ج 3 طعم الخيانة بقلم الكاتبة نرمين عادل همام

ج3

خرجت من حضني وهي بتمسح وشها بكم جلبابها وبتضحك برياحة صافية فرّحت قلبي: “الحمد لله إنها عدت.. ربنا ما يجيب زعل بيننا تاني أبدًا يا حبيبي، ويخليك لينا وسندنا.”

مر يومين والروتين رجع لطبيعته الدافية، وكنت بدأت أنسى الموضوع خالص، لحد ما في يوم كنت قاعد في الصالة وجالي إشعار برسالة على الواتساب. فتحت الموبايل واتصدمت؛ نفس الست.. ياسمين، بعتتلي تاني، بس المرة دي من رقم جديد ومختلف خالص غير اللي عملتله بلوك! كانت كتبالي بجملة مختصرة وفيها إلحاح: 

“باشمهندس شريف.. رد عليا ضروري.” أول ما شفت صورتها الشخصية الجديدة على الرقم، الخوف والتوجس اتسللوا لقلبي، خوفت حنان تلمح الشاشة وهي معدية أو تشوف صورتها وتفتكر إن في بيننا كلام وحاجة وتتجدد المشاكل والنار تقيد في البيت تاني.

بسرعة ومن غير ما أفكر ولأول مرة أتصرف بتسلل، نقلت الشات كله لـ “الأرشيف” عشان يختفي من الوش تماماً وميبانش في القائمة الرئيسية، وقلت لنفسي هبقى أرد عليها في وقت تاني أكون فيه لوحدي برة البيت أو في الشركة عشان أشوف في إيه. 

بعد شوية، قامت حنان كالعادة الطيبة بتاعتها عشان تقعد مع ياسين وليلى على السفرة وتذاكرلهم وتتابع دروسهم، فاستغليت الفرصة والهدوء، وسحبت الموبايل ودخلت على الأرشيف وفتحت الشات ورديت عليها بنبرة كتبتها بجفاف ورسمية.

 كانت بتسألني لو جت تستلم ملف رخصة المباني والتصاميم متأخر عن الميعاد المحدد اللي قلتهولها بيومين في الشركة، هيكون فيه مشكلة مع الإدارة الهندسية؟ رديت عليها بكلمتين ناشفين: “مفيش مشكلة.” وقسيت الشات تاني وقفلته.

مر أربع أيام، وكنت قاعد في مكتبي بالشركة براجع مقاسات لوحة، ولقيتها جت المكتب فعلاً في الحقيقة عشان تستلم المعاملة بتاعتها ورخصتها. وقفت قدام مكتبي بالظبط بكامل أناقتها ودلعها، وبصتلي بنظرة ذكية وفيها مغزى وغمزة عين، وقالت بصوتها الرقيق:

 “تسمحلي أقعد يا باشمهندس شريف؟”

رفعت راسي وبصيتلها ببرود مصطنع وأنا بحاول أثبت قدام سحرها، واتنهدت بضيق داريته وقلت: “خير يا فندم.. اتفضلي.” قعدت على الكرسي اللي قدام مكتبي عل طول وهي بتبتسم بثقة ودلال ناعم وتقول:

 “هعتبر دي موافقة وترحيب منك.”

الكاتبة نرمين عادل همام

سكتت لثواني، وكأنها بتقرأ ملامح وشي وعيني وبتدرس ريأكشن انفعالي، وبعدين مالت بجسمها سنة وكملت بنبرة اعتذار ناعمة وهادية قوي:

 “أنا جاية مخصوص يا باشمهندس شريف عشان أعتذر من حضرتك لو كنت ضايقتك بأسلوبي أو برسايلي امبارح، أو تسببتلك في أي إزعاج. مشكلتي الحقيقية في الحياة إني ست اجتماعية قوي وعشرية زيادة عن اللزوم، بتعامل مع الناس النضيفة اللي شبهك كأنهم أهلي وإخواتي، وممكن من نيتي البيضا أتكلم معاهم بعشم زيادة شوية يترجم من الطرف التاني غلط.. بجد أنا آسفة.”

هزيت راسي بسرعة وأنا عيني في اللوحات، كل همي في اللحظة دي إني أقفل المقابلة دي وأمشيها قبل ما حد من المهندسين يلمحنا:

 “ولا يهمك يا مدام، حصل خير ومحصلش أي حاجة، المهم ملف رخصتك والتصاميم الهندسية كاملة وجاهزة اهه، اتفضلي.”

قاطعتني بسرعة وهي بتمد صوابعها الرقيقة تاخد ملف الورق من إيدي، ولمست أطراف صوابعي بحركة خفيفة وقالت وعينها في عيني:

 “ياسمين.. اسمي ياسمين.”

ابتسمت ابتسامة سماجة مجاملة مفيهاش أي روح، وقلت بنبرة ناشفة عشان أحط حدود: “حصل خير يا مدام ياسمين.. بالتوفيق.”

كنت فاكر في الوقت ده، وواهم لأقصى درجة، إن الحكاية هتقف لحد هنا، وأنها مجرد معاملة هندسية في الشركة وخلصت وانتهينا. لكن ياسمين من اليوم ده بالذات بدأت تتسلل وتدخل حياتي بالتدريج؛ كل يومين تلاقيني مستقيل منها رسالة على الواتساب على رقمي المباشر، تدخل تطمن عليا وعلى أحوالي، وتسألني عن يومي وشغلي.

 كنت في الأول برد ببرود تام وردود مقتضبة على قد الكلمة عشان أخلص وأقفل الشات، وساعات كنت بتهرب منها بذكاء وأقولها “أنا في الموقع مش فاضي وورايا إشراف صب خرسانة”. وآخر مرة، لما لقيت الموضوع زاد، ضميري صحي فجأة فكتبت لها كلام حاسم وواضح: “يا مدام ياسمين.. كلامنا وتواصلنا ده حرام وميرضيش ربنا، أنا راجل متجوز وبحب مراتي وبيتي، ومينفعش نفضل نتكلم بالشكل ده من غير سبب.”

افتكرت واقتنعت إن الكلمتين الناشفين دول هيخلوها تخاف وتبعد وتقطع السكة، لكن بعد ما بعت الكلام ده بدقائق، اتفاجأت بردها الجريء:

 “لو أنت فاضي دلوقتي.. اطلبني فون وكلمني حالاً.” رديت عليها بسرعة:

 “مش هينفع طبعاً، أنا وسط عيلتي.” لكن إصرارها كان غريب ولحوح، وبعتتلي رسالة تانية خلت قلبي يدق: 

“عشان خاطري انزل من البيت حالاً في الشارع وكلمني ضروري.. الموضوع مهم جداً وميستحملش تأخير.”

استغربت جداً من الإصرار والغموض اللي في كلامها، والفضول البشري اللعين بدأ ياكل في نفوخي وعقلي. قمت بسرعة، لبست هدومي ونزلت الشارع بحجة إني هجيب حاجة للبيت، وأول ما بعت لها مسج إني نزلت وبقيت لوحدي، لقيتها رنت عليا فون في ساعتها. فتحت الخط وأنا كلي ترقب وشغف وعاوز أعرف وراها إيه. أول ما نطقت واسمي طلع من بين شفايفها، سمعت صوت مالي الرقة والحنية والدلال، أسلوب عمري في حياتي ما شوفته ولا سمعته ولا عشته مع حنان!

بدأت تتكلم بصوت هادي، مكسور وفي حزن مصطنع، وقالتلي إنها بتتكلم معايا كأخ كبير وسند مش أكتر، وإنها ست وحيدة في الدنيا دي وملهاش إخوات رجالة يدافعوا عنها، وكان طول عمرها نفسها يكون ليها أخ حقيقي وراجل بجد يبقى في ضهرها ويحميها، وإنها أول ما شافتني في الشركة وحست بشهامتي ورجولتي ارتاحتلي جداً ودخلت قلبي كأخ.

حاولت أقاوم السحر ده وأقف على رجلي، وقلت لها بنبرة مهزوزة:

 “بس برضه يا ياسمين مينفعش وكده حرام، إحنا أغراب عن بعض.” ردت بسرعة الصاروخ وبنبرة ناعمة ومقنعة جداً للقلب الضعيف:

 “إحنا إخوات يا شريف.. فين الحرام في إن أخت وحيدة تطمن على أخوها والراجل اللي بتحترمه وتسمع نصيحته؟ أنا بطمن عليك زي أختك بالظبط، هو ده يزعل ربنا؟”

الكاتبة نرمين عادل همام

فضلت تتكلم وتلف بيا في الكلام وتلعب على أوتار نفسي بحسها الأنثوي الذكي لحد ما أقنعتني تماماً وسحبت رجلي للسكة. الغريب والمخيف في نفس الوقت، إني لما قفلت معاها المكالمة وطلعت البيت، كنت حاسس إني مبسوط وفرحان وطاير في السماء، طاقة غريبة وجديدة عليا ملت قلبي وعروقي.

أول ما فتحت باب الشقة ودخلت،

 لقيتها بعتتلي رسالة شات تسألني لو طلعت الشقة بالسلامة وأخدت بالي من نفسي في الطريق. وفضلنا من اللحظة دي نتكلم شات متواصل لحد ما دخلت السرير ونمت وأنا بفكر فيها.

ومن اللحظة دي، ياسمين بقت حاجة أساسية وروتين يومي مسيطر على حياتي، مبقاش يومي يكمل ولا نفوخي يصفى من غير ما نتكلم. وأنا برة البيت في الشغل أو بلف في مواقع التنفيذ، بتصل بيها فون أسمع صوتها وأطمن عليها، وأول ما أدخل البيت عند حنان، بنتحول عل طول لـ لغة الشات المتداري. وعشان أأمن نفسي تماماً ومقعش في غلطة امبارح، سحبت الموبايل وسجلت اسمها على الواتساب باسم راجل (المهندس محمود – صاحب الموقع)،

 وطلبت منها بوضوح تغير صورتها الشخصية الجريئة دي على الواتس وتحط صورة مبهمة، منظر طبيعي أو لوحة هندسية مش واضحة إنها ست عشان لو الموبايل نور في إيد حنان، وهي كانت بتنفذ كل اللي بطلبه منها بطاعة عمياء وذكاء رهيب يخوف.

الكاتبة نرمين عادل همام
بكلامي المستمر والمخفي مع ياسمين، اكتشفت حياة جديدة وعالم تاني خالص مكنتش اعرفه ولا عيشته قبل كده. كانت مهتمة بكل تفصيلة تخصني؛ لبسي، أكلي، مزاجي الصبح، أدق تفاصيل يومي في الشركة ومواقع التنفيذ كانت بتسأل عنها بشغف وعيون مبهورة.. 

عكس حنان تماماً! حنان اللي بقت بالتدريج بتنسى حاجات كتيرة تخصني وتخص شكلي، وكل همها في الدنيا مأسور ومحصور بين أربعة حيطان:

 المطبخ، وصهد الأكل، وطلبات العيال، والمذاكرة.. بقيت أحس بالتدريج إني بقيت آخر اهتماماتها، مابتسألنيش يومي مشي إزاي وسط الخرسانة والطوب ولا شغلي وتصاميمي عاملين إيه.

في عقلي الباطن، وبسبب زنة الشياطين، بدأت أعمل مقارنات ضالمة، ويسخر القدر إن ياسمين كانت دايماً هي الكسبانة والمسيطرة في أي مقارنة بينها وبين حنان الشقيانة. مكنَّااش بنتقابل كتير في الحقيقة برة حيز المعاملة الأولى، لكنها كانت بتعوض البعد ده بذكاء مريب بأنها كل شوية تبعتلي صور ليها على الرقم المتداري باسم “المهندس محمود”، كل صورة تطلع فيها أحلى، وأجمل، وأكتر جراءة وإثارة من اللي قبلها، وتنسيني تعب يومي.

تدريجياً، الكلام بينا بدأ ياخد مجرى تاني خالص غير حكاية الإخوات دي.. مجرى منفتح، وجريء، وفيه تلميحات خلت دمي يحن. هنا بالتحديد، بدأ الخوف الحقيقي ينهش في صدر يصحيني، وحاولت بكل الطرق أفرمل نفسي، وأبعد عنها، وأبطل كلام عشان مأهدمش بيتي. لكن الصدق؟ كان الموضوع بقى صعب جداً بالنسبالي وفوق طاقتي، وكأني أدمنت الحكاية ومبقتش أستحمل يعدي يوم من غير مسج منها.

لما جيت في يوم وجمدت قلبي وصارحتها بإننا لازم نقف لحد هنا ومينفعش نكمل عشان ربنا وعشان بيتي، ياسمين انهارت تماماً في التليفون، وفضلت تعيط بحرقة وتقولي بنبرة مكسورة إني بقيت ليها السند والضهر والأمان اللي ملقتوش في الدنيا، وسألتني بكسرة ووجع: “ليه عاوز تبعد وتتخلى عني يا شريف بعد ما بقيت كل حياتي؟”

قدام دموعها، ونعومتها، ورقتها دي، كبريائي وعاطفتي كراجل ضعفوا في ثانية، ومقدرتش أقاوم الوجع اللي في صوتها. قلتلها وأنا بنهج:

 “خلاص.. بس عشان خاطري لازم نقلل كلامنا شوية ونداري على الدنيا.” وهي وافقت في ساعتها وقالتلي “حاضر من عينيا” وسمعت الكلام، بس الحقيقة المرة إن أنا اللي مكنتش قادر أبعد ولا أصبر على غيابها! بقيت أنا اللي بدخل الشات المتداري وأجر معاها كلام، وأفتح مواضيع، وأسأل عنها. وهي كمان لقت السكة خضرا فرجعت تتكلم بقوة وجراءة أكبر، وتبعتلي صور أكتر انفتحاً، وبقى الكلام بينا ملوش حدود تماماً وخطير، لدرجة وصلت فيها لمرحلة إني مش قادر أبعد عن الشاشة دقيقة واحدة، وفي نفس الوقت مرعوب وخايف من ربنا ومن فضيحة اللي جاي لو كملت في السكة دي.

“بص يا بابا! شوف المفاجأة دي.. أخدت شهادة تقدير كبيرة أوي من دار التحفيظ عشان خلصت حفظ جزء تبارك كاملاً!”

صوت ليلى بنتي قطع حبل أفكاري الملوثة والسرية وهي بتجري عليا في الصالة بفرحة، وحماس عارم، ووش منور، وماسكة الشهادة في إيدها وبتلوح بيها عشان تحضنني. رديت عليها وعيني وقلبي وعقلي مش معاها أصلاً، كنت ماسك الموبايل ومركز في الشاشة وبكتب مسج جريئة لياسمين، وقلت باقتضاب وبرود جمد فرحتها:

 “شاطرة يا ليلى.. مبروك يا حبيبتي.”

البنت الصغيرة حست ببرودي وجفائي اللي مكنتش متعودة عليه، فملامحها هديت بس حاولت برضه تحمسني وتلفت انتباهي ليها وتفوقني من الموبايل وقالت:

 “هتجيبلي هدية إيه بقى يا بابا بمناسبة الإنجاز العظيم ده والشهادة؟ أنت وعدتني!”

رديت وعيني لسه منزلتش من على الشاشة المستنية رد ياسمين بلهفة:

 “هبقى أديكي فلوس في إيدك وتنزلي مع ماما هاتي كل اللي أنتِ عاوزاه.. مش فاضي دلوقتي.”

قلت كلماتي دي بزهق وضيق واضح، وقمت من مكاني بسرعة وسيبت البنت واقفة في نص الصالة بكسرتها وحزنها اللي ظهر في عينيها، ودخلت أوضة النوم وقفلت الباب ورايا بالمفتاح عشان أعزل نفسي وأعيش في عالمي التاني المزيف، وأكمل كلامي المنفتح مع ياسمين..

قام شريف من مكانه وساب الصالة ودخل الأوضة بسرعة مريبة، والتفتتُّ لليلى بنتي اللي حالها تبدل في ثانية واحدة من قمة الفرحة والحماس الطفولي لقمة الحزن والانكسار والكسوف. نزلت لمستواها على ركبي وأنا ببتسم وبحاول بكل طاقة فيا أداري الوجع والحرقة اللي نهشوا في قلبي من تصرف جوزي، وقلت وأنا بطبطب عليها:

 “نودي حبيبتي.. قوليلي بقى نفسك في إيه بمناسبة إنجازك العظيم ده وحفظك الجميل عشان ماما تجيبهولك حالاً من برة؟”

بصتلي وعينيها لمعت بدموع حائرة وخايفة، وقالت بصوت مكسور ومخنوق: “هو بابا مش فرحان إني خلصت جزء تبارك يا ماما؟ هو أنا ضايقته في حاجة؟ ليه سابني ومشى ودخل الأوضة وقفل على نفسه؟”

أخدتها في حضني وضمتها لقاع صدري بقوة وأنا ببلع غصتي ودموعي بالعافية عشان متتهزش وقلت: 

“لأ يا روح قلب ماما، فرحان طبعاً وطاير بيكي من الفرحة وفخور بيكي جداً.. بس بابا الفترة دي عنده مشاكل وتصاميم وضغوط كتيرة أوي وثقيلة في المكتب الهندسي وشغل رخص المباني، ومخلية باله ونفوخه مشغولين، متزعليش منه يا حبيبتي.”

خرجت من حضني وبصت في عمق عيني وكأنها بتستوثق من كلامي وتدور على الأمان:

 “يعني هو بجد فرحان بيا ومامشيش عشان زعلان من كلامي؟” بست دماغها وجبينها بحنان كبير وقلت:

 “آه يا عيوني، فرحان بيكي وفخور بيكي لأبعد حد، يالا روحي العبي مع ياسين.”

سيبت العيال في الصالة، واتجهت عل طول لأوضة النوم وأنا شاحنة نفسي بكل طاقة الغضب، والوعيد، والنار اللي بياكلوا في أحشائي وجوارحي.

 فتحت الباب فجأة وبدون مقدمات، ولقيت شريف اتخض اتخضة غريبة ومرعوبة، واتعدل في قعدته على السرير وهو بيخبي شاشة الموبايل بلمحة سريعة ويقفلها. اتعمدت إني أفضل واقفه معاه في الأوضة ومأديهوش فرصة يهرب أو ينزل الشارع؛ مشيت بخطوات هادية للمراية، فككت شعري وبدأت أسرحه ببطء شديد وأنا عنيا منزلتش من عليه ومراقبة كل حركاته في عاكس الزجاج.

لاحظت إنه بدأ يتلجلج في الكلام وهو حاطط الموبايل على ودنه، وبدأ يركب كلام مش منطقي ولا راكب على بعضه عشان يوهمني إنه بيكلم مهندس تنفيذ أو مقاول في موقع، وقال بصوت مهزوز: 

“خلاص.. تمام.. الخرسانة واللوحات نظبطها بكرة في المعاينة.” وقفل الخط بسرعة الصاروخ أول ما لقى نظراتي ثابتة عليه ومحاصراه من المراية.

“خلصتي مذاكرة ومراجعة مع الولاد؟” قال جملته بتوتر واضح وعينه لفت في الأوضة، وعرقه بدأ يبان على جبهته رغم إن الجو مكنش حر. رديت عليه ببرود مريب وصوت هادي يسبق العاصفة: 

“لأ لسه مخلصتش.. بس قلت أجي أقعد مع زوجي حبيبي شوية وأشوف ماله.”

حاول يمشيني بأي طريقة ويطردني من الأوضة وهو بيعدل قعدته:

 “طب مخلصتيش معاهم ليه وسبتيهم؟ الأولاد زمانهم تعبوا وممكن يناموا قبل ما يخلصوا الواجبات اللي وراهم!” رديت بابتسامة هادية وباردة تماماً، عكس النار والغليان اللي قايدين في قلبي:

 “مش مشكلة خالص، يناموا دلوقتي والصبح بدري نصحى ونكمل.”

هنا نبرة صوته اتغيرت وبقت حادة، وحاسمة، وفيها هجوم عشان يداري ارتباكه:

 “لأ طبعاً مشكلة كبيرة.. روحي خلصي معاهم فوراً وتعالي، مستقبل العيال ودراستهم أهم من أي حاجة تانية دلوقتي وأهم من القعدة دي.”

أخدت نفس عميق وكتيم، ولفيت ليه بكليتي، وسبت المشط من إيدي وقربت من السرير وعيني ثبتت في عينه وقلت بصلابة:

الكاتبة نرمين عادل همام

 “مش ملاحظ إنك بقالك فترة متغير جداً معايا ومع عيالك يا باشمهندس شريف؟ مش ملاحظ إنك كل ما أجي أحاول أقعد معاك، أو نقرب من بعض، أو نفتح كلام تخترعلي وتألفلي حجج فارغة ومشاريع وهمية عشان تبعدني عنك وتطردني؟ أنت حتى مبقيتش تقعد معايا زي زمان وتحكيلي عن يومك، وشغلك، واللوحات،

والمواقع اللي بتنزلها زي الأول! في إيه؟”….يتبع للجزء الرابع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *