ج 3 أنا وسلفتي حكايات روماني مكرم
ج3
الليلة مرت والبيت كله كأنه قايد نار تحت الرماد. أخواتي وأولاد عمي نزلوا قعدوا في مدخل البيت تحت، ماليين المكان بهيبتهم وشومهم وسلاحهم، وصوت ضحكهم وكلامهم مسمّع في حارة عيلة أبو فاروق كلها. محدش من الدور الأرضي قدر يورّي وشه بره عتبة شقته، ولا حتى حماتي فوزية قدرت تفتح بوقها بكلمة ردح، الكل انكمش وعرفوا إن اللعب مع بنت الأصول وراها عيلة تقطم الرقبة.
أنا قعدت في شقتي فوق، نظفت أثر المعركة وغسلت الدم من الأرض، وفرشت مِلّة سرير تانية مكان اللي اتكسرت. مريم بنتي كانت نايمة في حضني بأمان لأول مرة من أسبوعين، دقات قلبها هديت وهي عارفة إن خوالها بره حاميين ضهرها. كنت قاعدة باصة للتليفون ومستنية.. مستنية رد فعل محمود بعد السواد اللي حصل.
على الفجر، تليفوني رن. كان محمود برضه.
فتحت الخط من غير ما أتكلم، سبته هو اللي ينطق. صوته المرة دي كان متغير ١٨٠ درجة؛ مكنش فيه العصبية ولا الغضب بتاع المرة اللي فاتت، صوته كان مليان انكسار وصدمة بعد ما أعمامه والجيران اتصلوا بيه وحكوا له الحقيقة كاملة.. حكوا له إن أخوه وأمه كسروا باب شقتي وهجموا عليا بـ غل.
محمود قال بصوت حزين ومخلوط بالدموع: «أنا آسف يا بنت الناس.. أنا قفلت السكة في وشك المرة اللي فاتت لأني مكنتش متخيل إن أمي وأخويا يوصلوا للندالة دي! الجيران حكوا لي كُل حاجة.. حكوا لي إن فاروق مد إيده عليكي في غيابي وأمي ضربتك بالعصاية. أنا بريء من اللي عملوه ده، وكبرتي في نظري لمّا خدتي حقك وحق بنتك بإيدك ومستنيتيش حد يحميكي.»
بلعت ريقي وقلتله بنبرة حاسمة وقوية: «كلامك ده على راسي يا محمود، بس الاعتذار مش هيصلح الباب اللي اتكسر ولا الدموع اللي بنتك نزلتها من الخوف. أخواتي وأولاد عمي نايمين في مدخل بيتك تحت، والحق اللّي هيتاخد دلوقتي مش حقي أنا لوحدي.. ده حق عيلتي اللي اتكسرت حرمة بنتهم في غياب جوزها.»
محمود رد بسرعة وخوف: «أنا نازل مصر يا خيتي.. أنا حجزت على أول طيارة وخلال ساعات هكون عندك في Assiut. أرجوكي قولي لأخواتك يستنوني ومحدش يعمل حاجة لغاية ما آجي، واللّي هتقولي عليه هيمشي، لو عايزة بيت لوحدك هعملهولك، بس بلاش الدم يوصل للركب بين أخواتك وأخويا.»
قفلت السكة مع محمود، ونزلت على السلم لأخواتي تحت، بلغتهم إن محمود على وصول وراجع من السفر.
أحمد أخويا الكبير وقف وعدل عمامته وقال وعينه بتلمع بشرر: «يوصل بالسلامة يا خيتي، جوزك على راسنا من فوق وهو راجل شقيان ومالوش ذنب في قلة أصل أهله. بس برضه، البيت ده لازم يتأدب، وإحنا مش هنمشي من هنا إلا ولمّا عيلة أبو فاروق كلها تقف في وسط الحارة وتعتذر ليكي ولبنتك، ويردوا اعتبارنا قدام البلد كلها، وإلا قسمًا بالله العظيم نهد البيت ده على اللي فيه!»
النهار بدأ يشقشق، والشمس طلعت على بيت عيلة أبو فاروق وهو محاصر برجالة الصعيد. عبير كانت بتطل من ورا الشيش وعينيها ورمة ومقفولة من كتر الخربشة، وحماتي فوزية قاعدة جوه صالتها حاطة شاش على وشها المفروم من العض وبتدعي في سرها إن الأزمة دي تعدي على خير، وفاروق رأسه ملفوفة بالشاش الأبيض وقاعد زي الحريم مش قادر ينطق بكلمة وخايف من لحظة وصول أخوه محمود، ولحظة الحساب الكبيرة اللي جاية في الطريق..
الجزء السابع:
العربيات الربع نقل كانت لسه واقفة بره، ورجالة عيلتي ماليين الشارع ومدخل البيت، الشوم مسنود على الحيطان والنار اللي قايدة في الصدور مبردتش. مع دقات الساعة تنشر الظهر، ظهرت عربية تاكسي من أول الحارة، وقفت و نزل منها محمود.. هدومه مبهدلة من كتر شقى السفر وعلامات الغُربة والهم مغطية وشه، وفي إيده الشنطة بتاعته.
أول ما شاف أخواتي وأولاد عمي واقفين بطولهم، رمى الشنطة من إيده وجري عليهم، سلّم على أحمد ومصطفى وباس رأس ابن عمي الكبير خلف وهو بيقول بنَفَس مقطوع: «حقكم عليا.. دمي ولحمي غلطوا في غيبتي، والبيت بيتكوا، وأنا بريء من كُل اللي حصل الليلة اللي فاتت.»
أحمد مسكه من كتفه وقاله بصوت ناشف: «ادخل شوف بنتك ومرتك الأول يا محمود، وبعدها الحساب يجمع.»
محمود طلع السلم تالت خطوة، أول ما دخل الشقة وشاف الباب المخلوع والحيطان اللي لسه معلم فيها ضرب مِلّة السرير، وعيني الورمة ومريم بنتي اللي وشها متجرح، الدموع نزلت من عينيه. أخد بنته في حضنه وبقى يبوس إيدها ورأسها وهو بيعتذر لي ويقول: «والله ما كنت أعرف إنهم بالحقد ده كله، كتر خيرك إنك وقفتي راجل في غيابي.»
في اللحظة دي، حماتي فوزية وعبير سيلفتي كانوا بيسمعوا من ورا الباب تحت.. الرعب كان واكل قلوبهم. عبير كانت واقفة ورا الشيش وجسمها كله بيترعش، دراعها ووركها معلم فيهم العض وزرقان، ووشها مخربش، ولمّا شافت منظر رجالة الصعيد بره ومحمود اللي دخل وعيونه بتطق شرار، حطت إيدها على بوقها وقالت لحماتي بصوت بيترعش من الخوف: «يا ليلتنا السودة يا حاجة فوزية! محمود وصل والكلاب اللّي بره دول مش هيمشوا إلا بدمنا! دي الغولة مسبتش حتة فيا سليمة، وأخوكي فاروق دماغه مفتوحة تمن غرز.. هنعمل إيه لو محمود قلب علينا؟»
حماتي فوزية اللي كانت دايماً بتردح وتطوح بإيديها، كانت قاعدة على الكنبة زي الفرخة المبلولة، حاطة لزقة طبية كبيرة على خذها مكان العضة اللّي هرت لحمها، وصوتها مكنش طالع. بصت لعبير بقلة حيلة وقالتلها: «اسكتي يا بت واكتمي نَفَسك! البت طلعت مش سهلة ووراها سباع بتاكل اللحم! أنا كُنت فاكراها حتة عيلة هنكسر عينها بكلمتين، طلعت غولة وعضاضة وكسرت عضمنا بمِلّة السرير.. داري وشك المخروم ده لغاية ما نشوف الواد محمود هيعمل إيه مع أخوه.»
فاروق كان قاعد جنبهم رأسه ملفوفة بالشاش الأبيض، وعينه الشمال مقفولة وورمة من كتر الضرب، باصص في الأرض ومش قادر ينطق بكلمة، هيبته كراجل اتكسرت قدام الجيران والبلد كلها بعد ما انضرب بالخشب واتفتحت رأسه بالكوباية.
فجأة، الشارع كله اتهز على صوت زعيق محمود وهو نازل من على السلم زي العاصفة، وصوته بيجر الحارة كلها وراه: «انزل يا فاروق! اطلعي يا أم فاروق! الليلة دي حساب القديم والجديد هيتصفى، واللّي مد إيده على أمانتي في غيبتي ملوش قعاد في البيت ده ثانية واحدة!»
عبير أول ما سمعت صوت محمود وزعيقه، جِريت استخبت ورا الدولاب في أوضتها وقفلت على نفسها من كتر الرعب، وحماتي فوزية لمت شالها على وشها المفروم وهي بتترعش ومش عارفة تخرج تواجه إزاي البنت اللّي كانت بتستوطى حيطتها، وبقت دلوقتي هي وأهلها هما كابوس البيت كله..
