ج3 ضحية الغربة

حكايات اماني سيد

فضلت كام يوم في البلد دي، لكن ما حاولتش أشوفه ولا أواجهه. كل مرة كان يكلمني كنت أرد بنفس الهدوء، أضحك وأهزر وأتكلم معاه كأن مفيش حاجة حصلت. كنت محتاجة يفضل مطمن، لأن الراجل اللي عاش سنين يكذب من غير ما يتكشف، أكيد أول ما يحس إني عرفت الحقيقة هيبدأ يخبّي كل حاجة.

 

ولما جه ميعاد رجوعي، ركبت الطيارة بنفس الشنطة اللي سافرت بيها… لكن البنت اللي رجعت ما كانتش هي البنت اللي سافرت. أنا سافرت وأنا شايلة هدية لجوزي، ورجعت وأنا شايلة حقيقة كسرت عمري كله.

 

أول ما وصلت مصر، ما روحتش بيتي على طول. طلبت من السواق يوديني لكافيه هادي بعيد عن أي حد يعرفني. قعدت هناك ساعات، بحاول أستوعب اللي حصل، وبفكر في الخطوة اللي جاية. كنت كل ما أفتكر كلامه وهو بيقول: “بكرة أخلص منها خالص.” أحس إن الدم بيغلي في عروقي.

 

رجعت البيت متأخر، وكل اللي حواليا كانوا فاكرين إني لسه بحلم بالسفر اللي نفسي أعمله. محدش كان يعرف إني سافرت أصلًا… ومحدش كان يعرف إن حياتي كلها اتقلبت في كام ساعة.

 

عدت الليلة بصعوبة، وتاني يوم أول ما النهار طلع، لبست ونزلت من غير ما أقول لحد رايحة فين. كان عندي هدف واحد… ألاقي محامي شاطر يفهمني أنا ليا حقوق ولا لأ.

 

لفيت على أكتر من مكتب، وكل واحد كان يقولي كلام غير التاني. واحد يقولي: “طالما متجوز عليكي يبقى ليكي حق.” والتاني يقولي: “لازم الأول نعرف نوع الجوازة اللي هناك وإيه الأوراق اللي معاكي.” فضلت ألف لحد ما وصلت لمكتب محامي كبير، أول ما دخلت وحكيتله القصة من أولها لآخرها، ساب القلم من إيده وبصلي وقال:

 

“قبل أي حاجة… متقوليلوش إنك عرفتي.”

 

استغربت وسألته: “ليه؟”

 

قال بهدوء: “لأن أول غلطة بتقع فيها أي ست مخدوعة إنها تروح تواجه. أول ما يكتشف إنك عرفتي، هيبدأ ينقل فلوسه، ويغير كلامه، ويمكن يجهز نفسه قانونيًا. لكن طول ما هو فاكر إنك مصدقاه، هيكشفلك كل حاجة بإيده.”

 

بلعت ريقي وأنا بسأله: “يعني أعمل إيه؟”

 

فتح مفكرته وقال: “من النهارده، أي رسالة يبعتها احتفظي بيها. أي مكالمة بينكم اكتبي بعدها ملخص بالكلام اللي قاله. ولو طلب منك أي فلوس أو أوراق تخص الأرض، وافقي بالكلام وبس… لكن ماتبيعيش أي حاجة، وما تمضيش على أي ورقة قبل ما ترجعلي.”

 

خرجت من عنده وأنا لأول مرة من ساعة ما شوفته تحت العمارة، حاسة إن عندي طريق أمشي فيه. صحيح الطريق طويل، ويمكن ياخد شهور، لكن على الأقل بقى عندي أمل إني أرجع كرامتي وحق السنين اللي ضاعوا.

 

وأنا ماشية ناحية العربية، رن تليفوني.

 

كان هو.

 

بصيت لاسمه على الشاشة، وافتكرت حضنه للست التانية، وضحكته وهو بيقول إنه هيخلص مني قريب.

 

غمضت عيني، ومسحت أي أثر للوجع من صوتي، وبعدها ضغطت على زر الرد…

 

قبل بيومين من معاد مكالمته، كنت خرجت من عند المحامي وأنا حاسة إن لأول مرة من ساعة ما اكتشفت خيانته، عندي خطة أمشي عليها. كان كل اللي بيطلبه مني إني أهدى، وأمثل إني لسه الزوجة اللي مصدقة كل كلمة بيقولها. لأن أي مواجهة دلوقتي هتخليه يستخبى، وأنا محتاجة يفضل مطمن لحد ما يجمع بنفسه كل الأدلة اللي هتدينه.

 

عدى يومين، وفي معاد مكالمتنا المعتاد، رن تليفوني.

 

بصيت لاسمه على الشاشة، وأخدت نفس عميق قبل ما أرد.

 

أول ما سمع صوتي، قال بنفس الحنية اللي كنت بصدقها سنين:

“وحشتيني يا حبيبتي… عاملة إيه؟ ارتحتي بعد السفر؟”

 

ابتسمت ابتسامة حزينة، لكنه طبعًا ماكانش شايفها، وقلت بهدوء:

“الحمد لله… بقيت أحسن.”

 

قال وهو بيضحك:

“أنا كنت قلقان عليكي، حسيت صوتك آخر مرة كان تعبان.”

 

رديت:

“أكيد من الإرهاق بس… الحمد لله بقيت كويسة.”

 

سكت ثواني، وبعدها لقيته دخل في الموضوع اللي كان شاغل دماغه من أول لحظة.

 

“ها… فكرتي في موضوع الأرض؟”

 

ابتسمت بسخرية، لكن صوتي خرج هادي جدًا.

 

“بصراحة… آه. كل ما أفكر ألاقي إن يمكن بيعها يكون أحسن. بدل ما هي واقفة من غير أي استفادة، نبيعها وأديك فلوسها تعمل المشروع اللي نفسك فيه. يمكن ربنا يكرمك وترجع تستقر في مصر، ونعيش أخيرًا مع بعض.”

 

لأول مرة من بداية المكالمة، حسيت إن نبرة صوته اتغيرت.

 

فرحته كانت واضحة، حتى وهو بيحاول يخبيها.

 

قال بسرعة:

“والله يا حبيبتي لو ده حصل، حياتنا كلها هتتغير. المشروع ده لو اتعمل، مش هحتاج أفضل مغترب كتير.”

 

قلت بنبرة كلها ثقة فيه:

“أنا أصلًا ماليش حد أولى بالفلوس دي غيرك. الأرض في الآخر هتفضل أرض… لكن لو كانت سبب إنك ترجعلي، يبقى تتباع النهارده قبل بكرة.”

 

سكت لحظة، وبعدها قال:

“ربنا يخليكي ليا. والله عمرك ما قصرتي معايا.”

 

ابتسمت وأنا باصة في الفراغ قدامي.

 

لو كان بيشوف وشي في اللحظة دي، كان عرف إن الست اللي بيكلمها دلوقتي مش هي نفس الست اللي سابها من كام يوم.

 

قلتله وكأني بسأل سؤال عادي:

“طب لو لقيت مشتري، أبدأ في الإجراءات؟”

 

رد بسرعة من غير ما يفكر:

“آه طبعًا… بس أوعي توافقي على أي حاجة قبل ما تبلغيني. وأنا هبعتلك بيانات الحساب، أول ما الفلوس تخلص تحوليهم على طول عشان ألحق أحجز في المشروع.”

 

الكلمة الأخيرة خلتني أتأكد إن المحامي كان عنده حق.

 

ولا مرة سألني هيتباع بكام علشان أستفيد.

 

ولا مرة قال احتفظي بجزء ليكي.

 

ولا حتى فكر يقولي سيبي مبلغ تأمني بيه مستقبلك.

 

كل اللي كان يهمه… إن الفلوس توصل لإيده.

 

ابتسمت وقلت بمنتهى الهدوء:

 

“متقلقش… أول جنيه هيطلع من الأرض هيكون من حقك.”

 

قفل المكالمة وهو في قمة سعادته.

 

أما أنا…

 

فحطيت التليفون على الترابيزة، وابتسمت لأول مرة من قلبي.

 

لأن الطمع…

 

بدأ يتكلم بدل عنه.

بعد المكالمة على طول، بعتلي رسالة كلها قلوب ودعوات، وكأنه فجأة افتكر إنه زوج بيحب مراته. قريت الرسالة وأنا بضحك بمرارة، لأن الراجل اللي عمره ما عرف يطمني بكلمة من غير مناسبة، بقى فجأة بيغرقني بكلام حلو أول ما شم ريحة فلوس.

 

كتبتله: “أنا هبدأ أسأل على مشتري من الأسبوع الجاي، وربنا يقدم اللي فيه الخير.”

 

رد في أقل من دقيقة: “إن شاء الله خير يا حبيبتي، ولو احتجتي أي حاجة كلميني. أهم حاجة متستعجليش في البيع.”

 

قفلت المحادثة، وبعدها أخدت كل الرسائل الجديدة وروحت بيها للمحامي.

 

قرأهم كلهم بهدوء، وبعدين حط الموبايل على المكتب وقال: “هو وقع.”

 

استغربت وقلت: “وقع إزاي؟”

 

قال: “من أول ما كلمتيه عن بيع الأرض، كل كلامه بقى عن الفلوس. ولا مرة سألك إنتِ هتعيشي إزاي بعد ما تبيعي، ولا فكّر يسيبلك جزء تأمني بيه نفسك. ده معناه إن هدفه واضح.”

 

قلتله: “طب أعمل إيه دلوقتي؟”

 

قال: “نكمل زى ما إحنا. خليه يحس إن كل حاجة ماشية زى ما هو عايز. والطماع لما يحس إن الفلوس قربت منه، بيغلط.”

 

هزيت راسي، وخرجت من عنده وأنا مقتنعة بكلامه.

 

عدى أسبوع، وكل يوم جوزي يتصل يسألني نفس السؤال.

 

“في جديد؟”

 

“حد سأل على الأرض؟”

 

“لقيتي مشتري؟”

 

بقى بيكلمني أكتر من الأول، ويقفل المكالمة بعبارة واحدة:

 

“اصبري شوية يا حبيبتي… قريب هنعيش مع بعض.”

 

كل مرة أسمعها، كنت أفتكر حضنه للست التانية.

 

وفي يوم، اتصل بيا بنفس اللهفة وقال:

 

“بقولك يا حبيبتي… هو لو لقيتي مشتري كاش، متضيعيش الفرصة.”

 

قلتله: “في واحد فعلًا كلمني.”

 

سكت.

 

حتى نفسه حسيت إنه اتغير.

 

قال بسرعة: “بجد؟ قال كام؟”

 

قلت رقمًا كبيرًا، متعمدة أشوف هيقول إيه.

 

فجأة نسي نفسه وقال: “موافقة… وافقي.”

 

استغربت وقلت: “بس أنت حتى ما سألتنيش الأرض فين ولا مساحتها كام.”

 

اتلخبط، وبعدها ضحك وقال:

 

“ما أنا واثق إنك هتعرفي تجيبي أحسن سعر.”

 

ابتسمت، لكن المرة دي كنت متأكدة إنه ارتبك لأنه استعجل.

 

وقبل ما نقفل، قال جملة وقفت عندها.

 

قال: “بس أهم حاجة… أول ما تستلمي الفلوس ما تحطيهاش في البنك باسمك.”

 

سألته باستغراب مصطنع:

 

“ليه؟”

 

قال بسرعة وهو بيحاول يصلح كلامه:

 

“قصدي… عشان الضرايب والإجراءات. حوليهالي على طول وأنا هتصرف.”

 

سكت ثواني…

 

وقلت بهدوء:

 

“حاضر… زي ما تشوف.”

 

قفل وهو مطمن.

 

أما أنا…

 

فكنت عارفة إن الراجل اللي قدامي بدأ يفقد تركيزه.

 

والإنسان…

 

أول ما الطمع يعميه…

 

بيبدأ يهدم نفسه بإيده، من غير ما يحس.

مرت أسابيع وأنا بنفذ كل كلمة قالهالي المحامي. كنت كل ما جوزي يكلمني، أتكلم بمنتهى الحب، وأحكيله إني لسه بدور على مشتري مناسب، وهو كل يوم كان يبان لهفته أكتر من اليوم اللي قبله. بقى يتصل مرتين وتلاتة في اليوم، وكل كلامه بقى عن الأرض، والمشروع، والفلوس، أما أنا… فكنت مستنية اللحظة اللي هيتكشف فيها أكتر.

 

وفي يوم، المحامي اتصل بيا وقال: “تعالي المكتب حالًا، في خبر مهم.”

 

جريت عليه وأنا قلبي بيدق، أول ما دخلت لقيته بيبتسم لأول مرة.

 

قال: “إحنا عرفنا نوصل لمعلومات عنه.”

 

بصيتله بلهفة، فقال: “جوزك متجوز هناك رسمي، مش عرفي… وجوازه موثق، وكمان ابنه متسجل باسمه.”

 

شهقت وأنا مش مصدقة.

 

يعني كل السنين دي… كان عايش مع مراته التانية بشكل قانوني، وأنا ولا عندي خبر.

 

كمل المحامي وهو بيقلب في الأوراق: “وده مش بس كده… إحنا عرفنا كمان إنه كان بينزل مصر أكتر من مرة في السنة، مش أسبوعين زي ما كان بيقولك. كان بيختم دخوله وخروجه، وكل ده مثبت.”

 

غمضت عيني.

 

افتكرت كل عيد، وكل مناسبة، وكل مرة كان يقولي فيها: “الشركة رفضت تنزلني.”

 

طلع بينزل…

 

بس ماكانش بيجيلي.

 

ابتسم المحامي وقال: “دلوقتي بقى إحنا عندنا بداية قوية. هنرفع دعوى بحقوقك، وهنطالبه بالنفقة، ومؤخر الصداق، وكل حقوقك القانونية، ولو ثبت وجود مخالفات قانونية في زواجه أو إخفاء بيانات مؤثرة، ده هيبقى في صالح موقفك.”

 

هزيت راسي وأنا لأول مرة حاسة إن ربنا بدأ يرجعلي حقي.

 

وفي نفس الليلة…

 

اتصل بيا جوزي.

 

رديت كعادتي، لقيته بيقول بلهفة: “ها يا حبيبتي… لقيتي مشتري؟”

 

ابتسمت وقلت: “آه… لقيت.”

 

فرح وقال بسرعة: “بجد؟ إمتى هتقبضي؟”

 

قلت بهدوء: “قريب جدًا… أول ما المحامي يخلص الإجراءات.”

 

قال وهو بيضحك: “ممتاز… أول ما الفلوس تكون معاكي بلغيني.”

 

ابتسمت وأنا ببص في الورق اللي قدامي، وقلت في سري:

 

“اطمن… المحامي فعلًا هيخلص الإجراءات… لكن مش إجراءات بيع الأرض… إجراءات الق\ضية اللي هترجعلي حقي منك.”

 

وقتها عرفت إن اللعبة قربت تخلص.

 

والدور الجاي…

 

هيكون دوره هو إنه يقف قدام المحكمة، ويجاوب على كل الكدب اللي عاشه سنين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *