ج الاخير جوزي كان مسافر

ج الاخير

قال بصوت متحشرج، ومخنوق من كثرة الرعب والارتباك اللي تملكه:

  • “منى… تعالي نتكلم في البيت لو سمحتِ، بلاش فضايح في الشارع وشوشرة مالهاش لازمة قدام الغريب… أقصدي في بيت المغفور له صاحبي…”

  • “بيت صاحبك؟” ضحكت بسخرية لاذعة ومريرة هزت أركان المكان وأصداء الصالة، ضحكة طالعة من وسط وجع قلبي بس مليانة استهانة بي الموقف. وكملت وأنا بفرس فيهم بعيني:

  • “بيت صاحبك اللي مشتريله شقة هنا ومسجلها باسم مين يا كريم؟ باسمك أنت؟ ولا باسمها هي؟ ولا يمكن كتبتها باسم أمك عشان تداروا على الخيبة؟”

تغير لون وجه كريم تمامًا، وبانت عليه علامات الهلع والرعب الحقيقي، وشه أصفر وكأنه اتقطع منه الدم. لم تكن الخيانة الزوجية وحدها هي السر الكبير ولا المصيبة الوحيدة هنا؛ كانت لغة الأرقام، والأوراق، والمصالح الخفية أثقل وألعن بكثير من مجرد نزوة طارئة أو خيانة عابرة!

قالت حماتي وهي بتتقدم نحوي بغضب وعصبية، وبتحاول بزعيقها تغطي على الخوف اللي بدأ ياكل قلوبهم:

  • “إنتي اتجننتِ بجد ولا عقلك طار منك؟! إيه الكلام الفارغ والهبل اللي بتقوليه ده؟ تعالي معايا على بيتك وخلصنا وبلاش قلة أدب، ما تعمليش من الحبة قبة وتلمي علينا الشارع والأمة!”

  • “لا يا أمي، مش همشي دلوقتي خالص، ولا طالعة من الشقة دي إلا لما آخد حقي،” قالتها منى وهي بتتخطاها ببرود، وبتمشي بخطوات ثابتة وواثقة متجهة مباشرة نحو غرفة النوم الداخلية في الشقة، الغرفة اللي كان بابها مغلقًا بإحكام طوال فترة زيارتي، الغرفة اللي كانت مقفولة بضبة ومفتاح ولم يدخلها أحد سواه طوال الوقت ده.

صرخت نجلاء بذعر وجريت ورايا وهي ماسكة قميصها بحركة عشوائية:

  • “استني عندك! إنتي رايحة فين وبيتك فين؟ دي أسرار بيت وماتصحش تدخلي وتفتشي في حُرَمات الناس كده!”

لكنني لم أكن أستمع لأحد ولا بيهمني صريخهم. مسكت التورتة والأكياس بهدوء ووضعتهم فوق طاولة السفرة القريبة في الصالة بالراحة، وبعدين دفعت باب الأوضة بإيدي الشمال بكل قوتي، ودخلت الغرفة.

لم تكن غرفة نوم عادية إطلاقاً. كانت أشبه بمكتب إداري سري لم يدخله غريب من قبل! على المكتب الخشبي الكبير المتروس أوراق، كانت توجد عقود رسمية، وعقود بيع وشراء ابتدائي ونهائي، وشيكات بنكية بمبالغ طائلة، وملفات عقارية تحمل اسم كريم واسم نجلاء جنبًا إلى جنب، بل وكان هناك ملف كرتون تقيل مكتوب بخط إيد واضح ومحدد: “ممتلكات شركة النور للمقاولات والتجارة”.

اقتربت من المكتب بخطوات واثقة، بينما تبعني الثلاثة لجوه الأوضة كأنهم أشباح خائفة ومطاردة بكابوس. كريم كان يلهث بشدة وصدره بيطلع وينزل من الخضة، وعيناه تكادان تخرجان من رأسها رعبًا، بينما كانت أمه تتمتم بكلمات غير مفهومة وتدعس في شالها وهي بتطلب الستر وبتتحسبن.

سحبت الملف المفتوح من فوق المكتب، وقرأت اللي فيه بتمعن وتركيز شديد، والابتسامة الساخرة مش مفارقة وشي:

1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *