حكايات اماني سيد ج1

حماتى طلبت منى انزل اساعدها عشان هى عامله عزومه وعازمه أهلها واخواتها كلهم وهى عايزه تنضف الشقه قبل العزومه وتعمل الاكل

وافقت ونزلتلها لقتها طلبت منى اغسل السجاجيد وازعف السقف والمع الزجاج واغسل السيراميك فعلاً عملت زى ما طلبت وحضرت يومها بليل اكل عزومه تانى يوم

طلعت الشقه ويادوب نمت تلات ساعات لقيت حماتى بتصحينى عشان الحق اخلص الغدا قبل الناس ماتوصل

سبت جوزى نايم ونزلتلها وعملت كل اللى طلبته منى من محاشى وبط وحمام وصوانى بشاميل ورقاق

كل ده من غير ما احط لقمه فى بوقى مكنش راضيه انى حتى ادوق الاكل وحجتها عشان ما ابوظش الاكل

الناس جت وانا جهزت السفرا ورتبتها من كل شيء حتى المشاريب

والكل قعد راحت حماتى غمزانى قبل ما اقعد وقالتلى

ـ روحى غيرى لبسك ريحته وحشه هتحرجينى قصاد الناس

طلعت شقتى بسرعه بدلت هدومى واخدت شاور خفيف ونزلت لقيتهم بدؤوا الاكل

لسه هقعد معاهم اكل لقتها بتقولى يا مريم هو مش انتى عامله دايت عشان تخسى ولا ايه

انتى مش شايفه جسمك عامل ازاى ومحتاجه تخسى روحى اعمليلك ساندوتش جبنه قريش في ربع غريف وكوبايه شاى ساده وكولى بلاش الاكل الدسم ده

الاكل ده هيتخنك واننى أصلا تخينه انا لو منك امنع الأكل لحد ما اخس

وقتها اخت حماتى ادخلت فى الكلام وساعدتها عليه

فعلا يا جملات مرات ابنك تخينه ومحتاجة تخس خايها تقفل بوقها شويه عن الاكل وهى هتخس

وقفت مذهولة واللقمة وقفت في زوري قبل ما تتبلع.. عيني كانت بتروح لكل وش قاعد ع السفرة، كنت مستنية حد فيهم يحس باللي أنا فيه، حد يقول كلمة حق في حقي بعد التعب ده كله. لكن للاسف، الكل فتح بوقه عشان ينهش في كرامتي مش عشان ياكل من أكلي.

خالة جوزي “فوزية” سابت الورك اللي في إيدها، وبصتلي من فوق لتحت وقالت ببرود:

“وعلى رأي جملات يا مريم، اللبس اللي كنتِ لابساه وأنتي نازلة كان محزق ومبين “الديفوهات” قوي.. الواحدة مننا يا حبيبتي لازم تخلي بالها من منظرها عشان جوزها عينه ما تزوغش، ولا إيه يا جماعة؟”

بنات خالتها مكدبوش خبر، “هناء” لوت بوزها وهي بتمضغ حتة الرقاق وقالت بابتسامة صفراء:

“طبعاً يا ماما.. ده أنا حتى كنت لسه هقول لمريم إن وشها بدأ يفرش قوي، والخدود دي مش حلوة في التصوير خالص.. اسمعي كلام طنط جملات وكلي حتة جبنة قريش، أصل المحاشي دي للي جسمهم مساعد، مش ليكي خالص!”

أما “سعاد” مرات خال جوزي، فعملت فيها الخبيرة وقالت وهي بتشاور ع السفرة اللي أنا هدّيت حيلي فيها:

“وبعدين يا مريم، الأكل تقيل قوي، السمنة عايمة على وش الصواني.. باين عليكي كنتِ بتطبخي وأنتي جعانة فإيدك فرطت في السمنة، اقعدي اشربي الشاي السادة وريحي معدتك، وإحنا هنقوم بالواجب هنا، كفاية عليكي وقفة المطبخ.”

حماتي كانت قاعدة زي الملكة، بتبصلي بنظرة كلها شماتة وهي بتقطع حتة حمام وبتقولي ببرود يفرس:

“شوفتي يا مريم؟ الكل أجمع إنك محتاجة وقفة مع نفسك.. يلا يا حبيبتي اطلعي كلي ساندوتش الجبنة بتاعك فوق في هدوء، وإحنا هنا هنكمل العزومة، ولو عوزنا حاجة تانية هبقى أرن عليكي تنزلي تجبيها.”

في اللحظة دي، حسيت إن الدنيا بتلف بيا.. السجاد اللي غسلته، والحيطان اللي زعفتها، والأكل اللي ريحته ملية البيت وأنا دايخة من الجوع.. كل ده اتمحى بكلمة “تخينة”. بصيت لهم كلهم ودموعي كانت محبوسة بالعافية، وكنت بسأل نفسي: “هو أنا عملت في نفسي كدة ليه؟”.

لفيت ضهري ومشيت.. خطوة ورا خطوة وأنا مش شايفة قدامي من كتر الدموع اللي كانت محبوسة في عيني، وطلعت شقتي وسندت ضهري على الباب واتهبدت على الأرض. كنت حاسة بنار بتاكل في صدري، نار القهر والظلم. تعب يومين كاملين، وصحتي اللي اتهدت في غسيل وتزعيف وطبيخ، كله اتردلي بإهانة وكسرة نفس قدام الغريب والقريب، ومن مين؟ من الناس اللي كلت لقمتي اللي طالعة من عرق جبيني وصحتي.

قعدت في الأرض أعيط بحرقة، وكل كلمة قالوها كانت بتتعاد في ودني زي الكرباج. “الجبنة القريش.. الديفوهات.. وشك مفرش.. اطلعي كلي فوق”. افتكرت شكل حماتي وهي قاعدة زي الملكة وبتبصلي بشماتة، وافتكرت نظرات بناتها وخالاتهم.. ومفيش واحد فيهم فكر يقولي شكراً، ولا تسلم إيدك.في وسط كسرتي دي، الباب اتفتح، ودخل جوزي “طارق” وهو لسه مأنتخ ولابس ترينج البيت، بيبصلي باستغراب وهو بيفرك في عينه وقال:

ـ إيه ده يا مريم؟ أنتي قاعدة في الأرض كدة ليه وبتعيطي؟ والناس تحت صوتهم عالي وشغالين أكل.. أنتي مكنتيش معاهم ولا إيه؟

بصيتله وأنا مش قادرة أستوعب بروده، قمت وقفت ودموعي مغرقة وشي وقلت بصوت مخنوق:

ـ طارق.. أمك وأهلها هانوني وكسروا نفسي قدام الكل، طردوني من على السفرة عشان “تخينة” وعشان “الأكل دسم ومينفعش للي زيي”، بعد ما اتهد حيلي في غسيل السجاجيد والحيطان والمحاشي والبط اللي هما بينهشوا فيه دلوقتي!

طارق بلم ثواني، وبعدين ملامحه بردت واتنهد بملل وقال:

ـ ياه يا مريم! أنتي كبرتي الموضوع قوي وعملاله حكاية.. تلاقيهم بيهزروا معاكي ودمهم خفيف، وأمي أكيد خايفة على مصلحتك وعايزاكي تخسي.. وبعدين دول ضيوف، عيب تسيبي البيت وتطلعي عشان كلمة اتقالت بهزار، انزلي كملي العزومة مع الناس وبلاش نكد.

كلامه كان صدمة تانية فوق صدمتي، حسيت إن السكينة اللي ضربتني بيها حماتي، جوزي كمل عليها ودخلها في قلبي. وقفت وبصيتله بنظرة تانية خالص، نظرة الواحدة اللي فاقت فجأة وعرف غلاوتها وقيمتها عند أقرب الناس ليها. مسحت دموعي بكف إيدي، ونشفت عيني تماماً، والنار اللي كانت جوايا فجأة حستها بقت قوة.

قلتله بصوت غريب، صوت هادي بس يرعب:

ـ هزار؟ تمام يا طارق.. أنا هنزل.

طارق ابتسم وقال:

ـ أيوا كدة، هدي اللعب وخليكي عاقلة، وماتتعبنيش معاكي.

سيبته ونزلت السلم، وكل خطوة كنت بخطيها كانت بتشحن فيا طاقة مكنتش أعرف إنها موجودة جوايا. فتحت باب شقة حماتي ودخلت. الصالة كانت مقلوبة، والكل قاعد بياكل ويمصمص في العضم، والضحك واصل لآخر الشارع.

أول ما دخلت، الضحك سكت شوية، وحماتي بصتلي ورفعت حاجبها وقالت بنبرة سخرية:

ـ إيه يا مريم؟ كلتي ساندوتش الجبنة وجيتي تشوفينا عوزين شاي ولا إيه؟ أصلي كنت لسه هندهلك عشان تشيلي صواني البشاميل دي الفراخ مأثرة عليها.

وقفت في نص الصالة، وحطيت إيدي في وسطي، وبصيت لحماتي ومن بعدها لـ “فوزية” و”هناء” و”سعاد”. الكل كان باصصلي ومستني انكساري، أو مستنيين أقوم أخدمهم زي الشغالة.

قلت بصوت عالي وهادي، سمّع كل اللي قاعدين:

ـ لا يا طنط جملات، أنا منزلتش عشان أعمل شاي، ولا عشان ألم وراكم.. أنا نزلت عشان أقولكم “بالسم الهاري” إن شاء الله في كل لقمة هتاكلوها من تعبي.

سعاد شهقت وحطت إيدها على صدرها:

ـ يا مريء.. أنتي بتقولي إيه يا بت أنتي؟ أنتي اتجننتي؟

رديت عليها وأنا بوجهلكلم طلقة في وشها:

ـ لا متجننتش يا طنط سعاد.. الأكل اللي بتقولي عليه سمنته عايمة وأنا جعانة، ده تعب إيدي من النجمة وأنا صايمة من غير لقمة عشان يتقدم ليكي ولأشكالك. وأنتي يا هناء، اللي وشي مش عاجبك في التصوير، وشي ده شقيان وتعبان، مش زي وشك المليان غل وصفار من ناحيتي. أما أنتي بقى يا خالة فوزية.. فاللبس اللي مش عاجبك ومبين “الديفوهات” ده لبس الشقا اللي غسلت بيه سجاجيد وزعفت بيه سقف بيتكم اللي كان هيموت من التراب قبل ما تيجوا تتمنظروا فيه!

حماتي قامت وقفت، ووشها جاب ألوان من الغضب، وزعقت:

ـ مريم! أنتي نسيتي نفسك ولا إيه؟ أنتي بتعلي صوتك في بيتي وقدام أخواتي؟ فين طارق الزفت يشوف مراته المصونة وهي بتقل أدبها؟

في اللحظة دي طارق نزل على الصوت، ودخل الشقة ووشه محمر وقال:

ـ في إيه؟ إيه اللي بيحصل هنا؟ مريم، أنتي بتعملي إيه؟

حماتي جريت عليه وهي بتصطنع العياط والكسرة:

ـ شوف يا طارق، شوف مراتك نزلت تدعي علينا بالسم وتهين خالاتك وتهينني في بيتي، عشان بنصحها وبقولها خسي! دي قليلة الأدب ومتربتش!

طارق جه عليا ورفع إيده وزعق:

ـ أنتي اتجننتي فعلاً يا مريم؟ اعتذري لأمي وخالاتي فوراً، وقومي لمي السفرة دي وغوري على فوق!

بصيت لطارق، وبصيت لإيده اللي مرفوعة، وضحكت ضحكة عالية هزت المكان كله.. ضحكة خلتهم كلهم يتبادلوا النظرات بخوف واستغراب. نزلت إيده ببرود، وقربت من السفرة، وبكل قوتي، مسكت طرف المفرش الكبير، ولقطت الصواني والحلل والطباق، وبحركة واحدة سريعة، قلبت السفرة بكل اللي عليها في الأرض!

المحاشي اتقسمت، والبط اترمى، وصواني البشاميل والرقاق بقت سايحة على السيراميك اللي أنا لسه غسلاه ومنظفاه. الصوت كان زي الانفجار، والكل صرخ وقام من مكانه في حالة رعب وزهوول.

وقفت وسط الدربكة دي، وبصيت لحماتي اللي كانت هتموت من الصدمة، وقلت لها:

ـ الأكل الدسم ده مش مقامي يا جملات.. وأهو مبقاش مقام حد فيكم. السيراميك اللي أنا غسلته بنفسي، أهو شرب من طبيخي وتعبي، وأظن السيراميك أولى بيه منكم!

بصيت لطارق وقلتله بكلمات زي الرصاص:

ـ وأنت يا ابن أمك.. شقتك فوق أهي، والبيت أهو، اتهنوا بيه مع بعض.. أنا ماشية، ورحمة أبويا ما هتشوفوا وشي تاني، وورقتي توصلي لحد بيت أهلي!

لفيت ضهري، وخرجت من باب الشقة وسط صراخ حماتي وزعيق طارق اللي كان بيجري ورايا في الشارع، وأنا ماشية وراسي في السماء، حاسة لأول مرة إني بتنفس صح.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *