ظلم زوجي بقلم الكاتبه نرمين عادل همام

ظلم زوجي بقلم الكاتبه نرمين عادل همام
بسم الله والصلاه والسلام على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه وسلم
في عيد الأم، كان بيت الحاج سامي المنياوي متزين وكله ريحة أكل وطواجن طالعة من المطبخ، والسفرة متجهزة كأنها فرح صغير. لكن وسط الزحمة والضحك، كان فيه قلب واحد ساكت ومكسور… قلب نوال مراته.
نوال كانت ست في أواخر الخمسينات، وشها هادي لكن عينيها شايلين تعب سنين طويلة. كانت بتتحرك بين المطبخ والسفرة وهي بتعدل الأطباق، وكل ما تبص حواليها تحاول تبتسم، بس ابتسامتها كانت دايمًا ناقصة… كأنها متعودة تفرح الناس وتنسى نفسها.
دخل سامي من باب الشقة وهو شايل أكياس كتير، ووشه كله زهو، كأنه داخل يوزع خير على البلد كلها.
قال بصوت عالي وهو بيضحك
يلا يا جماعة… كل واحد ياخد نصيبه من هدايا عيد الأم.
أمه، الحاجة دولت، كانت قاعدة على الكنبة، لابسة إسدال شيك، وباصّة لنوال من فوق لتحت بنظرة فيها استعلاء قديم، النظرة اللي عمرها ما اتغيرت.
طلع سامي علبة قطيفة حمرا وفتحها قدام أمه، وظهر فيها غويشة دهب تقيلة تلمع تحت النور.
شهقت دولت بفرحة وقالت وهي رافعة دقنها
يا ضنايا… ربنا يكرمك زي ما بتكرمني.
ابتسم سامي بفخر وقالالكاتبه نرمين عادل همام
دي أقل حاجة ليكي يا ست الكل.
وبعدين طلع علبة تانية، ومدها ل ريم مرات ابنه الكبير كريم.
اتفضلي يا ريم… سلسلة دهب بسيطة تليق بيكي.
ريم لمعت عينيها، ومسكِت العلبة وهي بتبص حواليها بانتصار خفي، خصوصًا ناحية نوال.
قالت بدلع
ياااه يا بابا سامي، تعبت نفسك ليه بس؟
ضحك وهو بيعدل ياقة قميصه
إنتي مرات ابني… تستاهلي.
وبعدين نادى على بنته ياسمين، أصغر أولاده، اللي كانت قاعدة من ساعة ما دخل بتراقب أمها أكتر ما بتراقب الهدايا.
ناولها شنطة من ماركة معروفة وقال
ودي ليكي… شوية كريمات وعناية بالبشرة، البنات بتحب الحاجات دي.
فتحت ياسمين الشنطة، ولقت منتجات غالية جدًا. بس فرحتها ما كملتش… لأنها كانت مستنية تشوف أمها.
كل الأنظار راحت ناحية نوال.
نوال وقفت مكانها، ماسكة فوطة المطبخ بين صوابعها، قلبها بيدق بسرعة، ويمكن لأول مرة من سنين كانت مستنية… مستنية ولو مرة يكون ليها نصيب زي الباقيين.
سامي مد إيده في آخر كيس، وطلع عبوتين مسحوق غسيل كبار مربوطين بشريطة حمرا.
وقال بمنتهى العادية
وده بقى ليكي يا نوال… عرض جامد، اشتري واحد وخدي التاني ببلاش. قولت أجيبلك حاجة تنفع.
الصمت نزل على المكان فجأة.
نوال حست إن الأرض سحبت نفسها من تحت رجلها. عينيها لمعت، لكن كبرياؤها كان أقوى من الدموع. مدت إيديها وأخدتهم في هدوء، كأنها بتستلم حكم عمر.
قالت بابتسامة مكسورة
تسلم… ما قصرتش.
لكن ياسمين انفجرت.
قامت من مكانها بعصبية، ووشها احمر من القهر، وبصت لأبوها بعيون مليانة صدمة.
إنت بتهزر يا بابا؟
سامي اتفاجئ من نبرتها.
في إيه يا بنتي؟الكاتبه نرمين عادل همام
صرخت وهي بتشاور على أمها
يعني تيتة غويشة دهب، وريم سلسلة، وأنا جبتلي حاجات بعشرات الآلاف… وماما؟ مسحوق غسيل؟!
الأخ كريم تدخل بضيق
ياسمين، وطي صوتك، إنتي بتكلمي بابا.
لفتت له بسرعة وقالت
وأنت اسكت! عاجبك مراتك تاخد دهب وأمي تاخد صابون؟!
ريم كشرت، وقالت ببرود وهي تضم السلسلة في إيدها
أنا مالي؟ هو اللي جابهالي.
الحاجة دولت حركت شفايفها باستهزاء وقالت
يا بنتي أمك ست بيت… والهدايا اللي تنفعها معروفة.
ياسمين بصتلها بحدة
لأ… أمي إنسانة، مش غسالة.
نوال وقتها نزلت دمعة رغمًا عنها، ولفت وشها بسرعة عشان محدش يشوف.
ياسمين قربت منها، مسكت إيدها، وحست بخشونة صوابعها من سنين الشغل والتعب.
وقالت بصوت مهزوز
كفاية يا ماما… كفاية ذل لحد كده.
وبعدين رفعت عينيها لأبوها، ونظرتها كانت نار.
اسمعني يا بابا… من النهاردة أنا جنب أمي. ولو فضلت تعاملها كده… يبقى أنت خسرتنا كلنا.
سامي ضحك بسخرية خفيفة
عشان شوية مسحوق؟
ردت وهي بتزق العبوتين ناحية السفرة
لأ… عشان تلاتين سنة إهانة متغلفة في أكياس هدايا.
كلمات سامي نزلت على قلب نوال زي السكاكين… باردة، حادة، ومتعمدة.
كان بيتكلم بمنتهى الهدوء، لكن كل حرف كان بيفكرها إن تلاتين سنة من التعب، والسهر، والغسيل، والطبخ، وتربية العيال… في نظره ما يسووش وردة.
نوال وقفت ساكتة، ماسكة طرف الطرحة بإيد مرتعشة.
جواها وجع قديم بيتفتح من جديد… وجع الست اللي كل مرة كانت تقول معلش، وتبلع القهر، وتكمل.
أما ياسمين، فكانت واقفة تبص لأبوها بصدمة ممزوجة بغضب.
هي كانت فاهمة من زمان إن أبوها مش بخيل بس… لأ، كان بيستخدم الحاجات الرخيصة دي س*لاح.
يدي أمها هدية تافهة… وبعدها يطلب منها تشتغل أكتر، وتخدم أكتر، وتسكت أكتر.
كأنه كل سنة بيقول لها إنتي مكانك الخدمة وبس.
سامي زق عبوتين المسحوق ناحية نوال وقال وهو بيقعد على السفرة
خديهم دخليهم الدولاب بدل ما يفضلوا هنا مكركبين المنظر.
بصتله نوال ثواني… نظرة ساكتة، فيها تعب عمر كامل.
لكنها ما ردتش. أخدت العبوتين، ومشت ناحية المطبخ بخطوات بطيئة.
قعدوا على السفرة، والجو تقيل الكاتبه نرمين عادل همام
الملاعق بتخبط في الأطباق، لكن مفيش صوت حد قادر يتكلم.
أول ما سامي داق الأكل، قطب وشه وقال بامتعاض
إيه ده؟ الأكل مالح قوي النهارده. إنتي مش عارفة تركزي في حاجة؟
نوال كانت بتحط طبق رز للحاجة دولت.
إيدها وقفت في الهوا لحظة… ثم كملت كأنها ما سمعتش.
سامي رمى المعلقة في الطبق وقال بعصبية
ولا الطبيخ بقى متظبط ولا البيت متظبط… الواحد مش فاهم بيصرف على إيه.
ياسمين خبطت الكوباية على السفرة بعنف.
كفاية بقى!
لكن نوال رفعت إيدها بهدوء، كأنها بتطلب منها تسكت.
وبعدين، من غير كلمة… قامت.
كلهم بصوا لها باستغراب.
دخلت أوضتها، وفتحت الدولاب.
طلعت شنطة سفر قديمة، وبدأت تحط فيها هدومها واحدة واحدة.
حركاتها كانت هادية جدًا… الهدوء اللي بيخوف أكتر من الصريخ.
ياسمين جريت وراها، قلبها بيدق.
ماما… إنتي بتعملي إيه؟
نوال من غير ما تبص لها، قالت بصوت مبحوح
بلم حاجتي.
شهقت ياسمين
يعني إيه؟
لفت لها نوال، وعينيها مليانة دموع متجمعة من سنين
يعني خلاص يا بنتي… تعبت.
في الصالة، قامت الحاجة دولت مفزوعة، وخبطت عصاها في الأرض.
إيه اللي بيحصل ده؟! رايحة فين؟
خرجت نوال بالشنطة، ووشها جامد بشكل عمرهم ما شافوه.
دولت قربت منها وقالت بحدة
ابني جابلك هدايا! عايزة إيه أكتر من كده؟
ضحكة صغيرة مرة خرجت من نوال.
ضحكة ست اكتشفت متأخر قد إيه كانوا بيهينوها.
أما كريم، الابن الكبير، قال بضيق
بصراحة يا ماما، إنتي مكبرة الموضوع أوي. بعد السنين دي كلها هتزعلى عشان شوية ورد؟
ريم هزت راسها وهي ماسكة السلسلة في رقبتها
وبعدين المسحوق والقفازات أفيد من الورد اللي بيدبل.
ياسمين لفت لها بسرعة، وعينيها شرار.
بجد؟ طب خدي إنتي المسحوق والقفازات… واديني أنا السلسلة الدهب الكاتبه نرمين عادل همام
ريم سكتت فورًا، ووشها احمر، وبصت في الأرض.
سامي قال بعصبية
ياسمين! اتعدلي في كلامك.
لكن ياسمين كانت خلاص انفجرت.
بصت لكل واحد فيهم، صوتها بيعلى، ووجع سنين بيطلع مع كل كلمة.
إنتوا شايفين أمي خدامة!
طول عمرها تصحى قبلكم، وتنام بعدكم… وتطبخلكم، وتغسل، وتربي، وتسكت… وفي الآخر تقولوا مالهاش حق تشتكي؟!
الحاجة دولت تمتمت بسم قاتل
ستات البيوت ما بيكسبوش فلوس… يبقى يشكروا ربنا على ستر الرجالة.
هنا ياسمين فقدت آخر نقطة صبر.
مدت إيدها قلبت طبق المحشي على السفرة، فوقع الرز والصوص في كل حتة، والكاسات اترجت.
صرخت وهي بتنهج
لو فاكرين إن أمي هتفضل تطبخ وتسكت وتستحمل، يبقى محدش هياكل من أكلها تاني!
المكان اتجمد.
حتى سامي اتصدم من
—
اللي حصل.
لكن ياسمين لسه ما خلصتش…
لفت ناحية أبوها، ونظرتها كلها نار قديمة.
فاكر لما كنت صغيرة وسيبتني أعيط عشان ضربت أمي؟
فاكر لما وعدتني تبطل تهينها؟
أنا كنت ساكتة زمان… لكن النهارده لأ.
نوال بصت لبنتها، ودموعها نزلت بصمت.
أول مرة تحس إن حد واقف في صفها… بجد.
ياسمين قلبت السفرة
السفرة كانت مقلوبة، والأكل متناثر، والوجوه مشدوهة.
لكن ياسمين ما اهتمتش بنظراتهم… كانت واقفة قدامهم لأول مرة من غير خوف، من غير تردد، ومن غير ما تحاول ترضي حد.
صدرها بيطلع وينزل من كتر الغضب، وعينيها محمرين، لكن صوتها كان ثابت بشكل أخافهم.
صرخت وهي بتشاور على السفرة المهدودة
لو كنتم متوقعين إن أمي هتفضل تستحمل كل حاجة وتسكت، يبقى محدش هياكل من أكلها تاني!
الصمت ضرب المكان تاني.
حتى ريم، اللي دايمًا لسانها حاضر، سكتت وبصت يمين وشمال تدور على حد يرد بدلها.
ياسمين لفت ناحيتهم، ونبرتها بقت أعمق… فيها قهر سنين بيتفك.
فاكرين لما كريم خسر في القمار؟
كريم انتفض من مكانه، ووشه شحب.
ياسمين… اخرسي.
لكنها كملت، كأنها فاتحة دفاتر قديمة لازم تتقري.
مئة ألف جنيه ديون! والناس كانت هتجرجره في المحاكم.
مين اللي دفعت؟ أمي.
باعت دهبها… دهب مهرها، اللي شقاه عمرها، وسددت من غير ما تقول كلمة.
نوال نزلت عينيها في الأرض، خدودها سخنة من الإحراج والألم.
كريم قال بعصبية وهو بيخبط على الترابيزة
دي أسرار بيت! إنتي مالك؟الكاتبه نرمين عادل همام
ياسمين ردت بقسوة
أسرار؟ لأ… دي فضايح أنتم مستخبيين ورا سكوت أمي.
بصت ل ريم، اللي كانت قابضة على سلسلتها الدهب.
وإنتي… رجعتي بيت أهلك أسبوع كامل عشان سامي جابلك مسحوق غسيل بدل عطر، وهددتي بالطلاق.
ريم شهقت
إنتي بتتبلي عليا!
بتبلى؟ طب قولي ما حصلش.
ولما كنتي حامل، مين كان بيصحى يجيبلك أكل الساعة اتنين الفجر؟
مين كان بيدلك رجلك؟
مين كان بينضف وراك ويغسل هدومك؟
أمي… من غير حتى كلمة شكر.
ريم اتلجلجت، وبصت لكريم تطلب نجدة، لكنه هو نفسه كان غرقان في خيبته.
هنا تدخلت الحاجة دولت، ووشها كله قسوة متوارثة.
وإيه يعني؟ كل الحموات بيعاملوا مراتات ولادهم كده.
ما هو الطبيعي الكبير يخدمه الصغير.
ياسمين لفت لها بحدة، وعينيها بتولع.
طبيعي؟
لما أمي كانت حامل فيا، في الشهر السابع، كنتي بتقولي ضهرك واجعك وتخليها هي تمسح وتطبخ وتغسل.
كنتِ شايفة نفسك مظلومة ساعتها؟ ولا شايفة أمي عبدة؟
الحاجة دولت فتحت بوقها ترد، لكن ولا كلمة خرجت.
سامي قام واقف بعنف، الكرسي اتحرك وطلع صوت عالي.
وشه احمر، وعروقه بارزة، وصوته رج المكان.
إنتي اتجننتي؟!
إيه الأسلوب ده؟
إنتي فاكرة نفسك مين؟
ياسمين بصت له بثبات، رغم إن قلبها كان بيدق بجنون.
أنا بنت الست اللي ظلمتوها تلاتين سنة.
سامي قرب خطوة، وصباعه مرفوع في وشها.
أمك ما اشتكتش!
أمك عمرها ما قالت إنها مظلومة.
ياسمين ردت بسرعة، وصوتها اتكسر من الوجع
لأنها كانت خايفة… مش لأنها راضية.
الجملة دي نزلت على نوال زي صدمة.
رفعت عينيها لبنتها، ودموعها سالت بصمت… دموع ست لأول مرة حد نطق الحقيقة بدلها.
لكن سامي ما لانش.
ضحك ضحكة باردة، قاسية، فيها كِبر وإهانة.
هي الوحيدة معاكي؟ كويس.
بص لنوال، ثم لياسمين، وقال بمنتهى البرود
خدي أمك وامشوا.
واروحوا في أي حتة.
وخلي الخريجة الجديدة دي تصرف عليكي.
ومن النهارده… ما ترجعيش البيت ده أبدًا.
الكلمات نزلت كالرصاص.
نوال شهقت، وإيدها راحت على قلبها.
أما ياسمين… فوقفت مكانها، جسمها بيرتعش، لكن عينيها ما نزلتش.
كانت عارفة إن اللحظة دي هتيجي يومًا ما.
بس عمرها ما تخيلت إن أبوها هيختار كرامته المزيفة… بدل مراته وبنته.
بعد ما قال سامي كلمته القاسية، ومد إيده ناحية الباب كأنه بيطرد غرب… سكت البيت كله لحظة.
نوال كانت قاعدة على الكنبة، جسمها مرتخي من الصدمة، وعينيها تايهة.
مش قادرة تستوعب إن الراجل اللي عاشت معاه عمر كامل… طردها هي وبنتها كأنهم حمل تقيل.
ياسمين قربت منها بسرعة، ركعت قدامها، ومسكت إيديها المرتعشتين.
قومي يا ماما… يلا.
نوال بصتلها بعيون مليانة دموع وخوف.
نروح فين يا بنتي؟
أنا ماليش غير البيت ده… عمري كله هنا.
ياسمين بلعت وجعها، ومسحت دموع أمها بإيدها.
هنروح شقة جدو القديمة.
الحاجة دولت انفجرت ضحك بسخرية، وكانت بتسقف بإيديها الصغيرة في شماتة.
شقة أبوكي؟!
يا نهار أبيض… دي البيت مليان تراب وعناكب، ومحدش فتحه من سنين!
روحوا… روحوا ناموا مع الفيران.
ريم ضحكت هي كمان من طرف مناخيرها، وهي بتعدل شعرها.
أما كريم، فكان واقف يتفرج من غير ما ينطق… كأن اللي بيحصل ما يخصوش.
نوال حطت إيدها على صدرها، ودموعها بتنزل.
بعد السنين دي كلها يا سامي؟
بعد العمر ده كله؟
لكن سامي ما بصش لها حتى، كان واقف يظبط أزرار قميصه ببرود.
ياسمين قامت، دخلت أوضتها بسرعة، وفتحت الدولاب بعصبية.
بدأت تلم هدومها في شنطة كبيرة… ترمي الفساتين، الجينزات، اللوحات، أدوات الرسم، كل حاجة تقع قدامها.
وبإيد تانية كانت بتلم هدوم أمها عباياتها، طرحتها، دواها، شبشبها، نظارتها.
وفي وسط الهرجلة، طلعت الموبايل واتصلت بصاحباتها.
أول ما واحدة ردت، صوت ياسمين اتكسر.
يا بنات… بابا طردني أنا وماما من البيت.
سكتة قصيرة… بعدها أصوات غضب.
إيه؟!
إزاي؟!
إحنا جايلك حالًا!
واحدة اسمها ريهام قالت فورًا
تعالي اقعدي عندي. أنا وماما لوحدنا بعد وفاة بابا، البيت واسع.
لكن نوال هزت راسها من بعيد وهي سامعة.
لأ… ماحبش أبقى تقيلة على حد.
ياسمين بصتلها، وبعدين قالت في التليفون
ماما عايزة تروح شقة جدو القديمة.
ريهام ردت من غير تفكير
ولا يهمك. أنا هجيب البنات كلهم ونسبقكم هناك. محدش هيلم تراب لوحده.
بعد نص ساعة، الشنطتين كانوا واقفين عند الباب.
ياسمين ساندت أمها، وخرجوا.
الحاجة دولت كانت واقفة عند المدخل، مبتسمة ابتسامة صفراء.
سلام يا حلوين… وخدوا معاكم مسحوق الغسيل!
ريم ضحكت بصوت عالي.
نوال نزلت راسها، لكن ياسمين بصتلهم نظرة احتقار، ومشيت.
ركبوا التاكسي، والسواق حط الشنطتين في الشنطة الخلفية.
وأول ما العربية اتحركت، سامي بص لابنه وقال وهو واثق
سيبك منهم يا ابني… يومين تلاتة وراجعين يجروا.
كريم حك دقنه وقال بخبث
على فكرة… أنا كنت ناوي أفتح مع أمي موضوع بيع البيت القديم ده.
بيت قديم وتحت منه دكانين مقفولين… إيه لازمتهم؟
سامي ابتسم ابتسامة نصر.
ما تقلقش… اللي إنت عايزه هيحصل.
هيقعدوا يومين ويزهقوا.
مين هيعرف يعيش في بيت مقفول من سنين؟
وبعدين هيصرفوا منين؟
وأختك قبل ما تمشي رمت الفيزا.
الاتنين ضحكوا.
الحاجة دولت قالت وهي بتشرب الشاي
الست مالهاش غير جوزها. لما تعرف قيمته هترجع تزحف.
ريم عدلت رجل على رجل وقالت بتكبر
أم ياسمين صعبة أوي.
دي لا بتشتغل، ولا معاها شهادة، ولا تعرف تعمل حاجة.
تحمد ربنا إنه مستحملها.
وصلت ياسمين وأمها البيت القديم.
العمارة كانت قديمة، والباب الخشب عليه تراب الزمن.
لكن أول ما طلعوا، اتفاجئوا.
مش واحدة ولا اتنين…
كان تقريبًا نص دفعة الفنون الجميلة واقفين قدام الشقة، ماسكين مكانس، وجراكن مية، ومناديل، وضحك.
مفاجأة!
ياسمين شهقت، وحضنتهم واحد واحد.
كلهم كانوا بيحبوا ياسمين… وبيحبوا نوال أكتر.
الست اللي كانت تبعت مع بنتها سندوتشات زيادة عشان صحابك ياكلوا يا حبيبتي.
واحدة جريت حضنت نوال.
إزيك يا طنط؟ النهارده دورنا نرد الجميل.
فتحوا الشقة.
ريحة تراب قديم، ملايات مغطيه العفش، شبابيك مقفولة، وذكريات نايمة.
لكن البنات دخلوا كأنهم داخلين معركة.
يلا يا جماعة!
واحدة تكنس، واحدة تمسح، واحدة تنفض، واحدة تفتح الشباك.
كل ما نوال تحاول تساعد، يصرخوا
إيدك يا طنط! اقعدي إنتي ملكة.
بعد ساعات…
البيت اتقلب.
النور دخل، الهوا اتحرك، البلاط لمع.
واحدة جابت ملايات جديدة وفرشت السراير.
واحدة علقت ستاير خفيفة.
واحدة جابت زرع صغير على الشباك.
بقى البيت بينور.
البنات وقفوا في النص وقالوا لياسمين
البيت ده مش بيتك إنتي بس… ده بيتنا
—
كلنا.
بعدها بشوية، بدأت الأمهات تيجي.
اللي جاية بصينية مكرونة بالبشاميل.
واللي جاية ب مسقعة باللحمة المفرومة.
واللي جاية بمحشي، واللي جاية بحلو.
قعدوا كلهم ياكلوا، ويضحكوا، ويهزروا.
نوال كانت مبتسمة… لكن قلبها لسه قلقان.
ريهام خدت نوال على جنب، وقالت بهدوء
بقولك يا طنط… ياسمين حكتلي كل حاجة.
نوال تنهدت.
والله يا بنتي مش عارفة هصرف منين.
ريهام قربت أكتر.
تحت البيت دكانين مقفولين، صح؟
نوال رفعت عينها.
أيوه… زمان بابا كان مشغلهم بقالة.
سكر، زيت، سمنة، مكرونة… كل طلبات البيوت.
ريهام ضربت كف بكف.
أهو الحل!
نفتحهم تاني.
نوال اتفاجئت.
دلوقتي؟
آه دلوقتي.
وأخويا محامي، يخلصلك أي تصاريح من الحي.
ولو محتاجين تصليحات نعملها.
المنطقة شعبية والدكانين هيمشوا نار.
الكلام لمس قلب نوال.
افتكرت أيام أبوها… لما كانت داخلة بيت جوزها وعزيزة، وكل حاجة متوفرة، وحماتها ما تعرفش تكسرها.
قالت بهدوء
أخويا في كندا من سنين… أكلمه.
وبالليل كلمته، وحكتله كل حاجة.
أخوها سكت شوية… ثم قال
طالما مش طالبة مني فلوس، اعملي اللي يريحك.
ولو عايزة توكيل، أبعت فورًا.
نوال دموعها نزلت.
كفاية إنك مش زعلان.
ضحك وقال
أزعل من إيه؟ دي ورثك وحقك.
وفعلاً… في ظرف أيام قليلة
الدكانين اتنضفوا.
المحامي خلص الورق.
البضاعة دخلت.
سكر، رز، زيت، سمن، مكرونة، منظفات… كل حاجة.
والناس بدأت تشتري.
كل يوم فطار وغدا وعشا موجود.
البنات كانوا جايين كأنهم في رحلة.
مرة يقفوا في المحل.
مرة يحاسبوا.
مرة يرتبوا الرفوف.
وجابوا دهانات…
وبدأوا يرسموا على الحيطان.
رسومات فرعونية، ورد، ألوان مبهجة، طيور، شمس الكاتبه نرمين عادل همام
المكان بقى تحفة.
واحدة ضحكت وقالت
إحنا عاملينه مشروع تخرج!
نوال وقفت جنب ياسمين، وبصت للمحل والبيت والبنات… وعينيها بتلمع فخر.
لأول مرة من سنين…
حست إنها مش ضيفة في الدنيا.
وبعد أسبوعين تلاتة…
كان حال بيت سامي بقى غير الحال.
ريم طول النهار نايمة.
لا غسيل، لا طبيخ، لا ترتيب.
مهتمية بضوافرها، وشعرها، وصورها على السوشيال ميديا.
والبيت… بدأ ينهار واحدة واحدة.
بعد ما نوال سابت البيت، المكان ما بقاش بيت… بقى خرابة ساكتة.
في أول كام يوم، سامي كان داخل خارج متخيل إن الأمور عادي، وإنها يومين وتنكسر وترجع.
كان فاكر إن البيت بيمشي لوحده… زي ما كان فاكر طول عمره إن الغسيل بيتغسل لوحده، والأكل بيطلع لوحده، والهدوم بتتكوي وتترص لوحدها.
رجع من شغله يوم، دخل أوضته، فتح الدولاب… اتصدم.
ولا قميص متكوي.
ولا بنطلون مترتب.
ولا شراب متلموم.
هدوم الخروج مرمية في سبت الغسيل من أيام، زي ما كان بيقلعها ويرميها ويمشي.
بص حواليه.
ريحة الأوضة خانقة.
فين البخور اللي كان مالي المكان؟
فين الشباك المفتوح الصبح؟
فين الملاية المتغيرة؟
فين المخدات المترتبة؟
فين المشط اللي دايمًا مكانه معروف؟
دلوقتي…
المشط مرمي على الأرض.
السرير مكركب.
الدبان مالي الأوضة.
والشباك مقفول من أيام.
وقف ساكت… وحاجة جواه بدأت تتهز.
نزل يدور على أمه، الحاجة دولت.
الصالة فاضية.
لا صينية قهوة، ولا صوت التلفزيون، ولا ست قاعدة تنتقد الدنيا.
خبط على باب أوضتها.
يمّا؟
صوتها جه واطي، مكسور
ادخل.
دخل، لقاها قاعدة على الكنبة، هدومها نفسها من يومين، شعرها الأبيض منكوش ومضفور ضفيرتين عشوائي، ووشها تعبان.
قال بذهول
مالك يا أمي؟
بصتله، وسكتت شوية، ثم قالت
عمري ما كنت فاكرة إن البيت يوصل لكده وهي مش موجودة.
الكلمة دخلت فيه زي السهم.
قعد قدامها وقال بنبرة تايهة
هو أنا… ما كنتش عارف قيمتها؟
الحاجة دولت عدلت قعدتها وقالت بكبرياء قديم
هات خدامة يا ابني.
ما هي كانت إيه غير خدامة؟
سامي ضحك ضحكة مرة.
خدامة؟
إمتى دخل بيتي خدامين؟
ولما كانت بتتعب وتجيب واحدة تساعدها من مصروف البيت، كنتِ إنتي أول واحدة تعترضي.
وتقولي ما أأمنش على بيتي لواحدة غريبة.
سكت لحظة، وبص في الأرض.
أنا عمري ما كنت أعرف الفلوس اللي بسيبها في أي حتة بتروح فين… كنت برجع ألاقيها مترتبة فوق بعض.
ولا مرة مدت إيديها على جنيه.
ولا مرة خانتني في حاجة.
الحاجة دولت قلبت وشها الناحية التانية، والكلام ما عجبهاش.
قام سامي.
أكلتي؟
قالت بعصبية
لأ. ابنك بيجيبلي ساندوتشات كل شوية… شاورما وبرجر وبيتزا.
قال بضيق
والحاجات دي تبوظ معدتك… إنتِ عندك كبد ومرارة.
ما ردتش.
دخل المطبخ…
واتخض.
ريحة زبالة.
سبت الزبالة طافح.
أكياس سوداء مفتوحة.
الدبان طاير.
المواعين جبال.
بواقي أكل ناشفة في الحلل.
زعق بأعلى صوته
كرييييم!
طلع كريم من أوضته نايم ومضايق، وورا منه ريم بتتمطى.
في إيه يا بابا؟
أشار للمطبخ.
إيه الزريبة دي؟
ريم حطت إيديها في وسطها وقالت ببرود
وأنا مالي؟ بتزعقلي ليه؟
أنا ما بحكمش عليا غير جوزي.
كريم فرك عينه وقال
إيه يا بابا… سيبها.
سامي بصله مصدوم.
مراتك سايبة البيت بالشكل ده وعاجبك؟
ريم ردت بوقاحة
أنا مش خدامة.
إنت اتجوزتني من بيت أهلي وعارف إني ما بعملش شغل بيت.
من يوم ما اتجوزت وأنا بافطر وأتغدى وأتعشى جاهز.
لا غسيل مواعين، ولا طبيخ، ولا كنس.
وبصت لكريم
لو الكلام مش عاجب باباك، أروح بيت أهلي.
كريم قال فورًا
وعندها حق يا بابا.
أنا متجوزها عشان أرمطها يعني؟
سامي قرب منه، وصوته بقى نار
آه… وإنت مش متجوزها عشان ترمطها.
وأنا اتجوزت أمك عشان أرمطها؟
المطبخ سكت.
حتى ريم اتفاجئت.
قالت وهي بترفع دقنها
أكيد أنا أحسن من مراتك.
أنا متعلمة، وشيك، وبشتغل على نفسي… هي آخرها البيت.
سامي حس إن الكلمة دي اتردتله من سنين… نفس الكلام اللي كان بيقوله هو.
اتنهد وقال
أنا اللي غلطان.
كريم اتعصب
لو قعدتي تضايق مراتي، هاخدها ونمشي.
ريم قالت بسرعة
يا ريت… يا نأجر شقة في مكان محترم.
سامي بصلهما ببرود
مين هيدفع؟
ما حدش رد
لبس هدومه، خد عربيته… وراح للبيت القديم.
المنطقة شعبية، زحمة، أصوات ناس، حياة.
وقف بالعربية، وبص مذهول.
فين البيت القديم المقفول؟
الواجهة مرسوم عليها رسومات جميلة، ألوان وفرعوني وورد.
عرف فورًا إن ياسمين ودفعتها ورا ده.
والأكتر…
الدكانين مفتوحين.
ناس داخلة طالعة، زحمة شراء، أكياس، أطفال، رجالة وستات.
دخل واحد من المحلين.
وقف مكانه.
نوال قاعدة على الكاشير.
لابسة حجابها وعبايتها الواسعة، زي ما اتعود.
لكن وشها…
مبتسم.
ابتسامة من قلبها.
ابتسامة ما شافهاش من سنين.
الأرفف مليانة بضاعة.
زيت، سكر، رز، مكرونة، جبن، منظفات.
همس لنفسهالكاتبه نرمين عادل همام
كل ده منين؟
رفعت عينها له، وقالت بهدوء
أخيرًا افتكرتنا؟
بلع ريقه.
كملت
البضاعة دي جت من خير أبويا.
بعت الإسويرة القديمة… اللي كنت تقول عليها شبه النحاس ووحشة.
سكت.
إسويرة أبويا… هي اللي ساندتني.
ما عرفش يرد.
قرب منها، نفسه يتكلم، لكن الكلام مات.
في اللحظة دي، ياسمين كانت واقفة وراه.
لما شافته، جمدت.
هي ما كانتش عايزة أمها تتطلق في السن ده… كانت بس عايزاه يعرف غلطه.
لف سامي ومشي.
غاب ساعتين.
في البيت، نوال كانت بتعيط في حضن بنتها.
أبوكي أول وآخر راجل في حياتي…
العِشرة ما تهونش يا بنتي.
ياسمين مسكت إيديها.
بس إنتِ تستاهلي كرامة يا ماما.
بعد ساعتين…
وقف قدام الباب.
شايل أكبر بوكيه ورد شافوه.
أبيض وأحمر.
وفي إيده شنطة صغيرة.
دخل، قرب من نوال… وعينه مليانة دموع.
من غير كلام، فتح الشنطة.
طقم دهب كامل.
غويشة وكوليه.
نوال شهقت.
يمكن من أيام الخطوبة ما جابلهاش هدية.
تلاتين سنة… من غير وردة، من غير كلمة طيبة.
مد إيده وربّت على كتفها.
وقال بصوت مكسور
أنا هتغير.
يمكن أخدت أسوأ حاجة من أبويا.
سامحيني.
الدموع نزلت من عينيها.
كمل
من هنا ورايح… إنتِ ست البيت.
وهجيبلك حد يساعدك تحت إشرافك.
وهعملك فيزا باسمك.
نوال قالت بهدوء
بس أنا مش عايزة أسيب بيت أبويا.
ابتسم أول مرة بصدق.
مين قال تسيبيه؟
الدكاكين هتفضل مفتوحة.
نقسم وقتنا بين هنا وبين بيتنا.
ولو أمي حبت تيجي… تنور.
وعدّت الشهور…
كريم لما فهم إن ريم مدلعة وعايزة صرف بس، سابها عند أهلها لحد ما تعقل.
وبقى ينزل يقف في المحلات مع أمه.
الحاجة دولت جابت كرسي، وبقت تقعد قدام الدكان تتسلى مع ستات المنطقة، وتدعي لنوال.
سامي اشترى زرع، وورد، وعمل جنينة صغيرة ورا البيت القديم.
وبقى أغلب الوقت هناك.
نوال بقت تشتغل وهي مرفوعة الرأس.
وياسمين بقت فخورة بأمها… وبنفسها.
وسامي؟
اعتذر لمراته…
واعتذر لبنته…
وعوّضهم على قد ما يقدر.
بعد سنين طويلة…
اتعلم إن الست مش مسحوق غسيل،
ولا خدامة،
ولا ظل في البيت.
الست… لو غابت،
البيت كله يقع.
حصري على صفحة
الكاتبه نرمين عادل همام
تمت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *