة كام يوم لحد ما العيد يخلص، ونشوف القلوب هتنظف إزاي.”

أحمد بص لي بنظرة رجاء أخيرة: “عشان خاطري يا ندى.. متصغرنيش قدام أهلي وناسي، ارجعي معايا والشنطة دي هنشيلها سوا وندخل بيها لأهلك بعدين.”

قبل ما أرد على أحمد وقبل ما أخد قراري اللي هيحدد مصير بيتي كله.. تليفون أحمد رن بصوت عالي في الصالة.

بص على الشاشة ووشه اتخطف تماماً، وبص لبابا برعب.. الرنة كانت من أخته “أم محمود”، والظاهر إنها عرفت باللي أحمد عمله وأخد اللحمة وجاء لبيتنا، والمكالمة دي هتقلب الترابيزة على الكل..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *