مريم ج2 بقلم الكاتبة نرمين عادل همام
ج2
بعدها بمدة، جوزها عم صادق اتصل بيا يعتذرلي وصوته كان تعبان وخارج بالعافية، عرفت إنه جاله مرض السرطان وبيتجول بين المستشفيات، فعذرتهم.. هما كمان عندهم همهم اللي مكفيهم.
قفلت التليفون، وبصيت حواليا في الصالة الفاضية.. الشغالة كانت قاعدة في المطبخ بتعيط في سكات، وأنا بقيت بطولي في الدنيا.. بنت عندها ستاشر سنة، واقفة في وسط شقة واسعة، ومفيش معاها غير ذكريات عيلة كاملة راحت في غمضة عين.
الأيام الأولى دي كانت عاملة زي الكابوس اللي مابتصحاش منه. كنت بمشي في الشقة زي المجنونة، أدخل أوضة بابا ومأما، ألمس الهدوم وأشم ريحتهم، وبعدين أجري على سرير نور وندى وأمسك اللعب بتاعتهم وأصرخ بأعلى صوتي والبيت يرد عليا بصداه: — «سبتوني ليه؟! طب خدتوا أحمد معاكم ليه ومخدتنيش؟! أنا عملت إيه عشان أعيش لوحدي في الضلمة دي؟!»
الشغالة كانت بتجري ورايا من أوضة لأوضة، والدموع مغرقة وشها، تمسكني من إيدي وتحضني وهي بتقول بصوت مكسور: — «مريم.. حبيبتي بس.. خلاص يا بنتي، إنتي لازم تكوني قوية عشان خاطر هما.. عشان بابا وماما في جنة».
بصيتلها بمرارة وكسرة وقولتلها:
— «أكون قوية عشان مين يا الشغالة؟ أنا خلاص مبقاش ليا حد في الدنيا دي اتسند عليه.. أنا بقيت لوحدي!»
الكاتبة: نرمين عادل همام
تاني يوم الصبح، الباب خبط. فتحت الشغالة، ولقيت داخلة عليا “هنا”، صاحبة عمري وأنتيمتي من وأحنا في الابتدائي، ومعاها أبوها “عم أحمد” وأمها “طنط هدى”. كانوا جيراننا في نفس الشارع وأقرب ناس لينا.
“هنا” أول ما شافتني رمت نفسها في حضني وقعدنا نعيط إحنا الاتنين من غير كلام. عم أحمد قعد على الكنبة، وشه كان كله حزن بس كان بيحاول يتماسك، وبصلي بحزم الأب الحنين وقال:
— «اسمعي يا مريم يا بنتي.. إنتي زي هنا بالظبط، والوضع دا ماينفعش يستمر.. مفيش بنت في سنك تفضل قاعدة لوحدها في شقة بطولها مع الشغالة. إنتي لازم يكون ليكي ضهر».
بصيت في الأرض وسكت، فكمل وقال:
— «هاتيلي رقم عمك “محمود” اللي كنتوا على خلاف معاه.. مهما كان دا لحمك ودمك، ولازم يعرف اللي حصل ويشيل مسؤوليته».
رديت عليه بصوت مبحوح:
— «والله يا عم أحمد ما أعرف رقمه، ولا عمري شوفته أصلاً غير وأنا صغيرة، بابا الله يرحمه مكنش بيجيب سيرته».
عم أحمد مغلّبش، اتصل بزوج عمتي “عم صادق” وجاب منه رقم عمي محمود. وفي نفس القعدة، طلب الرقم وفتح الاسبيكر عشان أسمع.
الخط جمع، وجاء صوت راجل غليظ وناشف:
— «أيوة.. مين معايا؟»
عم أحمد اتكلم بكل ذوق:
— «السلام عليكم يا حاج محمود، أنا الحاج أحمد جار أخوك حسن الله يرحمه في السيدة زينب».
الراجل أول ما سمع اسم أبويا، نبرة صوته اتغيرت وبقت أشد:
— «وعليكم السلام.. وعايز إيه بقى يا حاج أحمد؟ أنا ماليش إخوات بالاسم ده، والراجل ده أنا مقاطعه ومقاطع عيلته من سنين، وميلزمنيش في شيء».
عم أحمد اتعصب وقال:
— «يا راجل اتقي الله! أخوك وعيلته كلهم ماتوا في حادثة، ومش باقيلك غير بنته صبية مالهاش حد في الدنيا.. اتقي الله في لحمك!»
رد عمي بكل قسوة وجفاء:
— «ماتوا ربنا يرحمهم، البنت عندها عمتها تروح لها، أنا ماليش دعوة بحاجة ولا أعرف حد»، وقام قفل السكة في وشنا.
أنا من جوايا متحركتش ولا دمعة نزلت مني.. مكنتش متفاجئة ولا متأثرة، الراجل دا كان غريب عننا طول عمره، واللي مأشالش أخوه في حياته مش هيشيل بنته بعد مماته.
الكاتبة: نرمين عادل همام
عم أحمد رمى التليفون من إيده وهو شايط، وبص لمراته ولبنته “هنا”، وبعدين بصلي وقالي بكلمة سيف مفيش فيها تراجع: — «أهو دا اللي كنت خايف منه.. اسمعي يا مريم، من النجمة لمي هدومك وحاجتك المهمة، بيتي مفتوحلك، وإنتي من النهاردة بنتي التسعة».
عم أحمد وزن زوجته طنط هدى كانوا ماشاء الله عيلة كبيرة.. عندهم “تمان بنات” ووليد واحد بس هو الصغير. كانوا عايشين في بيت ملكهم، وعم أحمد كان مخصص الدور التاني بالكامل للبنات عشان ياخدوا راحتهم.
لميت حاجتي، وودعت شقتنا بقلب مكسور، وانتقلت للعيش معاهم.
من أول يوم دخلت فيه بيتهم، حسيت إن ربنا بعتلي طوق نجاة وسط الموج. طنط هدى وعم أحمد كانوا بيعاملوني كأنني واحدة من بطنهم، مكنش فيه فرق بيني وبين “هنا” أو أي بنت من إخواتها. البنات التسعة (وأنا معاهم) كنا عايشين فوق مع بعض، يذاكروا معايا، يغيروا عليا لو حد ضايقني، ويخافوا عليا من الهوا الطاير.. كانوا بيحموني بجد.
بالرغم من الدفا والحب الكبير اللي غرقوني فيه، كان جوايا حزن عميق مبيفارقنيش.. حزن زي الجبل واقف في صدري، بس كنت بكسف أعيط أو أبان زعلانة قدامهم، كنت بقول لنفسي: “الناس فتحتلك بيتهم وشالوكِ جمب عيالهم، عيب تقلبيلهم البيت نكد وتتقلي عليهم بحزنك”.. فكنت دايماً ببتسم من ورا قلبي.
كنت عايشة معاهم زي الخيال، صامتة أغلب الوقت وهادية بشكل مش طبيعي، لدرجة إن البنات كانوا ساعات يحاولوا ينكشوني عشان أضحك أو أقول إيفيه من بتوع زمان، بس كنت ببتسم بـالعافية وأسكت. الهدوء دا مكنش رضا، دا كان صدمة لسه مأثّرت في عضمي.
لما جت امتحانات الدور التاني، لقيت نفسي مجبرة أدخل المعركة دي. أنا كنت خلاص على وشك إني أعيد السنة بسبب الظروف اللي مريت بيها وغيابي عن الامتحانات الأساسية، بس مديرة المدرسة—ربنا يجازيها كل خير—لما شافت شهادات الوفاة وعرفت إن عيلة كاملة راحت، قلبت الدنيا عشاني. رفعت طلب خاص للوزارة، والحمد لله جت الموافقة إني أدي امتحانات ملحقة استثنائية.
انشغلت بالكتب والمذاكرة، مكنش طموح، بس كنت بذاكر عشان أهرب من التفكير، وعشان محبطش عم أحمد وزن طنط هدى اللي كانوا بيعملوا كل حاجة عشان يشوفوني ناجحة.
الكاتبة: نرمين عادل همام
كل أسبوع أو أسبوعين، كنت أستأذن من طنط هدى وأروح لبيتنا القديم في السيدة. أفتح الباب اللي بقاله أيام مقفول، أدخل وأنا حاسة بـأنفاسهم في المكان. أكنس الشقة، وأنظف التراب من على صورنا، وأولع عود بخار بحبه، وأقعد في الصالة لوحدي ساعتين بالظبط.. أبص للكراسي الفاضية، وأفتكر ضحكة بابا، ومقالب مصطفى، وحنية أمي. الساعتين دول كانوا هما الحبل اللي بيوصلني بالحياة، بعدهم بقفل الباب وأرجع لبيتي الجديد.
أما الشغالة.. الشغالة الغلبانة، فالحزن كلّها. دخلت في حالة اكتئاب شديد، ومبقتش بتاكل ولا بتتكلم، لحد ما جت في يوم وعينيها مليانة دموع وقالتلي بلغتها المكسرة إنها مش قادرة تقعد في البيت ولا في مصر خلاص، وعايزة ترجع لبلدها ولعيالها. وافقت طبعاً، ومكنش ينفع أجبرها تقعد في مكان بيموتها كل يوم. ودعتها وسفرتها، وبكده انقطعت آخر صلة وصل مادية بيني وبين حياتي القديمة.
أبويا الله يرحمه سابلي معاش، وعم أحمد الجار الأصيل كان أمين معايا لأقصى درجة. كان بياخد المعاش بنفسه، يطلّع منه المصاريف اللي تكفيني وتغطي حاجتي، والباقي كله كان بيشيله في حساب أمانات باسمي في البنك من غير ما يلمس منه مليم واحد، وكان ديماً يقولي:
«القرش الأبيض بينفع في اليوم الأسود يا مريم، وده حقك ورزقك من أبوكي».
ومرت الأيام بحلوها ومرها، ومرت السنين ورا السنين. خلصت الثانوية ودخلت الكلية وخلصتها، ومن غير ما أحس بـشغف كبير. مكنش عندي طموح أبقى حاجة مشهورة، ولا كان فارق معايا مركز أو شهادة، أنا كنت عايشة بس على “الامتنان”.. ممتنة للبيت اللي لمني، وللناس اللي عاملتني كإني حتة منهم.
في يوم بعد ما اتخرجت بفترة قصيرة، كنت قاعدة في الدور التاني مع البنات، لقيت طنط هدى—أمي التانية—بتفتح الباب وبتناديني بنبرة صوت حنينة بس فيها ورارها حاجة:
— «مريم.. تعالي يا بنتي انزلي تحت، عمك أحمد عايزك في كلمتين».
نزلت وراها وقلبي بدأ يدق. دخلت الصالة، لقيت عم أحمد قاعد، وأول ما رفع عينه وبصلي، لمحت دموع مكتومة في عينيه. شاورلي أقعد جمبه، وقال بصوت هادي ومليان حنان: — «تعالي يا مريم يا بنتي.. اقعدي. إنتي عارفة وغلاوتك عندك إني بعزك زي بناتي، ويمكن أكتر كمان.. وعمري ما حسيت إنك غريبة عن البيت ده. بس إنتي كبرتي وبقيتي عروسة، وأنا مش عايز أقف في طريق حياتك ومستقبلك».
سكت شوية عشان يجمع كلامه، وبعدين كمل:
— «فيه شاب، صاحب ابني الصغير في الشغل، شاري وأنا أعرفه كويس وعارف أصله، شافك وطلب مني يتقدم لك.. أنا قولتله هسأل البنت الأول. عايزك تفكري يا مريم، وتصلي استخارة، والقرار قرارك يا بنتي».
في اللحظة دي.. محستش بأي فرحة، ولا كسوف، ولا حتى خوف. مشاعري كانت زي خط مستقيم مبيتحركش. بصيت لعم أحمد وهزيت راسي بالموافقة من غير تردد.
أنا مكنتش بدور على قصة حب، ولا فارق معايا شكل ولا تفاصيل.. أنا كنت بس بدور على عيلة.. بدور على أمان، وعلى ضهر يلمني ويكون بتاعي لوحدي.
الكاتبة: نرمين عادل همام
اتجوزت وأنا يدوب عندي تمنتاشر سنة. كان اسمه حازم. حازم في الأول كان باين عليه إنه إنسان شهم وكريم، وحنين معايا لأبعد حد، كان ديماً يبص في عيني ويقولي:
— «يا مريم، أنا عارف كل اللي مريتي بيه، وعهد عليا قدام ربنا إني مش عايز أشوف دمعة نازلة من عينيكي دي أبداً، أنا هعوضك عن كل حاجة».
كنت بصدقه، وبقول خلاص، ربنا بعتلي السند. بس اللي مكنتش عارفاها، إن البيت اللي أنا داخلاه مكنش بيمشي بكلمة حازم.. البيت كله كان تحت حكم كلمة واحدة بس، كلمة أمه “الحاجة فاطمة”.
من أول لحظة خطيت فيها عتبة البيت، الست دي مكانتش طايقاني، وبتبصلي بنظرات كلها غل وسواد مكنتش فاهمة سببه إيه. يوم الفرح، أول ما دخلنا شقتهم الكبيرة عشان نسلم عليهم، قربت منها بكل أدب وحب عشان أبوس إيدها وراسي وأسلم عليها، لقيتها رفعت إيدها فجأة في وشي وزقتني لورا، وقالت ببرود يقطع القلب:
— «إوعي.. إوعي كدة تلمسيني! ناقص كمان بنت شوارع مالهاش لا أصل ولا فصل تيجي تحط إيدها عليا!»
الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة، حسيت إن الهوا اتكتم في صدري، وريقي ناشف ومش قادرة أبلعه.. غصيت بجد. بصيت لحازم بسرعة، كنت مستنية منه كلمة، إشارة، اعتراض صغير، يزعق ويقولها “دي مراتي ومستحملش عليها الكلمة!”.. لكن الصدمة التانية إن حازم سكت تماماً، وحط عينه في الأرض.
الصالون كله كان قاعد ومتجمع؛ أختيه الاتنين “ندى” و”عبير”، وأخويه الاتنين “تامر” و”سامح” مع زوجاتهم. حمايا كان متوفي، وأمه هي الآمر الناهي. لحظة صمت تقيلة ومقبضة وقعت على المكان، مفيش مخلوق فيهم نطق ولا فتح بقه، كلهم كانوا بيبصوا عليا بنظرات شماتة وبرود.
خدت بعضي وجريت على فوق، دخلت شقتنا وحازم حصلني. بعد كام دقيقة يدوب، سمعنا صوت أمه وهي واقفة في منور البيت وبتزعق بأعلى صوتها وتناديه:
— «يا حازم! انزل يا حبيبي اتعشى معانا لوحدك.. إحنا متعودين ناكل أهل في بعضنا، ومبنحبش حد غريب يقعد وسطنا ع اللقمة!»
كلماتها مكانتش مجرد إهانة، دي كانت بتكسرني ببطء، كأنها بتشرّح روحي حتة حتة وتدوس عليها. دخلت أوضة النوم وانهرت، عيطت عياط مكنتش عيطته من يوم حادثة أهلي. حسيت إن الدنيا اسودت في عيني، والأمان اللي كنت بدور عليه طلع سراب.
حازم دخل الأوضة وشافني بالمنظر ده، قرب مني وحاول ياخدني في حضنه ويطبطب عليا، بس أنا اتفضت وبعدت عنه بسرعة، مكنتش طايقة لمسته ولا طايقة قربه بعد سلبيته تحت. قولتله بصوت مخنوق ودموعي نازلة:
— «سيبني يا حازم.. سيبني لوحدي أنا عايزة أنام».
هو حس بغلطته، فطلع تليفونه واتصل بأمه وقالها بنبرة تعبانة: — «معلش يا أمي، إحنا تعبانين من مشوار الفرح ومش هننزل نتعشى، هناكل أي حاجة فوق وننام». قفل التليفون وجاء رمى جسمه جمبي على السرير، حاولنا ننام إحنا الاتنين، بس النوم مكنش ليه طريق لعنينا.. كل واحد فينا كان باصص للسقف وبالمشاكل بتلف في دماغه…..تابع للجزء الثالث



