جارتي

كل يوم الساعة 930 الصبح كانت جارتي تدلق جردل مية وسخة على زباين الكافيه بتاعي. كنت فاكرة إنها مريضة نفسية أو غاوية أذى. لكن الحقيقة اللي اكتشفتها بعد كده خلتني أتمنى لو كانت مجرد مجنونة… لأنى اكتشفت أن فى سر وراها اكبر من كده بكتير.
اسمي أمل، وكافيه قهوة ونور كان الحاجه الوحيدة اللي بنيتها في حياتي كلها بمجهودي وشقايا لوحدي. محدش ورثهولي، ومحدش جابهولي على الجاهز؛ أنا عملته من الصفر.
بدأت الموضوع بتربيزة خشب صغيرة قابلة للطي كنت بقف بيها قدام مجمع شركات في القاهرة، وأبيع عليها سينابون ومخبوزات عاملاها في البيت بيديا. شيلت القرش على القرش من بقشيش الزباين، كنت بنام أربع ساعات في اليوم، وعلمت نفسي طريقة عمل القهوة المختصة من فيديوهات اليوتيوب والكورسات الرخيصة أونلاين.
لما ربنا كرمني وأخيرًا مضيت عقد إيجار لمحل صغير في الدور الأرضي لعمارة سكنية راقية، قولت بس! الدنيا بدأت تضحكلي وحياتي أخيرًا بدأت تظبط.
جوزي رامي عمره ما اعترض على مشروعي علنًا، بس في نفس الوقت عمره ما مد إيده وساعدني بجد. كان بيموت في منظرة قدام الناس ويحب يقولهم قد إيه هو فخور بيا، بس في الحقيقة، دوره المفضّل كان إنه يقعد على الكاونتر يشرب قهوة ببلاش، ويقول لأصحابه مراتي عندها الكافيه الصغنن الكيوت ده، وأنا

اللي كنت بشجعها وبدفعها لقدام في الموضوع كله.
المشاكل كلها بدأت لما سكنت معانا في العمارة ساكنة جديدة في الشقة اللي فوق الكافيه بتاعي بالظبط. اسمها رانيا. سنها كان في أواخر التلاتينات، وعلى كلامها إنها مطلقة. كانت دايماً بتنزل الساعة تمانية الصبح ملوهدة ومظبطة نفسها، ميك أب كامل على الفرازة، وبتتكلم بالصوت الدافي الرقيق الحنين اللي فيه ناس بتصطنعه عشان تحسس العالم إنهم غلابة ومكسورين الجناح.
في أول أسبوع ليها، نزلت الكافيه وهي شايلة علبة بسكوت شرياها من السوبر ماركت. وقالتلي بابتسامة كلها لؤم متداري يا خبر.. بجد وجود كافيه تحت البيت عندي ده حاجة تحفة! بوعدك مش هكون من الجيران المزعجين خالص.
بعدها بيومين بالظبط، لقيت قعدة الكافيه الخارجية الآوت دور كلها غرقانة مية رمادية ريحتها كلور تزهق. قولت مش مهم، يمكن غلطة أو حادثة غير مقصودة، ودفعت لعمال النضافة عشان ينضفوا المكان.
تاني يوم الصبح، نفس الشيء تكرر.
وبعده.. وبعده.. وبعده.
الموضوع مبقاش مجرد مية وبس؛ بقى ينزل مية مسح، صابون مواعين، رغوة مسحوق غسيل، فتافيت أكل مبلولة، وشعر واقع وسط المية.. كل القرف ده كان بينقط مباشرة على الترابيزات اللي الزباين قاعدين بيفطروا عليها.
أول مرة طلعت عشان أتكلم معاها، رانيا فتحتلي الباب وهي لابسة

روب ستان أبيض. برقت عينيها ببراءة مصطنعة وقالت يا خبر يا أمل، أنا آسفة بجد! جردل المسح اتقلب مني غصب عني.. إنتي عارفة بقى الست لما تكون عايشة لوحدها وبتعمل كل حاجة بنفسها بيبقى الموضوع صعب إزاي.
قبل ما أفتح بوقي وأرد، رامي اللي كان طالع ورايا اتدخل في الكلام وقال حصل خير يا رانيا، ولا يهمك.. أمل مراتي ساعات بتاخد الأمور بحساسية زيادة وشخصية شوية.
أنا اتسمرت في مكاني من الصدمة. رانيا نزلت عينيها في الأرض وعملت نفسها مكسوفة ومحرجة، بس أنا لمحت الابتسامة الخبيثة اللي اترسمت في طرف بوقها.
بعد الموقف ده، رانيا قلعت الوش وبطلت تمثيل. بقت كل يوم الساعة 930 الصبح بالثانية في ذروة زحمة الكافيه والقعدة برة تطلع في البلكونة بتاعتها.
الزبائن بتوعي بدأوا يطفشوا. في راجل طلب يرجع فلوسه بعد ما نقطة مية بصابون نزلت جوة فنجان القهوة بتاعه. وفي أمين كتبوا ريفيو بنجمة واحدة على الفيس بوك والمنصات وقالوا إن الكافيه مش نظيف وبيضير بالصحة. وخلال تلات أيام، خسرت حجز ل بوفيه عيد ميلاد، وطلب توريد لشركة كبيرة.
بالليل، وريت رامي الشكاوي، الصور، ورسايل الإلغاء. قام مسمعني نفس الاسطوانة اللي بدأت تجيبلي غثيان
يا أمل، لازم تقدري ظروفها.. رانيا لوحدها، وبتمر بمشاكل طلاق، وبتعافر على قد ما تقدر.. بلاش تعملي

منها عدوة وتخسريها عشان شوية مية!.
قولتله وأنا بشاور على الحجوزات الملغية شوية مية؟!.
هز كتافه وقال ببرود طب ما يمكن إنتي اللي حاطة الترابيزات قريبة من حرف البلكونة زيادة عن اللزوم؟ مش كل حاجة تحصل ترمي غلطها على غيرك يا أمل.
بصيتله طويلًا.. مش عشان الكلام اللي قاله، بس عشان الطريقة التلقائية اللي اختار بيها يقف في صفها هي ضدي أنا.
فخ الكاميرات والمفاجأة الصادمة
تاني يوم الصبح، ما جادلتش، ما اشتكيتش، وما رحتش عاتبت حد. بدل ده، ركبت كاميرا مراقبة إضافية، وظبطت زوايا الكاميرات التانية كلها، وفتحت الكافيه عادي.
الساعة 930 بالثانية، رانيا ظهرت في البلكونة وشايلة جردل مسح أزرق. بصت تحت، شافت تلات زباين قاعدين، وابتسمت. وراحت دالقة الجردل.
شلال مية وسخة نزل مباشرة على ترابيزة كانت قاعدة عليها طفلة صغيرة بتدهن مربى فراولة على البسكوت. الأم صرخت، القهوة اتقلبت في كل حته، والبنت دخلت في نوبة عياط هستيري.
أنا منزلتش ومطلعتش أعمل خناقة ولا فضيحة. كل اللي عملته إني مسحت إيدي في المريلة، دخلت مكتبي، نزلت الفيديو من الكاميرا، وعملت سكان لكل فواتير النضافة، وحصرت الحجوزات الملغية، وكتبت بلاغ رسمي للحي وإدارة الصحة والسلامة ضد الشقة رقم 804.
بعد خمس دقائق، وأنا خلاص هدوس إرسال للإدارة والحي،

رامي دخل مكتبي من

غير ما يخبط. قفل الباب وراها، وراح حاطط مفتاح على مكتبي.. مفتاح عمري ما شفته قبل كده.
قال ببرود ونبرة خلت جسمي يقشعر قبل ما تعملي حاجة تندمي عليها، أظن لازم تعرفي ليه رانيا واثقة جداً إنك عمرك ما هتقدري تشتكيها أو تأذيها.
المفتاح كان فضي، شكله مودرن، وواضح جداً إنه بتاع شقة من شقق العمارة.
سألته إيه ده؟.
هرش رامي في قفاه، ولأول مرة من أسابيع أشوفه متوتر ومش على بعضه، وقال ده المفتاح الاحتياطي بتاع شقة رانيا.
الأوضة سادها صمت قاتل. بصيت للمفتاح، وبصيت لجوزي، ورجعت بصيت للمفتاح تاني. بطني كركبت وقولتله وأنت إيه اللي جاب مفتاح شقتها معاك؟.
رامي سكت وتردد.. طول أوي في السكوت. وفي الآخر قال عشان هي اللي طلبت مني أشيله معاها عشان لو نسيت مفتاحها في أي وقت.
ضحكت بصوت عالي.. مش عشان الموقف بيضحك، بس من كتر السريالية والعبث.
يعني إنت عايز تفهمني إن الست اللي بتخرب بيتي وبتهد مشروعي، مأمناك إنت على مفتاح شقتها؟!.
يا أمل الموضوع مش زي ما إنتي مألفه في دماغك.
أمال إيه؟ فهمني الصح طيب!.
أخد نفس طويل وقال إنتي علطول بتسيئي الظن وبتفترضي حاجات من عندك.
مسكت المفتاح وإيدي بتترعش، وقولتله بقاله قد إيه الموضوع ده؟.
وش رامي خشب وقال أنا مش فاهم إنتي بتتكلمي عن إيه.
هزيت دماغي بالراحة، وفتحت اللابتوب، ودوست إرسال. وبعت

البلاغ اتبعت في نفس اللحظة لإدارة المبنى، قطاع الصحة بالحي، وشركة التأمين التجاري للمحل.
وش رامي خطف وبقى زي الليمونة المصرورة أمل!.
خلاص.. اتبعتت.
إنتي ملحقتيش حتى تستني وتقعدي تفهمي!.
أستنى إيه؟ أستنى لما طفلة تانية ينزل على فطارها مية مسح زفرة؟.
ضرب كف إيده على المكتب بكل قوته لدرجة الصوت رن في الأوضة كلها. في أول ثانية افتكرته زعلان على رانيا، بس بعد كده اكتشفت الأوسخ.. هو مكانش زعلان، هو كان مرعوب!
انكشاف المستور
بعد تلات أيام، إدارة العمارة كلمتني وطلبت مني نسخ من كل الفيديوهات. بعتلهم كل حاجة 27 تسجيل فيديو، كل فواتير الخساير، شكاوي الزباين، الفلوس اللي رجعتها، الحجوزات الملغية، والريفيوهات السلبية.
الأدلة كانت فاضحة ومفيهاش غلطة. مفيش أي مجال للبس أو حسن النية أو الصدفة. الفيديوهات كانت مبينة رانيا وهي واقفة ومستنية بالمرصاد لحد ما الزباين يقعدوا، وبعدين تدلق المية، وهي مبتسمة وشميتانة.
الإدارة علطول وجهت ليها إنذار بمخالفة صارمة، وراه إنذار تاني، وراه تالت. والحي فتح تحقيق رسمي، وخلال أسبوع رانيا لبتس في غرامات بآلاف الجنيهات.
الموضوع كان المفروض يخلص لحد هنا، بس محصلش؛ لأن في اليوم التامن، مدير العقار كلمني في التليفون بنفسه.
مدام أمل، إحنا اكتشفنا بلاوي تانية.
خير؟ في إيه؟.
الشقة

رقم 804 دي طلع عليها كمية شكاوي وسوابق مش طبيعية.
قلبي دق بسرعة شكاوي إيه بالظبط؟.
المدير سكت شوية وقال في كذا صاحب محل من اللي أجروا المحل الأرضي ده في السنتين اللي فاتوا قدموا شكاوي ومحاضر مضايقات بسببها.
اتعدلت في قعدتي نعم؟! يعني أنا مش الأولى؟.
ولا الأولى ولا التانية.. ده طلع قبل منك محل ورد، وبعده مخبز، وبعده محل مستلزمات حيوانات أليفة، ومركز يوجا.. كل مشروع من دول قدم شكاوي، وكلهم مشيوا وسابوا المكان في ظرف شهور قليلة بشكل غامض. وكلهم بلاغاتهم مرتبطة بالست اللي في شقة 804؛ شكاوي إزعاج مفبركة، تسريب مية عمد، بلاغات مجهولة للحي، حملات تشويه إلكترونية على النت، وتخريب متعمد. الست دي كانت بتمارس إرهاب منظم ضد المحلات بقالها سنين، بس مكانش حد بيربط الخيوط ببعضها.. لحد ما إنتي جيتي بالفيديوهات والأدلة دي.
المواجهة
بالليل رجعت البيت بدري، لقيت رامي قاعد على الكنبة، وتليفونه مقلوب على شاشته جنبه. لأول مرة مبقاش شكله الواثق المنظر، كان باين عليه الهلاك والتعب.
أمل..
تجاهلته وكملت مشي.
أرجوكي يا أمل، خلينا نتكلم.
مش عايزة أتكلم.
عشان خاطري، اسمعيني.
لفيت وبصيتله بالراحة؛ عنيه كانت حمرا، مش من الغضب، من الندم والذنب.
أنا عارف إنتي بتفكري في إيه دلوقتي.
بجد؟ عارف؟.
ربعت إيدي وقولتله طب قولي بقى، إيه اللي

حصل بالظبط؟.
بص رامي في الأرض ووقت طويل مر وهو ساكت، لحد ما اتكلم، وكل كلمة كانت بتنزل عليا زي الس/كينة.
الموضوع بدأ من ست شهور.. رانيا قربت مني تحت وجرت معايا كلام، بعدها شربنا قهوة، وبدأت تحكيلي وتشتكيلي من طلاقها، ووحدتها، ومشاكلها المادية، وحياتها الصعبة. أنا حسيت إني المنقذ بتاعها.. البطل، السند، الراجل اللي بيفهمها ويسمعها، واللي تقدر تطلبه في أي وقت. بقيت أساعدها أشيل الشنط، أصلحلها حاجات باظت في الشقة، أخلص ليها أوراق، وأسمع همومها. وكل ما إنتي كنتي بتنزلي تشتكيلي من قلة أدبها وميتها، كانت هي بتلعب قدامي دور الضحية المسكينة.. لأن أنا كنت خلاص بنيت ليها صورة في خيالي؛ إنها ست غلبانة، محتاجة حد يحميها ويقف جنبها.
السقوط المدوي وعقدة المقاول اللعوب
بعد أسبوع، التحقيقات اتقلبت ل قنبلة. إدارة العمارة اكتشفت حاجة أكبر بكتير؛ رانيا مكنتش بتمر بأزمة مادية بسبب الطلاق، ولا كانت بتعافر، ولا كانت وحيدة.. دي اصلاً مكنتش مطلقة رسمي! جوزها سابها وهرب بسبب إنها كانت متهمة في قضايا نصب ومضايقات وفبركة كتير. كان معمول ضدها قضيتين مدني في المحافظات المجاورة، وإنذارين بعدم التعرض، وتلات قضايا تعويض. الست الرقيقة الغلبانة المكسورة دي كانت مجرد شخصية وملاية متفصلة ومنحوتة بدقة عشان تنصب بيها على الناس.. ورامي لبس

الطُعم بكل غباء.
بعدها جت الضربة القاضية اللي

مكانش حد يتوقعها.. ولا حتى أنا.
مدير العقار كلمني تاني وأنا قاعدة في الكافيه، وسط دوشة الزباين وصوت مكن القهوة والضحك، الدنيا كلها وقفت لما قال لي
مدام أمل، فريق الأمن وهو بيراجع الأرشيف القديم بتاع كاميرات الجراج.. لقى حاجة غريبة.
نفسي ضاق خير؟.
اللقطات مبينة إن جوزك كان بيدخل الشقة رقم 804 كذا مرة.
غمضت عيني وقولت في بالي أهو.. اللي كنت خايفة منه وواثقة فيه طلع صح.
بس المدير كمل بس مش ده الغريب.. الكاميرات جابت شخص تالت كان بيتردد على الشقة دي باستمرار.
ست تانية؟
آه، ست شقراء، في الأربعينات، لبسها شيك جداً وكأنها سيدة أعمال، ومعاها عربية جيب فارهة. كانت بتيجي في أوقات متأخرة بالليل، وساعات بتبقى شايلة ملفات وصناديق. إحنا شاكين إن الشقة 804 مكنتش مجرد سكن.. دي كانت وكر لإدارة عمل مشبوه.
بعد أسبوعين الحقيقة كاملة ظهرت وصدمت الكل رانيا كانت بتدير سبوبة نصب مروعة بقالها سنين.
بعد ما رانيا والمحامية الشقراء اتقبض عليهم بتهمة النصب وتطفيش المحلات، الموضوع مكانش مجرد قضية تعويضات وسبوبة وخلاص.. الحكاية اتطورت لكارثة لما النيابة انتدبت لجنة من الحي لمعاينة الشقة رقم 804 عشان يثبتوا تسريب المية العمد اللي كان بينزل على الكافيه بتاعي.
أنا

كنت واقفة مع المحققين ورجال الهندسة جوة شقة رانيا.. الشقة كانت غريبة، ريحة الكلور والمعطرات الرخيصة كانت نفاذة جداً لدرجة تخنق، وكأنها بتداري ريحة تانية.
المهندس بتاع الحي مشي ورا خط التسريب، ولقى إن المية مش جاية من البلكونة بس.. دي جاية من تحت بلاط أوضة النوم بتاعتها! والمصيبة إن أرضية الأوضة كانت مرتفعة عن باقي الشقة بحوالي 20 سنتيمتر.. رانيا كانت صابة طبقة خرسانة جديدة فوق البلاط الأصلي وعاملاها زي مطب صناعي جوة الأوضة ومغطياها بالسجاد!
هنا المحقق شك.. جابوا عمال وبدأوا يكسروا في الخرسانة دي، ورامي كان واقف وشه أصفر زي الليمونة..
ومع أول ضربة شاكوش.. الريحة الحقيقية طلعت. ريحة الموت.
تحت الخرسانة، وفي تجويف أرضية الشقة.. لقوا بقايا جثة متحللة بالكامل بقالها سنتين!
الطب الشرعي كشف الهوية، ومكنتش الصدمة في الجثة.. الصدمة كانت في صاحب الجثة طلع جوزها الأولاني! اللي كانت بتقول عليه إنه مطلقها وسابها وسافر برة مصر.
رانيا قت*لت جوزها من سنتين بعد ما كشف ألاعيبها، ودفنته في أرضية الأوضة، وصبت فوقه خرسانة مسلحة عازلة عشان الريحة متطلعش، وبقت عايشة فوق جثته عادي جداً وبتنام كل يوم في نفس الأوضة!
هنا بقى كل الخيوط اتربطت ببعضها، والسبب الحقيقي

لتطفيش المحلات ظهر.. رانيا مكنتش بتعمل كده عشان سبوبة النصب بس، النصب كان مجرد تمويه وسبوبة جانبية.
السبب الحقيقي كان الاهتزاز وصوت المكن!
محل الورد القديم كان عنده ثلاجات ضخمة بتعمل زنة واهتزاز في السقف..
والمخبز كان عنده أفران حرارية بتسخن الأرضية..
والكافيه بتاعي قهوة ونور كان عنده مكنة الإسبريسو الضخمة والمطاحن اللي بتشتغل من 7 الصبح وبتعمل ذبذبات واهتزازات مستمرة في السقف والحيطان!
رانيا كانت مرعوبة من حاجة واحدة إن الحرارة أو الاهتزازات المستمرة للمكن بتاع المحلات اللي تحتها تخلي الخرسانة اللي صباها تشرخ أو تتشقق، فالريحة تطلع، أو الجثة تتحلل أسرع وتبوظ السقف، والسر بتاعها ينكشف!
كانت بتطفيش أي مستأجر بياخد المحل الأرضي وبيجيب فيه أجهزة أو مكن بيطلع صوت أو حرارة أو اهتزاز، وكانت بتدلق المية والصابون بغزارة في حتت معينة عشان تعمل رطوبة تداري بيها على أي تشققات أو روايح ممكن تنزل للمحل اللي تحتها..
لما الحقيقة دي ظهرت، رامي جوزي جاله انهيار عصبي كامل في التحقيقات. اكتشف إنه مكانش مجرد سميع ومسلي لست وحيدة.. ده كان بيقعد معاها في الشقة، ويشرب شاي، ويهزر، على بعد متر واحد من جثة راجل مقتول!
والمرعب أكتر؟ إن رانيا لما ادت ل رامي المفتاح

الاحتياطي بتاع شقتها، مكنتش مدياهوله حباً فيه؛ دي كانت بتجهزه عشان لو الشرطة حست بحاجة في أي وقت، تلبس الج/ريمة كلها ل رامي وتدعي إنه هو اللي قت*ل جوزها بدافع الغيرة، والمفتاح اللي معاه يكون هو الدليل القاتل ضده!
رامي نجا من حبل المشنقة بمعجزة وبسبب شهادة بواب العمارة وفيديوهات الجراج اللي أثبتت إن الج*ريمة حصلت قبل ما رامي يعرفها أصلاً.. بس خرج من الموضوع ده ميت إكلينيكياً ومريض نفسي عايش على المهدئات، بعد ما عرف إن غباؤه وغروره كانوا هيودوه المشنقة.
أما رانيا.. فطبعاً القضية اتحولت من نصب ل قت*ل عمد مع سبق الإصرار والترصد وإخفاء جثة، واتحكم عليها بالإعدام شنقاً.
وأنا؟ دلوقتي لما بفرش الكافيه بتاعي في الفروع الجديدة، أول حاجة بعملها إني بعمل عزل صوت واهتزاز للسقف.. مش عشان الزباين، عشان ببص للسما وأنا مطمنة إن مفيش تحت البلاط اللي فوقيا.. أسرار مرعبة.
النهاية وبداية جديدة
القرار الأصعب مكانش في الشغل.. كان في رامي.
في ليلة شتوية ومطيرة، بعد حوالي سنة من بداية المعجنة دي كلها، قعد قدامي على ترابيزة صغيرة في الكافيه بعد ما قفلنا. نفس الكافيه اللي كان هيشارك في هده، ونفس الكافيه اللي عافر ووقف على رجله.
قال وصوته مخنوق بالدموع أنا آسف.. عارف

إن كلمة آسف مش هتصلح أي حاجة.

رديت فعلاً.. مش هتصلح.
نزلت دموعه وقال والله العظيم ما كنت بحبها.. أنا بس كنت مدمن إحساس إني أكون بطل ومحتاجيني.
دي كانت أصدق جملة قالها في حياته كلها؛ مكانش حب، …. كانت إيجو
غرور. كان بيموت في دور الذكر المنقذ اللي بيحمي الستات، ورانيا لقت المفتاح بتاعه وعرفت تلعب عليه صح.
سكتنا كتير، وفي الآخر بصل ببؤس وقال في أي فرصة تانية لينا مع بعض يا أمل؟.
بصيت حواليا في الكافيه؛ الكاونتر الخشب اللامع، الإضاءة الدافية، صور رحلتي وشقايا المبروزة على الحيطان، صوت العمال

وهم بيضحكوا في المطبخ، والناس اللي حياتهم بقت جزء من حياتي.. كل حاجة بنيتها، وحميتها، وأنقذتها.
بصيتله وابتسمت بوجع وقولتله كان فيه.
عنيه لمعت بأمل وضوء تافل، فكملت جملتي كان فيه.. زمان.
الأمل اختفى من عينه لأنه فهم.. الكلمة في صيغة الماضي، مش الحاضر. خلاص، اللي فات مات.
بعد ست شهور، طلاقنا اتأخر وخلص في هدوء.. بالمعروف، من غير محاكم وقضايا، ومن غير انتقام أو غل.
بعد سنتين، كافيه قهوة ونور بقى ليه تلات فروع في مصر.
في صباح يوم مشمس، كنت واقفة في بلكونة الفرع

الجديد، ببص على الزباين وهم بيضحكوا ومبسوطين بالدفا. ولمحت على ترابيزة قريبة، طفلة صغيرة بتدهن مربى فراولة على البسكوت وأمها بتبصلها وبتضحك.
المنظر رجعني بالذاكرة لليوم المشؤوم ده؛ المية الوسخة، العياط، الرعب، الغل.. وكل حاجة كانت هتكسرني وتضيعني.. كانت هتضيعني، بس أنا مأسمحتلهاش.
بنت صغيرة من الشغالين عندي قربت وقالتلي مدام أمل، الصحفيين برة مستنيين حضرتك عشان الحوار.
ابتسمت وقولت لها جاهزة، ثواني وجاية.
وأنا ماشية، بصيت لفوق تلقائيًا بحكم العادة القديمة.. مكنش

في بلكونة فوقيا، ولا جردل مية، ولا رانيا. مكنش في غير السما الزرقا الصافية.
وقفت لحظة أخدت نفس طويل، وحسيت براحة وامتنان؛ لأن ساعات، الناس اللي بتحاول بكل قوتها إنها تخرب حياتك وتهدك، بيبقوا هم السبب الأساسي إنك تكتشف قوتك الحقيقية وتعرف إنت مين. وساعات، الانتصار الأعظم مش إنك تنتقم منهم.. الانتصار بجد هو إنك تبني لنفسك حياة جميلة وناجحة لدرجة إن الناس اللي حاولوا يكسروها، يتحولوا لمجرد صفحة قديمة في كتاب حياتك.. صفحة عديتها، كبرت عليها، وفي الآخر.. مبقتش حتى محتاج

تفتكرها. 

 

تمت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *