ج الاخير جوزي كان مسافر
ج الاخير

-
“الله يرحمه صاحبك… تقرير الطبيب الشرعي المبدئي بيقول إن فيه شبهة جنائية ومواد مجهولة في الدم، بس الملف اتقفل بسرعة وبسهولة لأن كريم كان الشاهد الوحيد، وهو اللي أمضى على استلام الج/ثة وتخليص كل أوراق الدفن في ساعتها قبل ما حد يفكر يشرّح أو يفحص!”
صرخت حماتي بفرط الجنون وانهارت تمامًا، وشها اسودت ملامحه من الرعب:
-
“اخرسي! إنتي بتخرفي وبتقولي كلام يودي في داهية! تعالي يا كريم اسحب الورق ده من إيدها فوراً! دي هتبهدل العيلة كلها وتودينا كلنا ورا الشمس!”
اقترب كريم بخطوات ثقيلة ومترددة، وكان وجهه قد فقد كل ملامح البشر، وشعره مبهدل وعينيه زائغة وكأن شبح السجن ومقصلة الإعدام تلوح أمام عينيه. مد يده يحاول يجذب الأوراق من إيدي بلهوجة، لكنني كنت أسرع وأثبت منه بكثير.
رفعت الملف عاليًا وقلت بنبرة قاطعة زي حد السيف:
-
“اقترب خطوة واحدة يا كريم، والملف ده كله، بكل نسخه الأصلية اللي معايا، مش هيكون في قسم الشرطة بس… ده هيكون على مكتب مباحث الأموال العامة والمباحث الجنائية خلال عشر دقائق بالظبط. أنا مش بس مراتك المغفلة اللي ضحكتوا عليها وسرقتوا ميراثها وعمرها، أنا اللي هندمكم كلكم على اليوم اللي فكرتوا فيه تبيعوني وتلعبوا بيا وبحق أبويا!”
تراجع كريم فجأة كأن سهم ضربه في صدره، وسقط على ركبتيه على أرضية الغرفة الخشبية، ودموعه تنهمر بغزارة على خدوده.. لا حزنًا على خيانته ولا ندماً على اللي عمله فيا، بل خوفاً وهلعاً على مستقبله ومصيره المجهول خلف الأسوار العالية.
أما نجلاء، فكانت انهارات على الكرسي وأخذت تبكي وتولول وتضرب على فخذيها بجهل ورعب وهي ماسكة بطنها، بينما وقفت حماتي مذهولة ومصلوبة في مكانها، مش مصدقة إن خطتها المحكمة اللي دبرتها بعناية لضمان حفيد العيلة وميراثه المتربص به قد تحولت في لحظة لكابوس مرعب بيحرق الأخضر واليابس وبيهد الشقة على دماغهم.
نظرت إليهم جميعًا نظرة أخيرة خالية من أي شفقة أو رحمة أو عاطفة، نظرة إنسانة اتولدت من جديد من ركام الألم والخيانة.
قلت بهدوء شديد وأنا بألم أوراقي وبأتجه نحو باب الشقة بخطوات واثقة:
-
“الفطير والتورتة هسيبهم لكم هنا على الترابيزة… يمكن تحتاجوهم وتسدوا بيهم جوعكم في الحبس.”
خرجت من الشقة وأغلقت الباب خلفي بقوة وهدوء في آن واحد، رزعة الباب رنت في العمارة كلها، وتركتهم في عتمة أكاذيبهم وجرائمهم يواجهون مصيرهم المحتوم والتحقيقات اللي مستنياهم.
وفي الشارع، كانت نسمات الهواء اللطيفة تداعب وجهي وتطرد ريحة الخيانة من صدري، وشعرت للمرة الأولى منذ سنوات طويلة أن روحي قد تحررت بالكامل، وأن الفجر الحقيقي قد بدأ يشرق في حياتي، بلا رجعة وبلا غفران لمن لا يستحقون حتى الدموع.

