ج الاخير العقد الكاتبة نرمين عادل همام

ج الاخير

فريدة قفلت الكتاب في إيدها. صوت قفلة الكتاب الخشبية رن في الصالون الواسع كأنه ضربة قلم.

“يا سليم،” فريدة قالت بصوت ثابت زي الجبل، “الناس الكبار العاقلين مبيسرقوش ورث جدهم ودهب عيلة مراتهم ويروحوا يلبسوه لبنت قد عيالهم، لمجرد إنها تافهة وفاكرة السرقة دي قصة حب ورومانسية.”

وشه اتقلب والوانه خطفت. هنا بانت الحقيقة.

مكانش في عينه اعتراف بالذنب، ولا رغبة في الاعتذار. كان في عينه حسابات.

كان عمال يحسب في دماغه بالثانية هي عرفت إيه؟ ومين اللي قال لها؟ وهل الموضوع واقف بس عند العِقد الياقوت ولا لقطت خيط الحسابات والتحويلات الكبيرة اللي في الضلمة؟ فريدة كانت قاعدة وبتتفرج على ملامحه وهي بتتحرك بالحسابات دي بمنتهى البرود والصبر، كأنها واحدة واقفة برة اللعبة تماماً وبتتفرج عليه من بعيد.

سليم أخد نفس طويل وقال بتلعثم: “أنا أقدر أشرحلك كل حاجة.. السالفة مش كدا.”

“أنا متأكدة إنك هتعرف تشرح وتبرر كويس جداً.. طول عمرك لسانك حلو وبتعرف تلف وتدور وتطلع نفسك من أي مصيبة زي الشعرة من العجين.”

“طب اسمعيني وسيبيني أفهمك..”

“لأ.”

عقدا حاجبيه بضيق وغضب وقال: “لأ؟”

“أيوة، لأ،” فريدة كررتها بمنتهى الهدوء والثبات اللي يجنن. “هتتكلم لما أكون أنا جاهزة ومزاجي يسمح إني أسمعك. الليلة دي أنا تعبانة، وأنت لسه مخوفتش كفاية عشان تنطق بالحق وتقول الصدق.”

الجملة دي نزلت عليه في وسط الصالون الواسع كأنها لوح زجاج اتدشدش على أرض رخام أثرية.

سليم فضل واقف ساكت ومقدرش ينطق بحرف واحد. فريدة وقفت، وأخدت كتابها معاها. مشيت من جمبه ببطء شديد، وقربت منه لدرجة إنها لقطت ريحة برفان حريمي خفيف وناعم طالع من هدومه ومستخبي ورا ريحة الويسكي والمطر.

وعند الباب وقفت وبصتله ورا ضهرها: “في حاجة أخيرة يا سليم.”

لف وبصلها بلهفة كأنها هتديله طوق نجاة.

وقالت ببرود يقتله: “العِقد مش هو المشكلة.. العِقد ده هو الجزء اللي أنت كنت غبي كفاية عشان تسيب الناس تصوروه على رقبتها بالبساطة دي.”

وسابته واقف مكانه وخرجت. سليم فضل واقف في مكانه متسمر لوقت طويل مبيتحركش والدم متجمد في عروقه.

على الساعة تمانية بالليل، فريدة مسكت التليفون وكلمت ابتسام هانم الورداني.

ابتسام هانم ردت قبل ما فريدة تنطق بكلمة واحدة: “أنا عارفة كل حاجة يا حبيبتي. تليفوني مرنش غير ست مرات لحد دلوقتي من حبايبنا في الصالونات. المحروسة ريهام كانت لابس عِقد ‘دموع النيل’ في وسط الناس وبتتمنظر بيه كأنها عيلة صغيرة لابسة تاج بلاستيك جايباه من علبة لعب أطفال. قوليلي إنك كلمتِ رأفت المنشاوي علطول؟”

“كلمته هو أول واحد.”

“جدعة يا بنت الصاوي، طول عمرك أصيلة وبتفهمي الأصول.”

“أنا محتاجة مساعدتك يا ابتسام هانم.”

صوت ابتسام هانم اتغير وظهرت فيه نبرة متعة وتشويق حقيقية: “أخيراً! الساحة وحشتني واللعب التقيل وحشني.”

فريدة ابتسمت غصب عنها رغم كل الوجع اللي جواها. مفيش ناس كتير في الدنيا دي يقدروا يتكلموا عن خراب البيوت وتدمير الخصوم بنبرة فيها بروتوكول وأصول وذوق كأنهم بيشربوا فنجان شاي الساعة خمسة؛ ابتسام هانم الورداني كانت صاحبة مدرسة في الحكايات دي.

قالت فريدة: “حفلة الهلال الأحمر السنوية فاضل عليها أربعة أيام.. وسليم أكيد هيحضر. ولو فاكر نفسه ذكي وهيلم الموضوع ويسيطر على الموقف، فممكن جداً يجيله الجبروت ويجيب البنت دي معاه الحفلة عشان يثبت للناس إن مفيش حاجة تهزه.”

ابتسام هانم ردت بثقة عمياء: “هيجيبها طبعاً، الرجالة اللي من عينة سليم دايماً بيلعبوا على المكشوف ويزودوا في الغلط لما يحسوا إنهم عملوا مصيبة وخرجوا منها من غير حساب. هيعوز يوري القاعة كلها إنه مش مكسوف ولا فارق معاه كلام حد.”

“أنا عايزاها تقعد في مكان مميز جداً ومكشوف في القاعة.”

“مميز إزاي؟”

“عايزاها في مكان ظاهر للكل.. بس تكون معزولة ومفيش حد حواليها ينجدها. قريبة كفاية عشان الكل يتفرج عليها وعلى لبسها، وبعيدة كفاية عشان ملقيش حد يقدر يلحقها أو يدافع عنها لما تقع.”

ابتسام هانم تنهدت برضا وفخر: “بجد بجد.. أنتِ بتخليني فخورة بيكِ يا فريدة وعمرك ما بتخذلي تربيتي ليكي.”

“وعايزة الناس الصح يبقوا واقفين ومستنيين ومركزين أول ما أوصل القاعة.”

“شيرين الهواري بتاعة مجلة ‘المجتمع والناس’ وصحيفة اليوم السابع مديونة ليا بتلات جمايل كبار وعينيها وسط راسها في الحكايات دي.”

“خلصي جمايلك معاها الليلة دي وخليهم يستنوها.”

“كنت ناوية أعمل كدا فعلاً من غير ما تقولي.”

فريدة بصت لـ أنوار البيوت والشوارع من ورا الشباك والمطر لسه بينزل: “في حاجات تانية أكبر من كدا كمان يا ابتسام هانم.”

ابتسام سكتت تماماً على الخط وبصوت جاد: “حاجات إيه تاني؟”

“حداشر مليون دولار لحد دلوقتي ضايعين ومسحوبين في الضلمة.. فلوس وحسابات تابعة لشركات عيلة الصاوي ومتحولة لشركات واجهة برة مصر، وقروض بضمان أسهم الشركة من غير علم ولا موافقة مجلس الإدارة. رأفت لسه شغال وبيجمع الأدلة وبيرسم الخريطة.”

المرة دي ابتسام هانم مجاوبتش بسرعة. ولما نطقت، كانت النبرة الساخرة والمستمتعة اللي في صوتها اختفت تماماً وحل مكانها صوت حاد وقاسي كأنه صخر: “دي كدا مبقتش خيانة زوجية يا حبيبتي.. دي بقت سرقة عيني عينك وهجوم على عيلتك واسمك.”

“أيوة.”

“يبقى هنتعامل معاها على الأساس ده.. حرب تكسير عظام ومفيهاش رحمة.”

فريدة غمضت عينيها لثانية واحدة. مش ضعف، بس لأن الإحساس بالراحة والمساندة لما بيجي من الشخص الصح وفي وقته، ممكن يكون خطر؛ بيفتح بيبان جوه الواحد مننا ميكنش لسه مستعد يواجه اللي وراها.

فتحت عينيها تاني وقالت بقوة: “عايزة القاعة والناس يكونوا جاهزين للفرجة.”

ابتسام هانم ضحكت بهدوء وثقة: “يا حبيبتي، الصالونات والقاعات دي مجهزة ومستنية ستات زينا من قبل ما رجالة تافهة ومحدثة نعمة زي سليم يتعلموا إزاي يكدبوا ويسرقوا أصلاً.. نامي وارتاحي وسيبيلى الترتيب.”

في الليلة دي، فريدة دخلت أوضة الملابس الكبيرة (الدريسنج روم)، وراحت للخزنة السرية المستخبية ورا درفة خشب مدهونة بنفس لون الحيطة.

سليم كان عارف إن في خزنة موجودة في الأوضة دي. بس عمره ما عرف الباسورد بتاعها ولا فكر يدور وراها إزاي بتتفتح.

جواها كان في ورق عيلة الصاوي الأصلي، وحلقان الزمرد الأخضر بتاعة والدتها، وجوابات قديمة بخط إيد جدها، وعلبة القطيفة الفخمة الكبيرة المبطنة بالساتان الروز اللي المفروض يكون متشال جواها عِقد “دموع النيل”.

فتحتها ببطء.. وابتسمت ابتسامة غامضة وباردة.

العِقد اللي جوه العلبة كان نسخة تقليد (هاي كوبي) معمولة بدقة متناهية مستحيل مخلوق يفرقها عن العِقد الأصلي غير بجواهرجي فنان وتحت الميكروسكوب..

العِقد الحقيقي الأصلي مكنش في الخزنة أصلاً، وسليم أخد التقليد وباع نفسه بيه للرخيصة!

فتحت فريدة علبة القطيفة وبصت للنسخة اللي جوه. النسخة التقليد كانت معمولة بنظافة ودقة عالية جداً.

مكانتش مجرد تقليد رخيص يتعرف بمجرد النظر؛ سليم مكنش مهمل ولا غبي للدرجة دي وهو بيجهز للسرقة. كان طالب نسخة قريبة جداً من الأصل عشان تخدع وتغش أي حد شاف العِقد الأصلي قبل كدا في الصور بس. فصوص الياقوت كانت أحجار معالجة كيميائياً ومصنوعة بدقة، والألماس كان ألماس حقيقي بس من درجات نقاوة أقل وجودة تانية خالص، والبلاتين كان خفيف سنة صغيرة عن العِقد الأصلي. حتى القفل من ورا كان معمول بطريقة تختلف عن طريقة الصانع القديم بتاع زمان.

فريدة رفعت العِقد المقلد بين إيدها وبصتله بقرف. كان في حاجة تثير الغثيان في العِقد المقلد ده؛ مش لأنه ملوش قيمة، بس لأنه معمول بـ “شبه احترام” وتفانٍ عشان يظهر كأنه ورث حقيقي وعائلي وهو في الأصل كدبة رخيصة.

بس الـ “شبه” ده، فريدة فكرت مع نفسها وقالت: هو ده بالظبط الجحر اللي الرجالة المغرورة بتدفن فيه غلطاتها الكبيرة وتفتكر إن محدش هيشوفها.

رجعت العِقد المقلد مكانه في علبة القطيفة الفخمة. طلعت تليفونها وصورته صورة واضحة ومجسمة. وبعدين شالته وقفت الخزنة السرية تاني.

في المراية الطويلة اللي متعلقة على ضلفة الدولاب، فريدة بصت لنفسها وهي واقفة وسط فساتين السهرة والبدل القماش الفخمة والأحذية المرصوصة بالمسطرة تحت الرفوف. كانت عندها واحد وخمسين سنة. البنت اللي يشوفها من بعيد، يقول عليها بالظبط من نوع الستات اللي الرجالة بيفتكروهم هيموتوا ويحافظوا على “شكل الجوازة والمنظر قدام الناس”، حتى لو الجوازة دي اتصفت وبقت غابة وفيها وحش بياكل فيهم.

سليم اختار الست الغلط عشان يستهون بيها ويستصغر عقلها.

فريدة طفت نور الأوضة وخرجت.

على نص الليل، رأفت المحامي بعت لها الجزء التاني من الأوراق والتحويلات على تليفونها. وعلى الساعة واحدة بعد نص الليل، فريدة قرأت وفهمت كفاية عشان تدرك وتتأكد إن العِقد ده مش هيكون هو الفضيحة الكبيرة للحفلة. العِقد ده هيكون مجرد “الرمز” اللي الكل هيتحاكى بيه.

الجرح الحقيقي والأقوى كان مالي، وقانوني، ومتخطط له بـ غل وتدبير مسبق. سليم مكنش مجرد راجل كبر في السن وحب بنت صغيرة قد عياله وغلط غلطة طايشة. مكنش مجرد راجل أحرج مراته وكسر بخاطرها وسط صالونات القاهرة. ده كان بيخطط، بمنتهى الصبر والهدوء، عشان يكتف إيدها ويقلل من نفوذها وقدرتها المادية، وفي نفس الوقت مغطي الخيانة دي بكلام حب ورومانسية للبنت التانية، ومغطي سرقته لفلوس عيلتها بمصطلحات بيزنس وشغل وشركات واجهة.

على الساعة اتنين ونص الفجر، كانت فريدة قاعدة لوحدها في مكتبها الضلمة، والأوراق والتحويلات والملفات مفرودة قدامها على المكتب تحت ضوء الأباجورة الأصفر الخافت. المطر كان وقف برا الشباك وصوت الهوا هدي. وأنوار شوارع المعادي كانت بتبرق وبتلمع كأن مفيش أي حاجة وحشة ولا قذرة بتحصل جوة بيوتها في الساعات دي.

تليفونها اتهز مرة واحدة. وصلت لها رسالة من رقم مجهول ميعرفوش. كانت صورة لريهام وهي قاعدة في الكرسي الوراني لعربية تاكسي أو عربية خاصة، العِقد الياقوت بيلعلع على رقبتها، وهي مايلة براسها وساندة على كتف سليم اللي كان وشه باين جمبها.

وتحت الصورة مكتوب تعليق مستفز وقليل الأدب:

“كان المفروض تلبسيه وتظهري بيه لما كان عندك الفرصة يا هانم.”

فريدة بصت للرسالة والتعليق لثواني. وبعدين، ضحكت ضحكة هادية جداً وبصوت واطي في وسط هدوء الأوضة. مش لأن الموضوع بيضحك أو دمه خفيف. لأن الشخص اللي بعت الرسالة دي، أياً كان هو مين، لسه عامل حالا أول غلطة حقيقية وقاتلة في الحرب دي. غلطة ملهاش رجوع.

عملت فوروارد (إرسال) للرسالة والصورة لرأفت المحامي علطول. وبعدين بعتتها لابتسام هانم الورداني. حطت التليفون على مكتبها ووشه لتحت، وهمست بصوت واطي جداً في وسط ضلمة الأوضة: “شكراً جداً.”

لأن دلوقتي بقى في قلة أدب وتعمد للأذى والجرأة. دلوقتي بقى في نية واضحة للخراب. دلوقتي بقى في دليل مادي ومكتوب ومصور على الرغبة في الإهانة وجرح الكرامة، وفريدة الصاوي طول عمرها دارسة وعارفة بالظبط الدليل ده بيتعمل بيه إيه، وإزاي بيتدبح بيه صاحبه في الوقت الصح.

لما طلع الصبح، حفلة الهلال الأحمر السنوية الكبيرة مبقتش مجرد حفلة عادية وسهرة للناس الكبار يتسامروا ويشربوا. الحفلة دي بقت “قاعة محكمة” حقيقية، سقفها نجف كريستال أثري وكراسيها مدهبة. وكل راس كبيرة، وكل اسم له قيمة وشنة ورنة في البلد، كان خلاص بيحجز مكانه ويقعد عشان يتفرج على الحكم اللي هيتنفذ ع المباشر.

القاعة الأثرية الكبرى في فندق الماريوت بالزمالك كانت بتبرق بالأنوار، النجف الكريستال الضخم كان بيعكس ضوء أبيض على الكراسي المذهبة والترابيزات المتزينة بالورد الأبيض والياسمين. الحفلة السنوية للهلال الأحمر كانت لامة كل عائلات الذوات، والوزراء، وحيتان السوق في مصر. الكاميرات كانت بتنور كل ثانية، والهمس مكنش بيبطل. الكل كان مستني وصول تلاتة بالذات: سليم الشافعي، البنت الجديدة اللي طالع بيها، وفريدة الصاوي.

سليم دخل الأول، راسه مرفوعة وكتفه مفرود، ولابس بدلة “تكسيدو” سودة في منتهى الشياكة. وعلى دراعه كانت واقفة “ريهام” بفستانها الأبيض الساتان اللي كان لافت الأنظار بزيادة، وعلبة المكياج كلها على وشها، وحوالين رقبتها كان بيلعلع عِقد “دموع النيل” الأزرق. ريهام كانت بتبص للناس بتعالي، وإيدها كل دقيقة تطلع تلمس الفصوص الزرقاء كأنها ملكة متوجة.

بس الخطة اللي رسمتها ابتسام هانم الورداني كانت شغالة بالملّي.

بمجرد ما سليم وريهام دخلوا، اتوجهوا لترابيزتهم اللي كانت في نص الصالة بالظبط، مكان مكشوف لكل عين في القاعة.. بس الصدمة إن الترابيزة كانت فاضية تماماً! مفيش اسم كبير واحد رضي يقعد معاهم. كل ما سليم يحاول يقرب من رجل أعمال أو عيلة عريقة عشان يسلم، يلاقيهم بيعتذروا ببرود ويمشوا، ويسيبوهم واقفين لوحدهم في وسط الصالة زي العرايس اللعبة. ريهام بدأت ابتسامتها تتهز، وسليم عروق جبهته بدأت تظهر من الغضب المحبوس.

وفجأة.. الباب الخارجي اتفتح، وساد السكون في القاعة كلها.

دخلت فريدة الصاوي.

كانت لوحدها، لابسة فستان أسود كلاسيك غاية في الأناقة والبساطة، شعرها مرفوع بهيبة، ورقبتها كانت فاضية تماماً مفيهاش ولا حتة صاغة.. بس حضورها كان مغطي على المكان كله. الكاميرات كلها سابت سليم وريهام واتوجهت لفريدة، الفلاشات مكنتش بتبطل، وهي بتمشي بثقة وخطوات راسية وبتوزع ابتساماتها الهادية على كبار العائلات اللي وقفوا يرحبوا بيها ويعزموا عليها تقعد معاهم.

ابتسام هانم الورداني كانت واقفة جمب شيرين الهواري، الصحفية الكبيرة، وباصين للمشهد بابتسامة نصر.

فريدة مشيت بخطوات بطيئة ومنظمة لحد ما وصلت لترابيزة سليم وريهام. وقفت قدامهم بالظبط. ريهام حاولت ترسم الثقة والجرأة، رفعت راسها ودافعت بصوت مسموع: “مساء الخير يا فريدة هانم.. منورة الحفلة.”

فريدة مبصتش لوش ريهام أصلاً. عينيها الرمادية النسرية نزلت لرقبتها، وبصت لعِقد الياقوت الأزرق لثواني ببرود شديد، وبعدين ابتسمت ابتسامة خفيفة وقالت بنبرة هادية سمعتها الترابيزات القريبة كلها: “التقليد عالي أوي يا حبيبتي.. الجواهرجي اللي عمله ل سليم تعب فيه فعلاً، بس البلاتين خفيف والفصوص المعالجة دي م بتلمعش في الضلمة زي الياقوت الحر.”

ريهام وشها جاب ألوان وحطت إيدها على العِقد بزهول: “تقليد إيه؟! ده عِقد دموع النيل الأصلي اللي سليم أهداهوني!”

فريدة لفت وشها وبصت لسليم اللي كان وشه بقى شبه الميتين: “أصل سليم يا حبيبتي مكنش يقدر يسرق العِقد الأصلي من خزنتي لأن الباسورد بتاعها ميعرفوش.. هو أخد النسخة المقلدة اللي أنا كنت عاملاها للتمويه وخرج بيها وهو فاكر نفسه ذكي.”

القاعة كلها بدأت تتوشوش وتضحك بصوت واطي. ريهام بصت لسليم برعب وعينها دمعت: “سليم؟ الكلام ده بجد؟! ده فالصو؟!”

في اللحظة دي، ظهر رأفت المنشاوي المحامي وراه اتنين رجالة ببدل رسمية زرقاء، ومعاهم ملفات وورق رسمي. رأفت قرب من سليم وبص له بجمود: “سليم بيه الشافعي.. معانا أمر رسمي من النيابة العامة بوقف تصرفك في جميع أرصدتك وحساباتك الشخصية وحسابات شركة ‘الشافعي للاتصالات’، والتحفظ عليها بعد اتهامك الرسمي باختلاس وتبديد حداشر مليون دولار من أموال وممتلكات عائلة الصاوي وتحويلها لشركات واجهة برة مصر.”

سليم اتنفس بصعوبة وحس إن الهوا اتسحب من صدره، بص لفريدة برعب وهمس: “فريدة.. بلاش فضايح وسط الناس.. هنحل كل حاجة في البيت.”

فريدة بصتله بعيون خالية من أي مشاعر وقالت بصوت واثق زلزل كيانه: “البيت ده كان بيت فريدة الصاوي يا سليم.. والنهارده الصبح الأمن طرد كل حاجتك منه في الشارع. أنت مبقاش عندك بيت ترجع له.. ولا شركة تديرها.. ولا حتى دهب حقيقي تفتخر بيه قدام الستات.”

طلعت فريدة تليفونها من شنطتها الشيك، وفتحت الصورة والرسالة المستفزة اللي ريهام بعتتهالها بالليل (“كان المفروض تلبسيه لما كان عندك الفرصة”)، لفت الشاشة ورتها لسليم ولشيرين الهواري الصحفية وقالت ببرود: “القانون مبيحمش المغفلين يا سليم.. والرسالة دي كانت النية الكاملة لإهانة كرامتي وتعمّد الإضرار بيا.. وهي دي اللي خلت النيابة تتحرك في ساعات وتجمد كل قرش حلتك.”

ريهام صرخت بدموع وقهر وهي بتشد العِقد المقلد من رقبتها بكل قوتها لحد ما اتقطع وفصوصه البلاستيك المعالجة اترميت واتدحرجت على الأرض الرخام تحت الرجلين، ولفت وشها وجريت برة القاعة وهي بتعيط والناس بتتفرج عليها وتضحك.

سليم بص على الأرض.. وبص  للبوليس اللي واقفين مستنيينه على الباب برة القاعة عشان ياخدوه للتحقيق.. وبص لفريدة اللي كانت واقفة زي الملكة في وسط قصرها، حواليها ولاد الأصول بيحموها بوجودهم.

فريدة لفت ضهرها ومشت بكل هيبة وكبرياء، راحت قعدت جمب ابتسام هانم الورداني، وأخدت كاس المية بتاعها وشربت منه ببرود وهي بتبص من الشباك العريض على النيل.. النيل اللي لسه بيجري بهدوء، كأن مفيش إمبراطورية ورجل أعمال جبار اتمسح بيهم الأرض حالا في الزمالك.

تمت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *