ج1 فخ الزوجية روماني مكرم
ج1
جوزى اول ما اتقدملى علشان يخطبنى بابا واخواتى لم عرفو انهم بيت عيله فى الفلاحين وعندهم ارض وبهايم وبط وفراخ قالو احنا عندنا شرط واحد بس ان بنتا تدخل عازله تخدم شقتها بس المهم اتفقنا واتحدد الفرح واتجوزنا وفى اول اسبوع زواج حماتى طلعت الشقه وقالت انزلى اكنسى البيت ونضفى واكلى البط والفراخ
وخلى سلفتك تعلمك تاكلى البهايم!!!!
البداية
أنا “منار”، البنت اللي طوال عمرها بين كتبها وكليتها، أقصى حاجة تعلمتها في بيتنا كانت إزاي أعمل كوباية شاي أو أساعد أمي في المطبخ بطريقة بسيطة. لما تقدم لي “سامح”، الكل شهد له بأخلاقه وأدبه، بس أول ما بابا وإخواتي عرفوا إن أهله عايشين في بيت عيلة كبير في أرياف الجيزة، وعندهم أرض واسعة ومواشي وبط وفراخ، كان لبابا موقف حاسم ومباشر.
في القعدة الرسمية، بابا حط إيده في إيد حمايا وقال له بصوت واضح ومسموع للكل:
— “يا حاج، إحنا بنشتري راجل، وبنتنا متعلمة ودخلت جامعات، وما تعرفش في شغل الأراضي ولا شقا الطين والمواشي. شرطنا الوحيد والأساسي إن بنتنا تدخل عازلة، تخدم شقتها وحياتها بس، ملهاش دعوة بأرض، ولا خرفان، ولا معيز، ولا فراخ.”
حمايا ساعتها ضحك ونظر لسامح وقال:
— “حقك يا حاج، وبنتك هي بنتي وشقتها دي مملكتها، ومحدش هيجبرها على حاجة ما تفهمش فيها.”
على الوعود دي، تمت الخطوبة وجُهزت الشقة في الدور التالت فوق شقة حماتي وشقة سلفي “مصطفى”. اتحدد الفرح، وكانت ليلة زي ألف ليلة وليلة، ودخلت شقتي وأنا حاسة بقمة الأمان، فاكرة إن الشروط العظيمة دي كانت درع حماية لي من أي شقا ما أقدرش عليه.
عدت الأيام الأولى في هدوء، سامح كان حنين ومعايا خطوة بخطوة، بس كنت بلمح نبرة جافة شوية في كلام حماتي لما تطلع تبارك أو تجيب غدا. كانت تبص ليداتي الناعمة ونظافة شقتي بابتسامة مش مرتاحة، وتبص حولين البيت وتقول بصوت واطي: “النعمة دي عاوزة إيد شقيانة تصونها.. مش دلع بنات البندر.”
في صباح اليوم السابع تحديداً، سامح نزل بدري عشان كان عنده شغل ضروري في المركز ومرجعوش غير بليل. ما عدتش نص ساعة على نزوله، ولقيت الباب بيتخبط بضربات متتالية وقوية.. ضربات ما تشبهش أبداً استئذان حد جاي يبارك.
فتحت الباب بلهفة وأنا فاكرة سامح نسي حاجة، لقيت حماتي واقفة في وشي، حاطة إيدها في وسطها، وعينيها فيها نظرة صارمة ما شفتهاش منها قبل كده، وفي إيدها المقشة الطويلة وجردل.
#الكاتب_رومانى_مكرم
بصتلي من فوق لتحت وقالت بنبرة حادة هزت جدران الشقة:
— “انزلي اكنسي البيت ونضفي الحوش من أوله لآخره، واطلعي أملي المواعين وأكلي البط والفراخ فوق السطوح.. وخلي سلفتك تعلمك إزاي تأكلي البهايم
قالت حماتي الجملة دي، وأنا وقفت مكاني مش قادرة أستوعب كلامها. الكلمات كانت زي المية المغلية نازلة على دماغي، عيني جت على المقشة والجردل اللي في إيدها، وبعدين بصيت لوشها اللي ما كانش فيه أي أثر للست الطيبة اللي كانت بتضحك يوم القعدة مع بابا.
رديت بنبرة بترتجف من صدمتي:
— “بس يا ماما.. عمي الحاج اتفق مع بابا يوم القعدة إن شغلي في شقتي بس، وأنا ما أعرفش أي حاجة عن شغل المواشي ولا الطيور!”
ضحكت حماتي ضحكة عالية فيها استخفاف وهزت رأسها وقالت وهي بتبصلي بحدة:
— “كلام القعدات ده يتقال لما نكون بننافق بعض عشان الجوازة تتصلح، إنما لما تدخلي بيتي وتبقي فرد من العيلة، الأصول تمشي على الكبير والصغير! هنا مفيش حاجة اسمها بنت بندر وبنت أرياف.. سلفتك أمل بتصحى من الفجر تخدم الدوار كله، وأنتِ مش أحسن منها عشان تقعدي حاطة رجل على رجل وتتفرجي علينا!”
رمت المقشة والجردل قدام باب الشقة وكملت بكلام أشبه بالتهديد:
— “خمس دقائق وألاقيكي نازلة في الحوش، وإلا قسمًا بالله يا منار لو سامح رجع ولقاكي ما عملتيش اللي قلت عليه، ليكون لي تصرف تاني خالص معكِ ومعاه، والبيت ده له كبير!”
نزلت وسابتني واجفة مكاني، جسمي كله بيموت من الخوف والزهول. دخلت الشقة وجريت مسكت التليفون عشان أكلم سامح، أيده كانت مقفولة لأن الشبكة في مكان شغله ديماً ضعيفة. قعدت على طرف السرير والدموع نازلة من عيني مغرقة وشي. افتكرت كلام بابا وشرطه الحاسم، وافتكرت ابتسامة حمايا ووعده. هل معقول الوعود دي كلها تطير في الهواء في أول أسبوع جواز؟
لقيت الباب بيتخبط تاني، بس المرة دي بخبطة خفيفة. فتحت لقيت “أمل” سلفتك، مرام مصطفى. كانت لابسة جلابية بيتي واسعة وحاطة طلاوة على رأسها، وفي عينيها نظرة شفقة وشفقة مزيوجة بقلة حيلة.
قالتلي بصوت واطي وهي بتبص وراها خايفة حد يسمعها:
— “معلش يا منار.. يا حببتي ما تزعليش، حماتك شديدة شوية ومابتستحملش حد يخالف أمرها. تعالي انزلي معايا النهار ده وأنا هعمل كل حاجة وأنتِ واقفي جنبي بس، عشان الأزمة تعدي وما تعمليش مشكلة مع سامح في أول أسبوع.”
مسحت دموعي وقلت لها بصوت مخنوق:
— “يا أمل، الموضوع مش موضوع شغالة ولا كسيرة، الموضوع إن بابا اشترط ده وهم وافقوا، لو أنا تنازلت النهاردة ورضيت، بكره هبقى خدامة في البيت ده وما حدش هيحترمني!”
أمل تنهدت بألم وقالتلي:
— “أنا كمان كنت فاكرة زيك كده لما اتجوزت مصطفى، بس الواقع هنا مختلف خالص يا منار. الكلمة كلمة حماتك، وحماك ما بيقدرش يكسر لها كلمة في شغل البيت. لو ما نزلتيش، هتخلي عيشتك نكد، وهتقوم سامح عليكي.”
حسيت إني بين نارين؛ نار إن كسرة شرط أهلي وكرامتي تتهان من أول يوم، ونار إن أعمل مشكلة توظف حياتي الزوجية وهي لسة في مهدها. قررت أكسر كبريائي للمرة الأولى والأخيرة، وقلت لنفسي أنزل النهار ده عشان أبين حسن نيتي، ولما يرجع سامح بليل هيكون لي معاه كلام تاني خالص.
نزلت مع أمل للحوش. الريحة والمكان كانوا بالنسبة لي عالم تاني خالص ما شفتوش غير في التلفزيون. الحوش كان واسع ومترب، وعلى جنب كانت زريبة المواشي. أمل بدأت توضح لي بابتسامة طيبة إزاي أحط العلف للمواشي وأشيل المية، وأنا واقفة قرفانة وخايفة أربط أي حبل أو أقرب من المواشي.
حماتي كانت قاعدة على الدكة في نص الحوش، ماسكة عصاية صغيرة وبتراقب كل حركة بعملها بنظرات شامتة. كل ما أعمل حاجة، تصرخ بصوت عالٍ:
— “إيه الماسكة دي يا دلوعة؟ شيلي الجردل بعدلك! افرشي القش عدل تحت البهايم! ولا فاكرة نفسك لسة في بيت أباكِ بتشربي الشاي في البلكونة؟”
كنت بابلع الإهانة وأنا بمسح عرقي ودموعي، وحاسة إن كرامتي بتتقطع إرباً إرباً. كملت تنظيف الحوش وطلعت السطوح أكّلت البط والفراخ وأنا مش حاسة بجسمي من التعب النفسي قبل الجسدي. لما خلصت على الضهر، كانت هدومي متوسخة، وإيدياتي الناعمة اتجرحت من المقشة والخشب.
طلعت شقتي، دخلت الحمام قعدت تحت المية الباردة أعيط بحرقة. حسيت إني اتخدعت، وإن الكلام المعسول والرجولة اللي أظهرها حمايا في القعدة كانت مجرد فخ عشان الجوازة تكتمل.
على الساعة تمانية بليل، سمعت صوت عربية سامح وهي بتبارك تحت. مسحت دموعي وحاولت أهدي نفسي عشان أعرف أكلمه بالعقل والمنطق. دخل سامح الشقة، كان باين عليه التعب من شغل طول اليوم، أول ما شافني وشاف عيني الحمرة وهدومي، اتخض وقرب مني باهتمام:
— “مالك يا منار؟ في إيه؟ عينك حمرة ليه كده وأنتِ بتعيطي؟”
وقفت قدامه وبصيت في عينه مباشرة، وقلت له بنبرة ثابته رغم وجع قلبي:
— “سامح.. هو كلام بابا وشرطه يوم القعدة كان كلام على ورق وضحك على الدقون؟”
سامح قطم حواجب باستغراب وقال:
— “يعني إيه الكلام ده يا منار؟ إيه اللي حصل؟”
حكيت له كل اللي حصل بالتفصيل من أول ما خبطت حماتي المقشة في وشي، لحد ما نزلت وقفت في الزريبة وعملت شغل البيت تحت اهاناتها. سامح وهو بيسمع، ملامح وشو بدأت تتغير، بس مش الغضب اللي كنت مستنياه لصالحي.. كان غضب ارتباك وتوتر.
فرك إيده بقلة حيلة وقال بصوت واطي:
— “يا منار.. أمي ست كبيرة وبتحب تمشي كلامها، وبعدين إيه المشكلة لما تنزلي تساعدي أمل شوية؟ دي برضه عيلتك دلوقتي!”
بصيت له بصدمة مش مصدقة رد فعله، وقلت له:
— “تساعد شوية؟ أنت نسيت شرط أهلي؟ حماك قال لبابا شقتها هي مملكتها ومحدش هيجبرها على حاجة! أنت ساكت ليه؟”
سامح مسك إيدي وقال بتحفظ:
— “يا حبيبتي اهدي، أنا ما أقدرش أقف قدام أمي وأقولها لأ، وما أقدرش أعمل مشكلة في العيلة في أول أسبوع جواز. ساعديها وشيلي العتب، عشان خاطر حبي ليكي وعشان الدنيا تمشي.”
في اللحظة دي، عرفت إن سامح مش هيقدر يحميني، وإن المواجهة الجاية مش هتبقي مع حماتي بس.. دي هتبقى مع البيت كله. وقبل ما أرد على سامح، سمعنا صوت خبط شديد على باب الشقة تاني، وصوت حمايا وحماتي بره بيزعقوا وبيستدعوا سامح ينزل لهم حالا تحت!
#الكاتب_رومانى_مكرم

