ج 3 ابويا جيه من الفيوم حكايات زهرة الربيع

ج3

رجعت مع محمود شقة القاهرة الجديدة، والورقة والمضايق اللي مضاها في الفيوم كانت زي القيد في إيده. كان ماشي جنبي زي الألف، عينه في الأرض، وكل ما يلمح نظرة من عيني يتعدل في قعدته ويبلع ريقه. لأول مرة من يوم ما اتجوزته، يدخل البيت وفي إيده شنط مليانة خير وفواكه ولحمة، حط الحاجه على الرخامة وبصلي بصوت منكسر وقالي: “أهو يا ستي.. البيت عمران بكل اللي قلبك يحبه، عشان تعرفي بس إنك ظلمتيني، ومصاريف الشهر اهي حطيتها على التسريحة زي ما اتفقنا مع أبوكي.”

بصيت للفلوس وللأكل وقولت في بالي: “سبحان مغير الأحوال، ده السوط اللي بيلسع ظهر البخيل بيخليه يمشي مظبوط.” دخلت المطبخ ورتبت الحاجه، وبدأت حياتنا تمشي على النظام الجديد. محمود مكنش بينطق ولا كلمة لو سبت النور شغال، ومبقاش يعد البرتقان ولا اللقمة، بس نظرات عينه كانت غريبة.. كان فيها غل مكتوم، ونظرة واحد حاسس إنه اتهان واتلوي دراعه، وكان بيقضي ساعات طويلة سرحان وقاعد قدام اللاب توب بتاعه بالساعات، وأول ما أقرب منه يقفله بسرعة ووشه يتخطف.

في البداية قلت يمكن لسه مقهور من كسرة عينه قدام أهلي وأهله، لكن الموضوع زاد عن حده. محمود بقى ينزل في أوقات غريبة، ويرجع وتليفونه مبيرنش برنة عادية، بقى دايماً عامله صامت ومخبيه في جيبه، حتى وهو نايم بيحطه تحت المخدة. الشك بدأ يلعب في دماغي، قولت في نفسي: “ده محمود اللي أعرفه مستحيل يسلم بالسهولة دي، ومستحيل الفلوس اللي بيدفعهالي كل شهر دي تطلع من جيبه من غير ما يكون بيرتب لمصيبة يرجع بيها كرامته اللي اتهدرت.”

وفي يوم، محمود نزل الشغل ونسى تليفونه القديم اللي كان بيستخدمه زمان كخط أرضي أو للطوارئ، والتليفون ده كان مربوط بنفس حساب الإيميل الأساسي بتاعه. أنا قاعدة بمسح الغبار من على المكتب، لقيت التليفون بينور وبيجيب إشعارات ورا بعض من البنك!

أنا مكنتش أعرف عن حسابات محمود غير حساب مرتبه البسيط اللي كان بيتحجج بيه دايماً ويقولي “المرتب على قدنا والعيشة غالية”. فتحت الإشعارات من باب الفضول، لكن الصدمة المرة دي طيرت برج من دماغي.. لقيت رسائل بكشوف حسابات وأرقام فلكية! أرقام بالملايين.. ملايين حقيقية وشهادات استثمار باسمه، وحسابات بالدولار مكنتش ألمحها حتى في الأحلام!

قعدت على الكرسي وركبي مش شايلاني. الدموية هربت من وشي، وبقيت بقرأ الأرقام وأعد الأصفار مرة واتنين وتلاتة.. محمود اللي كان بيستخسر فيا لقمة العيش، ومحمود اللي سابنا عايشين في شقة حيطانها مأكلة وبتتصدع وهتقع فوق دماغنا وهو معاه الملايين دي؟ محمود اللي بهدل أبويا وكسر بخاطره وعايره بلقمة وفراخ ولحمة، يطلع مليونير؟! البخل مكانش أزمة مالية ولا ضيقة، البخل عنده كان مرض، كان بيستمتع بحرماننا وحرمان نفسه عشان يشوف الأرقام دي بتزيد في البنك!

لكن الصدمة الأكبر والسر الأسود مكانش في الفلوس بس.. لما دخلت على الرسائل والإيميل عشان أفهم الفلوس دي بتتحول فين وبتيجي منين، لقيت رسائل تانية خالص من محامي، ورسائل تانية من حسابات مجهولة.. محمود كان بيجهز لخطوة تقلب التربيزة عليا وعلى أبويا.

لقيته باعت للمحامي صور من ورقة الشروط اللي مضاها في الفيوم، والمحامي رادد عليه بـإيميل طويل بيقوله فيه: “متلقلقش يا محمود بيه، الورقة دي ممسوكة قانوناً بطريقة تخلينا نرفع عليها قض..ية ابتزاز وتوقيع تحت الإكراه، وإحنا بنرتب دلوقتي لرفع دعوى (طاعة) ودعوى لإسقاط حقوقها الشرعية بناءً على خروجها من البيت بدون إذنك، والفلوس اللي بتدفعها لها دي هنثبت في المحكمة إنها بتأخدها منك غصب عنك، وبكده نكسر وصل الأمانة ونلوي دراع أبوها.”

مش بس كدة.. لقيت عقد بيع وشراء لشقة تانية باسمه في كومباوند راقي جداً بالقاهرة، كاتبها باسم والدته قبل ما تتوفى ونقلها باسمه كإرث عشان متدخلش في أي ذمة مالية تخصني، يعني كان مأمني في شقة إيجار ضيقة وضلمة وهو شاري قصر وقافل عليه!

وقفت في نص الصالة والتليفون في إيدي بيرتعش. محمود مكنش ندمان، ولا كان مكسور، محمود كان بيمثل علينا الدور لحد ما يجمع خيوطه ويدمرني أنا وأبويا بالقانون وبفلوسه اللي مخبيها عن الدنيا كلها.

سمعت صوت مفتاح محمود بيدور في الباب.. رجع من الشغل بدري على غير عادته، ودخل الشقة وبصلي ولقى التليفون القديم في إيدي ووشي أبيض زي الأموات.. عينيه جت في عيني، والابتسامة المزيفتة اللي كانت على وشه اختفت تماماً، وعرفت من نظرته إن السر الأسود اتكشف، واللعب دلوقتي مش هيبقى بورقة وشروط في المندرة.. اللعب بقى على حياة أو موت وخراب بيوت بجد!

محمود وقف في مكانه عند الباب، المفتاح لسه في إيده، وبصته اتجمدت على التليفون اللي في إيدي وعلى ملامح وشي اللي كانت بتتكلم من غير ولا حرف. الجو في الصالة فجأة بقى بارد وخانق، والنفس بيننا بقى مسموع. هو بذكائه المريض لقط الليلة في ثانية، عرف إن الحصن اللي باني حوالين نفسه وسره اللي مخبيه عن الدنيا كلها اتهد، وإن القناع الساقط ملوش وش تاني يتلبس بيه.

قفل الباب وراه براحة وببطء شديد، خطواته وهي بتقرب مني كانت حذرة، وعينيه لمعت بنظرة غريبة، نظرة مفيهاش أي أثر للضعف أو الانكسار اللي مثله قدام أهلي في الفيوم. دي كانت نظرة الوحش اللي اتكشف جحره.

قرب لحد ما بقى بيني وبينه خطوتين، وبمنتهى البرود مد إيده وأخد التليفون من إيدي اللي كانت بتترعش، بصل الشاشة ولقى إيميل المحامي وكشوف الحسابات المليونية مفتوحة. ضحك ضحكة مكتومة، ضحكة صفرا سدت نفسي، وحط التليفون في جيبه وقال بصوت هادي ومستفز: “وأهو اللي كنت خايف منه حصل.. الفضول الحريمي اللي هيخرب بيتك يا بنت الحاج أحمد. مكنتش أحب إنك تشوفي الوش ده دلوقتي، بس إنتي اللي استعجلتي نصيبك.”

أنا في اللحظة دي، طاقة الغضب والغل اللي كبتها سنين انفجرت جوايا. صرخت في وشه وأنا بنهج: “وش إيه يا مجرم؟! يا مريض! ملايين؟ معاك ملايين ومقعدني في الرطوبة والضلمة؟ سايب الحيطان تقع على دماغي ودماغ عيالك اللي لسه مجوش؟ مستخسر فيا لقمة العيش وفالحة تطفي ورايا النور عشان المليم؟ وأبويا.. أبويا الراجل الشقيان اللي جالك زائر، تكسر بخاطره وتعايره باللقمة وتخليه يحس إنه ثقيل، وأنت عندك قصر وقافل عليه ومعاك ملايين في البنوك؟! أنت إيه؟ أنت مش بني آدم، أنت شيطان!”

محمود متهزش، ولا حتى رمش، قعد على الكرسي وحط رجل على رجل بكل برود، وبصلي وقالي: “الفلوس دي فلوسي أنا، شقايا وتدبيري، الفلوس مبتجيش بالهبل والصرف اللي أنتوا متعودين عليه. أنا أهلي مكنوش لاقيين يأكلوا، وأنا اللي عملت نفسي، وعشان أعمل الملايين دي كان لازم أحسب الهوا اللي بتنفسه. الشقة اللي كانت هتقع مكنتش هتقع ولا حاجة، دي حيطان قديمة تترمم بمية جنيه بس أنا كنت مستخسر في المقاولين! وأبوكي.. أبوكي جاي يتمنظر عليا بشوية فطير ومش، وعاوزني أذبح له وأصرف في يوم واحد اللي يعيشني أسبوع؟ لأ يا حلوة، أنا بمشي بمبدأ القرش الأبيض بينفع في اليوم الأسود، وأهو يومك الأسود جيه.”

وقفت وبصيت له بقرف وقولت: “ويومك أنت كمان جيه يا محمود. أنا مش هقعدلك فيها دقيقة، والورقة اللي أنت ماضي عليها، ووصل الأمانة، هسجنك بيهم، وهخلي أبويا يرفع بيهم القض..ية الصبح، والفلوس اللي مخبيها دي كلها، المحاكم هتعرف طريقها وهيطلع عيني من لحم الحي، وهطلق منك وأفضحك وسط أهلك اللي جايين يتأسفوا وهما فاكرينك غلبان ومش معاك مصاريف الشقة!”

محمود قام وقف فجأة، ووشه اتقلب لظلام مرعب، وعينيه بقت تطلع شرار. قرب مني ومسكني من دراعي بقوة وجمدني مكاني وقالي بصوت فحيح الأفاعي: “قض..ية إيه يا روح أمك؟! أنتي فاكرة محمود اللي مضيتوه على الورقة تحت التهديد والفضيحة وسط عيلتكم هو محمود الحقيقي؟ أنا مشيت معاكم بالسياسة لحد ما أخدتك من وسطهم ورجعتك هنا في حيزي. الورقة دي، محامي البنك بتاعي مطلع فيها تلات ثغرات قانونية، هتدخل أبوكي السجن بتهمة الابتزاز والتزوير والتوقيع تحت الإكراه! وعقد الشقة التانية كاتبها باسم أمي الله يرحمها ومفيش مخلوق يقدر يثبت إنها بتاعتي، وحساباتي في البنك عاملها بنظام تشفير وتفويض لشركات بره مصر، يعني لو قلبتي المحاكم من هنا ليوم الدين، مش هتاخدي مني مليم إعانات ولا نفقة غير الميت جنيه اللي هفرضها عليكي بالقانون وبأوراق رسمية تثبت إني غلبان وموظف على باب الله!”

رماني من إيده لورا، وبصلي بثقة تامة وقال: “أنا مأمن نفسي من قبل ما أتجوزك، وعارف إن الستات ملهمش أمان. ودلوقتي، أنتي قدامك حلين ملهمش تالت: إما تلمي لسانك، وترجعي الست المطيعة، والفلوس اللي اتفقت عليها مع أبوكي هتاخديها كل أول شهر بالمليم، لا تزيد ولا تنقص، وتعيشي في الشقة دي وأنتي ساكتة وعارفة إن جوزك مليونير بس مش من حقك تشوفي مليم زيادة.. وإما لو فكرتي بس تتصلي بأبوكي أو تخرجي من الباب ده، قضايا الطاعة والنشوز جاهزة، ووصل الأمانة هلبسه لأبوكي في قض..ية جنائية تخليه يقضي الباقي من عمره في السجن بتهمة النصب، واختاري بقى يا بنت الأصول!”

محمود سابني واقفة في نص الصالة، ودخل أوضته وقفل الباب وراه بالمفتاح، وسمعت صوت ضحكته الساخرة من ورا الباب وهو واثق إنه لجم لساتي وقفل عليا كل الأبواب.

قعدت على الأرض، الدموع غسلت وشي، بس المرادي مكنتش دموع انكسار.. دي كانت دموع التخطيط. محمود فاكر إنه أذكى من الدنيا كلها لمجرد إنه معاه فلوس ومحامي شاطر، لكن هو نسي إن اللي كشفت سره في دقيقتين، تقدر بذكائها تهد المعبد كله على دماغه.

مسكت تليفوني اللي كان في جيب جلابيتي ومحمود مخدش باله منه، ودخلت البلكونة براحة، وطلبت رقم واحد بس.. الرقم ده مكنش رقم أبويا، ومكنش رقم المحامي.. ده كان رقم بني آدم تاني خالص، بني آدم محمود نفسه بيخاف من اسمه، والشخص ده هو اللي هيكون المفتاح اللي هيدمر إمبراطورية محمود السرية من الجذور!

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *