ج الاخير جوزي كلمني وهو بيبكي حكايات صافي هاني

ج الاخير

بعد ما كل حاجة هديت، والمحاكم قالت كلمتها، والورق اتقفل والكل أخد نصيبه، رجعت أركز في حياتي أنا وبس.

​فتحت مشروعي الصغير، مكتب استشارات وتخليص أوراق قانونية وتجارية – سبحان الله، الخبرة والقرصة اللي أخدتها في شركتي القديمة خلتني حافظة كل ثغرة في السوق ومبقتش هفية ولا حد يعرف يضحك عليا بكلمة. المكتب بدأ يكبر، وبقيت أنا “الست ميجا” اللي السوق كله بيعملها ألف حساب.. الست اللي مفيش ورقة تعدي من تحت إيدها إلا وتفليها كلمة كلمة.

​في يوم، وأنا قاعدة في مكتبي وبراجع ميزانية الشهر، دخل عليا المتر فريد وهو شايل ملف صغير في إيده وعلى وشه ابتسامة هادية:

​”مساء الخير يا بشمهندسة.. جالي تليفون النهاردة من محامي جابر المنشاوي (حمايا القديم)”.

​رفعت عيني من على اللابتوب وسندت ضهري لورا وقولتله برقة وبدون اهتمام:

​”خير يا متر؟ هما لسه فيهم نفس يطلبوا حاجة؟ ده رامي وأخوه زمانهم بيقضوا آخر كام شهر ليهم في الحبس”.

​المتر فريد قعد وحط الملف على المكتب وقال:

​”الحاج جابر باع كل اللي يملكه عشان يسدد باقي الديون والتعويضات اللي حكمت بيها المحكمة ليكي وللموردين.. وجايين دلوقتي يعرضوا عليكي تصالح في القض..ية المدنية الباقية عشان رامي لما يخرج ميتسجنش تاني في قض..ية وصل الأمانة التاني.. وطالبين سماحك، والراجل بيقولك إحنا بقينا على الحديدة، وأمه مديحة حالتها الصحية بتدهور والكيماوي مبقاش جايب نتيحة كبيرة، ونفسها تشوف ابنها برة السجن قبل ما تقابل وجه كريم”.

​سكتت شوية.. وبصيت من شباك مكتبي على حركة العربيات في الشارع. افتكرت الليلة دي.. ليلة نص الليل، والعياط الكداب، والتفاح اللي كان مالي بوق حمايا وهو بيضحك ويقول “أغبى من دبة”.. وافتكرت صوت الست مديحة وهي بتقولي “شيلي قرش لزمنك”.

​لفيت كرسي وبصيت للمتر فريد وقولتله بنبرة حاسمة مفيهاش تراجع:

​”التصالح مرفوض يا متر.. والوصول اللي معايا هاخد بيها أحكام تانية لو خرجوا.. اللي يغلط يدفع تمن غلطته لآخر قرش ولآخر يوم.. هما ميرموش نفسهم في النار ويرجعوا يصرخوا من نارها.. أما بالنسبة للست مديحة.. فربنا يتولاها برحمته، أنا عملت بأصلي معاها في أول الجلسات وسددت من مالي الخاص، لكن دلوقتي هما اللي حصدوا اللي زرعوه”.

​الأستاذ فريد هز رأسه بتقدير وقفل الملف:

​”كنت عارف إنك هتقولي كده.. وده الصح.. اللي يرحم العقرب بيلدغه تاني”.

​خرج المحامي، وأنا قمت وقفت قدام المراية اللي في مكتبي.. بصيت لملامحي.. مابقتش البنت الغلبانة اللي عنيها مكسورة وبتصدق أي كلمتين حب.. بقيت ست قوية، ملامحها مرسومة بالثقة والأمان اللي صنعته بنفسي ولنفسي.

​خمس سنين كدب علموني إني مأمنش لأي وش ملايكة، وعلموني إن الحب الحقيقي مش كلام ووعود، الحب أفعال وأمان.. والأمان ده أنا اللي ببنيه لنفسي الأول.

​قفلت نور المكتب، وأخدت مفاتيح عربيتي وشنطتي، ونزلت والشمس بتغيب.. مشيت وأنا عارفة إن صفحتي معاهم اتقفلت بالضبة والمفتاح.. والنهاردة بس، بدأت قصة ميجا الجديدة.. الست اللي ملهاش لوي دراع، واللي مبتقعش تاني أبداً.

مرت سنتين كمان.. الشهور جريت والزمن مبيقفش عند زعل حد.

​في يوم عادي جداً وأنا بتابع شغل جديد في المكتب، جالي إشعار على الفيسبوك.. صفحة وفيات المنطقة اللي كان فيها بيتهم القديم. الست مديحة توفت.

​وقفت للحظة، وبصيت للصورة الكبيرة اللي متعلقة ورا مكتبي لأبويا الله يرحمه. محستش بشماتة، ولا حسيت بوجع.. حسيت بسلام غريب. ربنا يرحمها برحمته الواسعة، أفضت إلى ما قدمت.. وأنا تبرأت ذمتي قدام ربنا من ناحيتها في وقت شدتها، والباقي كان حسابها مع رب العباد.

​بعد الوفاة بأسبوع، عرفت من المتر فريد إن رامي وكريم خرجوا من السجن.. خرجوا مكسورين، ملهمش هيبة ولا ليهم عين يحطوها في عين حد في المنطقة.. رامي حاول يبعتلي كذا رسالة مع معارف قدام، يطلب بس إنه يقابلني لدقايق، يقول كلمة اعتذار أو يطلب سماح.. بس أنا كنت أخدت قراري من زمان: “اللي يخرج من حياتي بالرخيض، ميرجعش ليها ولو بكنوز الدنيا”. مديتلوش الفرصة ولا ردّيت، ومسحت كل الأرقام والوسايط.

​النهاردة، وأنا بقفل ميزانية السنة الجديدة لمكتبي، وبمضي على عقود توسيع الشغل وبداية فرع جديد.. بصيت على إيدي، مكنش فيها دبلة، بس كان فيها قلم بيمضي على نجاحي وأماني ومستقبلي.. الأمان اللي مفيش راجل في الدنيا يقدر يهدده أو يساومني عليه تاني.

​قمت وقفت في البلكونة، شوفت الشمس وهي طالعة بتنور يوم جديد.. يوم ملكي أنا وبس.

​خمس سنين عشتهم في غفلة، بس السنتين اللي بعدهم عوضوني عن عمري كله.. اتعلمت فيهم إن الطيبة من غير أنياب بتبقى غباء، وإن الست لما تآمن بنفسها وبتعبها وبقرشها، مفيش قوة في الأرض تقدر تكسرها..

​أنا “ميجا”.. البنت اللي كان الكل فاكرها صيد سهل وأغبى من دبة، والنهاردة أنا الست اللي كتبت سطر النهاية في حياة كل اللي خانوها، وبدأت كتابها الجديد.. وبخط إيدها هي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *