ج الاخير بنت رقيقة

ج الاخير

خفضت عينيها على الأرض بإحراج من غير ما تاخد بالها من ابتسامة الخبث اللي ظهرت على وش نوح وهو شايفها اتحرجت من كلامه.
بعد ساعة الوفد وصل وقعدوا في قاعة الاجتماعات. الجو كان رسمي والكل قاعد قدام بعض. أحد أفراد الوفد الكوري بدأ يتكلم، ونوح بص لفرح وقال لها بنبرة هادية:

فرح، ترجمي كلامه.
فرح ما ردتش عليه، عينيها كانت متعلقة بالراجل الكوري بابتسامة إعجاب طفولي، وقالت باندهاش خفيف:

يا نهار أبيض! ده شبه جونغكوك من فرقة الكورية!
نوح شد نفسه في الكرسي وعينيه ضاقوا من الغيرة، وهو يرد بسرعة:

جونغكوك مين؟! كلهم شبه بعض عيونهم ضيقة وخلاص! أنتِ مش مركزة في شغلك.
طول الاجتماع نوح كان بيحاول يركز في الكلام اللي بيتقال، لكن عينه كل شوية تروح على فرح. هي بقى ولا كإنها حاسة بيه، عينيها معلقة بالراجل الكوري، وكل ما يتكلم تبتسم ابتسامة صغيرة كأنها منبهرة بيه. نوح فضل يطرقع صوابعه من تحت الترابيزة، وصوته مكتوم من الغيظ بس ملامحه لسه محافظة على الرسمية قدام الوفد.
فرح فجأة وجهت كلامها للراجل الكوري بابتسامة أكبر، وقالت له جملة بالكوري. نوح رفع راسه بحدة وبص لها باستغراب وغضب وهو يهمس من بين أسنانه:

أنتِ قلتي له إيه يا فرح؟! بتتكلمي في إيه؟!
فرح لسه متجهلاه وعينيها على الراجل، متجاهلة غليان نوح اللي قاعد على الكرسي جنبه كأنه هيقوم يجرها برة القاعة.
الاجتماع أخيراً خلص، وأعضاء الوفد بدأوا يقوموا ويسلموا. نوح كان ماسك نفسه بالعافية، كل ثانية بيقول لنفسه: “استحمل عشان شكلك قصاد الناس”. لكن اللي ولع قلبه أكتر إن فرح وهي واقفة بتودعهم، لوحت بإيدها للراجل الكوري بابتسامة عريضة وقالت بصوت مسموع:

مش هنساك يا جونغكوك!
نوح قرب من فرح اتكلم بغضب شديد:

إيه اللي أنتِ عملتيه ده في الاجتماع؟!
فرح ببراءة واستفزاز:
إيه؟ أنا عملت إيه؟!
والله مش عارفة أنتِ عملتي إيه يا فرح؟! تجاهلك ليا طول الاجتماع وتركيزك كله مع الواد الكوري! من إمتى أصلاً وأنتِ تبصي على راجل بالشكل ده؟!
فرح لفت تبصله بنظرة حالمة وكأنها مش واخدة غضبه بجد، بالعكس متعمدة تزوده، وقالت بنبرة رقيقة مستفزة:

قصدك تقول جونغكوك… شفت شعره كان ناعم إزاي؟
نوح بغيرة ونبرة غاضبة:
والله أنا مش شايف فيه حاجة حلوة! كفاية القراط اللي حاطه في شفايفه، بياكل إزاي أصلاً؟!
فرح ردت بحيرة وتمثيل الجدية:
مش عارفة، بس تفتكر عنده وشم على دراعه زي جونغكوك؟ أصله كان لابس بأكمام فمعرفتش أشوف كويس.
نوح شهق من كثر الغيظ، مسك راسه بإيده وكأنها جابت آخره وقال بصوت مبحوح من الغيرة:

فرح كفاية بجد كفاية! أنتِ عايزة تجننيني؟!
فرح قهقهت بخفة وقالت:
إيه يا نوح، غيران منه ولا إيه؟!
نوح وقف مكانه، قرب منها بخطوة وصوته هادي لكنه مخيف:

أنا مش غيران يا فرح… أنا مولع نار! ولولا إني ماسك نفسي، كنت وريتك دلوقتي معنى الغيرة الحقيقية.
فرح ابتسمت بخفة وسابته ومشيت على مكتبها. نوح قعد على الكرسي بتعب وقال:

يا ترى هتعملي فيا إيه تاني يا فرح؟!
هو كان يبان بارد وهي تبان عنيدة، لكن الحقيقة إن كل نظرة بينهم كانت معركة خسرانها الاتنين، لأن القلب كان دايماً بيبوح قبل اللسان.
عدى أسبوع كامل مليان شد وجذب بين نوح وفرح، أسبوع كل كلمة فيه كانت شرارة؛ مرة هي تستفزه ومرة هو يتعمد يضايقها، لحد ما بقى التوتر بينهم واضح لأي حد يشوفهم.
في يوم، نوح دخل مكتبها وقال بنبرة عملية:

يلا يا فرح عندنا مقابلة مهمة… لازم نخرج نمضي عقد مع الشركة، الاجتماع هيكون في مطعم.
فرح رفعت عينيها من الأوراق باستغراب:
في مطعم؟! مش في مكتب؟!
نوح بابتسامة غامضة:
هما اللي اختاروا كده… يلا بقى.
خرجوا من الشركة ونوح مسك المفاتيح وهو ماشي جنبها لحد العربية. ركبوا وبدأ يسوق بهدوء، الجو بينهم هادي أكتر من الأيام اللي فاتت. دار بينهم حوار عادي عن الشغل، التفاصيل الصغيرة من غير مشادات كبيرة كالعادة.
نوح مد إيده وشغل المذياع، وبدأت تطلع أغنية “تملي معاك” لعمرو دياب:
“تملي معاك ولو حتى بعيد عني في قلبي هواك… تملي معاك تملي في بالي وفي قلبي ولا بنساك… تملي واحشني لو حتى بكون وياك…”
نوح خطف نظرات لفرح اللي كانت باصة للطريق، ملامحها هديت وهي مركزة في كلمات الأغنية وعينيها فيها لمعة خفيفة. عينيها متابعة الطريق لكن تركيزها مع كلمات الأغنية اللي بتوصف حالها وحال قلبها:
“تملي حبيبي بشتاقلك… تملي عينيا تندهلك… ولو حواليا كل الكون بكون يا حبيبي محتاجلك… تملي معاك… معاك قلبي معاك روحي يا أغلى حبيب… ومهما تكون بعيد عني لقلبي قريب… يا عمري الجاي والحاضر يا أحلى نصيب…”
نوح كان كل شوية يخطف نظرة عليها يشوف ملامحها وهي سايبة روحها للكلمات. ابتسامة صغيرة ظهرت على وشه، لكن بسرعة رجع يخلي نفسه متماسك كأنه مركز في السواقة بس. الرحلة عدت في مزيج من صمت وكلمات الأغنية اللي بتغلف الجو حوالين الاتنين.
وأخيراً وصلوا المطعم، دخلوا سوا واستقبلهم المسؤولون بابتسامة وترحاب واتجهوا للطاولة المحجوزة للمقابلة. المقابلة بدأت بشكل رسمي؛ كلام عن الشغل، تفاصيل العقد، وتبادل أوراق. الجو في المطعم هادي، إضاءة دافية وموسيقى خفيفة في الخلفية.
بعد شوية النادل جه وسألهم عن الأكل، وكل واحد طلب طبقه. فرح وهي بتاكل شرقت وبدأت تكح بعنف، كتمت كحتها بإيدها لكن وشها بدأ يحمر بسرعة.
نوح اتخض ومد إيده فوراً، فضل يخبط على ضهرها بلطف وهو بيقول بصوت واطي:

هدي نفسك… اشربي مية تاني.
فرح رفعت عينيها له بامتنان وهي لسه بتحاول تسيطر على نفسها. واحد من اللي قاعدين ضحك بخفة وقال:

أنتوا الاتنين شكلكم ثنائي عسل كده!
الطاولة سكتت لحظة، والضحكة الصغيرة دي كأنها فجرت الجو. فرح اتوترت ووشها احمر أكتر من الإحراج اللي كانت فيه أصلاً. أما نوح فابتسامة جانبية طلعت على وشه من غير ما يقصد، وقال بهدوء:

شكراً لك… وهي بالفعل أغلى حاجة في حياتي.

دي زميلتي… بس منكده عليا عيشتي!
ضحكوا الناس والجو رجع يكمل عادي، لكن فرح فضلت طول القاعدة مش قادرة تبص في عينيه والحرارة لسه ماسكة وشها. أما نوح فكل شوية كان يرمقها بنظرة فيها خبث ورضا كأنه بيقول: “شفتي؟ حتى الناس شايفين اللي بينا!”.
بعد يوم طويل ومرهق، فرح كانت قاعدة في مكتبها اللي في نفس مكتب نوح. عينها سرحت غصب عنها ناحية مكتبه؛ نوح كان مندمج جداً في شغله، قاعد على الكرسي قدام الحاسوب، لابس قميص أسود بسيط وجاكتة البدلة متعلقة ورا الكرسي، وشعره اللي في العادة بيبقى مترتب على الآخر كان المرة دي متناثر على جبينه بشكل عشوائي زود وسامته بطريقة غريبة. والنظارة اللي بقت عادة يلبسها من يوم ما اتكشفت حقيقته مدياله مظهر جاد ومثير.
فرح فضلت تراقبه معتقدة إنه مش واخد باله من نظراتها، بس فجأة النور قطع!
هي قامت من على الكرسي بسرعة وقلبها وقع:

نوح!.. نوح!
صوتها ارتد في المكان بس مفيش رد. هدوء غريب مسيطر على الغرفة، والظلمة بتخلي نفسها يتقطع. خرجت تتحسس الطريق لغاية مكتب نوح، خطواتها مترددة ونفسها بدأ يضيق من القلق.
لكن فجأة، أنوار هادية دافية نورت الأوضة، ورد متناثر على الأرض، ورائحة عطرة مالية المكان. نوح كان واقف قصادها مبتسم ابتسامة كلها دفء.

إيه ده يا نوح؟! إيه اللي بيحصل؟!
قالتها بارتباك وهي مش فاهمة حاجة. هو قرب منها بخطوة وعينه مليانة حنان وعتاب:
أنتِ فاكرة إني هرجعك الشغل وأصالحك وبس كده؟!
فرح اتلخبطت بغيظ ممزوج بخجل:
أيوه، ما هو ده اللي كنت متوقعاه! يعني عادي تقول كلمتين وتصفي!
نوح ضحك بخفة وبهدوء قال:
فرح.. أنا طلبت إيدك من والدك لما رحت عندكم، وده كان السبب الحقيقي لزيارتي.
فرح فتحت عينيها بصدمة:

إيه!.. يعني أنت!
قاطعها نوح وهو بيقرب أكتر، صوته واطي لكنه مليان حسم:
أيوه، مكنتش جاي أرجعك الشغل، كنت أقدر أرجعك من غير ما أجيلك البيت.
فرح سكتت وهي بتفرك إيديها بخجل، موقف جديد عليها مش عارفة تعمل إيه أو تقول إيه. نوح حس بارتباكها اللي مكانش أقل منه، واتكلم بعد تنهيدة:

فيه كلام كتير جوايا نفسي أقولهولك، بس هستنى وهقوله بعد كتب الكتاب.
كتب الكتاب؟!
صوتها اتلخبط بين الذهول والفرحة. نوح هز راسه بابتسامة أوسع:
كتب الكتاب هيكون الأسبوع الجاي… بالكتير يعني!
فرح فضلت واقفة مصدومة، ملامحها متلخبطة بين الفرحة والدموع اللي لمعت في عينيها. اللحظة اتغطت بهدوء حلو كأن الدنيا كلها اتسكتت عشان تسمع دقات قلوبهم اللي اتجمعت أخيراً.
عدى الأسبوع بسرعة، وفرح ماجتش الشغل طول الأيام دي بأمر من والدها، والقرار ده ولد جوه نوح غضب مكتوم.
وجاء يوم كتب الكتاب. فرح قضت يومها في التجهيز، ضحك مع صحابها، ولمسات جمالية بسيطة تبرز ملامحها الرقيقة. البيت كان متزين بزينة بسيطة جداً لكن دافية. خرجت من أوضتها مع والدها لابسة فستان أبيض بسيط لكنه أنيق، خمارها ملفوف بنعومة ووشها منور من أثر الفرح.
نوح كان واقف وسط الناس وعينيه ماقدرتش تتحول عنها، بيتأملها بنظرات كلها عشق وانتصار. فرح قعدت بخجل ما رفعتش عينيها من على الأرض طول ما المأذون بيقرأ، واللحظة اتحفرت في روح نوح اللي عيونه كانت مزيج حب وفخر وانتصار.
تمت الإجراءات والبيت اتملأ بالزغاريد والتهاني. نوح اتقدم بخطوات واثقة ناحية فرح، وقف قدامها وانحنى ببطء وباس جبينها. اكتفى بقبلة دافية على جبينها وقرب من أذنها بصوت واطي نبرته مليانة فرحة:

مبروك يا فرحتي!
بعد شهر…
فرح ونوح في محل كبير للأثاث والمستلزمات المنزلية، بيلفوا ما بين الأركان يختاروا حاجات بيتهم. بعد وقت طويل من اللف والاختيارات خلصوا تقريباً.
فرح وقفت قدام مرآة ضخمة في نص المكان وقالت بخفة:

تعالى نصور صورة هنا عشان نفتكر اليوم ده.
نوح وقف وراها وهي رفعت الهاتف عشان تجهز الكاميرا. في اللحظة دي اتصنمت مكانها لما نوح فجأة باسها من خدها وفي نفس الثانية ضغط على زر التصوير!
اتحرجت وقالت بخجل وهي بتصنع الزعل من المرآة:

أنت عملت إيه؟!
نوح رد ببراءة طفولية:
بوستك!
فرح عضت شفايفها وعينيها بتلمع:
أنا عارفة، قصدي عملت كده قدام الناس ليه؟!
نوح ضحك بخفة واقترب أكتر:
أنتِ مراتي ومحدش له عندي حاجة.
سكت نوح لحظة، وبعدين عينه فضلت معلقة بانعكاسها في المرآة، صوته خرج عميق وهادي كأنه بيحكي سر عمره:

أنتِ فرحتي، وأنتِ الحلم اللي استنيته سنين. من يوم ما شفتك أول مرة في مكتبي وأنا حاسس إن فيه حاجة بتشدني ليكي، حاجة أكبر من إني أفسرها بكلام. أنتِ مش بس مراتي… أنتِ بيتي، أماني، والحتة اللي ناقصاني واتملت بيكي.
قرب خطوة لحد ما بقى صوته كأنه همس جوه قلبها:

أنا عمري ما كنت بصدق إن في يوم هلاقي اللي يخليني أبص للحياة وأقول: كفاية، أنا كده كامل… بس لقيتك أنتِ.
عينيه اتحركت بين انعكاسهم في المرآة وبين وشها الحقيقي، وابتسامته كانت خليط من حب وامتنان:

مهما حصل ومهما اتغيرت الدنيا حوالينا، أنتِ هتفضلي دايماً فرحتي اللي ملياني.
فرح حسّت قلبها بيرقص من الكلام، والابتسامة اتسربت غصب عنها وسط عيونها اللي بقت كلها حب. والمشهد بينتهي على انعكاس صورتهم في المرآة… اتنين نصهم التاني اكتمل.
تمت بحمد الله

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *