مريم ج3 للكاتبة نرمين عادل همام
ج 3
ومن اليوم ده، الحاجة فاطمة حطت راسي براسها. بقت مابتفوتش فرصة أدخل فيها أو أخرج، أو حتى أنزل أساعدها في شغل البيت، إلا وتسمعني كلام يوجع. كانت بتتعمد تهينني وتصغرني قدام سلايفي، وتلمح دايماً بأني أقل منهم في كل شيء، وكأن وجودي في البيت ده عبء وغلطة لازم تتصلح.
لو جه وقت الغدا، ترفض تماماً إني أقعد معاهم على السفرة وتزعق فيا بنبرة متعالية وتقول:
“السفرة دي للأسياد”. وحازم لما كان بيشوف المعاملة دي، كان دمه بيغلي ويرفض يقعد معاهم، وكان بياكل معايا فوق في شقتنا، فدا كان بيولع الدنيا أكتر وأكتر، ويزيد من غلها وكرهها ليا. كانت تطلع وراه على السلم وتلقح كلام بسخرية وتأنيب وشماتة تملى البيت:
— «إيه يا سي حازم؟ غيرتك عليها عمياك بزيادة كدة ليه؟ هي الغيرة مبتقومش غير على بنت الشوارع دي؟!»
مكانتش بتكتفي بـالكلام وبس، دي كانت بتعمل كل حاجة عشان تخرب بيتي وتكره حازم فيا، وتحسسه إن اختياره ليا كان سقطة كبيرة. كانت ديماً تحاول تجوزه “منى” بنت أختها، عشان تضمن إنها تخرجني من حياته وتجيب اللي على هواها. كانت منى دي تيجي تقعد في الصالة تحت بالساعات، متزينة ومتعطرة،
والحاجة فاطمة تنده لحازم بحجج كتير وغريبة: “انزل يا حازم صلح اللمبة”، “انزل يا حازم شيل الشنطة دي لمنى”، وتقعدهم جمب بعض وتضحك وتتكلم وتعمل كأنني مش موجودة في الدنيا أصلاً، وتبصلي بانتصار كأنها بتقولي مكيش مكان وسطنا.
بقلم الكاتبة: نرمين عادل همام
ومع ذلك، كنت صابرة ومستحملة ومبقولش لحازم حاجة، وأكتم غيظي ووجعي جوايا عشان مأعملش مشاكل بينه وبين أمه، ومخليهوش يختار بيني وبينها، وكنت بقول لنفسي:
“بكرة تحس بيا وتعرف إني غلبانة ومفيش في قلبي غير الخير ليها ولابنها”، والزمن كفيل يغير قساوة قلبها ده.
لكن في يوم من الأيام، الوضع زاد عن حده وعبر كل الخطوط الحمراء. كنت نازلة على السلم وسمعت الحاجة فاطمة قاعدة مع بنت أختها منى في الصالة، وصوتها كان عالي وقاصدة إني أسمعه عشان تكسر قلبي:
— «شايفة يا منى يا بنتي؟ الواد حازم وشه بقا أصفر وهمه زاد من يوم ما اتجوز المضروبة دي. مفيش وراها غير النكد والفقر، أهي لمتها من الشارع هي اللي جابتلنا الفقر ده!»
الكلمة جرحتني في مقتل، وحسيت كأن سك..ينة غرزت في كرامتي.. “لمتها من الشارع”؟
أهلي اللي ماتوا وبابا وماما اللي ربوني على العفة والرضا بقوا هما الشارع في نظرها؟ هما اللي عاشوا عمرهم كله يحافظوا على اسمهم وسمعتهم الطيبة؟ دموعي نزلت غصب عني، ومقدرتش أتمالك نفسي ولا أتحمل السكوت أكتر، فدخلت عليهم الصالة وجسمي كله بيترعش من القهر والظلم:
— «أنا مش بنت شوارع يا حاجة فاطمة! أنا بنت ناس محترمين، وأبويا وأمي ربوني أحسن تربية، ومسمحلكيش تغلطي فيهم وهما في دار الحق!»
الحاجة فاطمة وقفت في ثانية، وعينيها طلعت شرار من الصدمة إني واجهتها، وبصتلي بكل جبروت وقالت بوعيد:
— «كمان ليكي عين تردي وتطولي لسانك يا خطافة الرجالة؟ والله ما هسيبك في البيت ده ثانية واحدة!»
وقبل ما أستوعب رد فعلها، لقيتها بتصوت وتلطم على وشها وتعمل نفسها هتموت وتغمى عليها، وتتصل بحازم في الشغل وهي بتعيط وتتمسكن وتصرخ في التليفون بنبرة مأساوية:
— «الحقني يا حازم! مراتك نزلت عليا ضرب وشتيمة وتهزأ فيا في بيتي وطردتني من مكاني! تعالى ارمي لها يمين الطلاق دلوقتي حالا وإلا هغضب عليك ليوم الدين!»
الكاتبة: نرمين عادل همام
وقفت الحاجة فاطمة في وسط الصالة، وعينيها بتطلع شرار، وصرخت فيا قدام بنت أختها بكل غل وتشفي:
— «إنتي عايزة تلزقيه فيه بالعافية؟! إنتي فاكرة نفسك إيه يا بنت الشوارع!»
في اللحظة دي، حبل الصبر اتقطع جوايا، ومبقتش قادرة أتحمل الإهانات أكتر من كده، وحسيت إن كل طاقتي في المداراة انتهت. بكيت بحرقة وجسمي كله بيترعش، ولما حازم جه وجريت عليه، مسكت في هدومه وأنا بتوسل له وعيني في عينه والدموع مغرقاني:
— «وديني بيت أهلي يا حازم.. أنا مش قادرة أكمل دقيقة واحدة هنا، حرّام عليكم اللي بتعملوه فيا!»
أمه ضحكت بسخرية تِفلق الصخر وقالت ببرود يقهر:
— «بيت أهل إيه اللي تروحيله؟ هو إنتي عندك أهل أصلاً تروحي لهم!»
حازم حس بـالذنب لأول مرة لما شاف حالتي المنهارة ودموعي، ومسمعش كلام أمه والزن اللي كانت بتزنه، أخدني فعلاً من إيدي ووداني شقة عيلتي القديمة في السيدة زينب. قعدت هناك تلات شهور كاملة، كنت برتاح فيهم من الكابوس ده، وبحاول ألملم جراحي وسط ذكريات أبويا وأمي. بس بعد التلات شهور، حازم جالي وقعد يتحايل عليا وندمان وهو بيقول:
— «يا مريم، يلا نرجع عشان المشاكل متكبرش أكتر من كده، وعشان أمي متبقاش غضبانة عليا، وأنا بوعدك هحاميكي».
رجعنا.. وحماتي كانت هادية على غير العادة، بس هدوء يخوف، هدوء ما قبل العاصفة. مكانتش بتكلمني، ولا بترد عليا السلام لو دخلت أو خرجت، ونظراتها كانت كلها وعيد وشر مكتوم.
بعد فترة، حازم قالي إنه عنده مأمورية تبع الشغل وهيضطر يسافر أسبوع كامل بره المحافظة. قلبي انقبض وحسيت بخوف رهيب وقولتله فوراً:
— «خلاص يا حازم، أنا مش هقعد هنا لوحدي، هرجع بيت أهلي الكام يوم دول لحد ما تيجي بالسلامة».
حازم رفض وقال ملوش لزوم الشقة أمان، وأمه دخلت في الكلام فجأة وقالت بنبرة فيها لؤم ومكر مكنتش فاهماه وقتها:
— «لأ طبعاً، مش هتسيب البيت وتمشي! الشغالة موجودة أهو، إزاي تسيبنا في وقت زي ده وتمشي وتفضّي شقتها؟ قعديها هنا».
وافقت وقلت أقعد في شقتي فوق ومخرجش منها أبداً تفادياً للمشاكل. وفعلاً، كنت قافلة على نفسي الأوضة طول فترة سفره، حابسة نفسي بين أربع حيطان.
لما كنت بحتاج حاجة ضرورية، كنت بطلب الشغالة بالـتليفون الداخلي عشان تطلعلي، بس كنت بتفاجأ إن اللي بتفتح عليا الأوضة وتدخل هي حماتي بنفسها!
كانت بتمارس عليا أبشع أنواع السيطرة؛ حرمتني من الأكل، ومنعت الشغالة تطبخ لي أو تطلعلي لقمة، وهددتها بالطرد لو ساعدتني. كنت ساعات بقضي اليوم كله على وجبة واحدة بس يدوب تسندني، وعايشة على الفاكهة والبسكويت اللي عندي في الأوضة وبعض المايل المتاح.
حازم حب يعملي مفاجأة وينهي غيابه بدري، فرجع من السفر قبل معاده بيومين ومن غير ما يقولي أو يتصل بيا. بس المفاجأة دي كانت الكارثة اللي غيرت حياتي كلها وشقلبتها كابوس حقيقي.
كنت نايمة في الأوضة من التعب والجوع وقلة الحيلة، وفجأة صحيت على صوت صريخ عالي وزعيق مالي البيت تحت وفوق، صياح يزلزل الجدران. فتحت عيني وأنا مخضوضة ومرعوبة، وسمعت صوت حازم وهو بيزعق بهستيريا ويسب ويلعن بأفظع الشتائم. قمت مرعوبة ومش فاهمة حاجة، وفتحت باب الشقة وبصيت على الصالة..
اتفاجأت بـأخوه “تامر” واقف في الصالة ووشه بيتطوح يمين وشمال كأنه مش في وعيه، والمنظر كله مريب. لسه رايحة أدخل أوضتي بسرعة عشان ألبس عبايتي وأغطي نفسي وأقفل الباب عليا، لقيت حازم داخل عليا زي الوحش الهايج، وعينيه حمرا وعروقه بارزة. مسكني من شعري ومن غير ما ينطق بكلمة واحدة أو يستفسر عن حاجة، بدأ يضرب فيا بكل قوته.. ضرب أعمى، كأنه مبيشوفش قدامه، وكأنه بينتقم لكرامته اللي افتكر إنها اتهانت.
صرخت بأعلى صوتي واستغثت بيه لحد ما حبالي الصوتية اتقطعت من كتر الألم والوجع. الخدم اتجمعوا على الصوت، وإخواته وزوجاتهم، وأمه وقفت تتفرج بدم بارد وشماتة تملى عينيها. وسمعت صوت أمه وهي بتقول بـكذب وشماتة للموجودين ولابنها:
— «أهو.. مسكته بس هرب من الشباك! شوفت بعينك يا حازم فجرتها!»
الدم بدأ ينزل من وشي ومن كل حتة في جسمي بغزارة، والضرب مستمر مبيقفش، كرباج نازل على ضهري وجسمي، لحد ما حركتي شلت تماماً ونفسي بدأ يضيق ومبقتش قادرة أتحرك. آخر حاجة سمعتها قبل ما الدنيا تسود تماماً وأغيب عن الوعي، صوت حد من إخواته بيقول بخوف ورعب:
— «خلاص يا حازم سيبها.. شكلها ماتت في إيدك!»
فقت بعد أيام مش عارفة عدى قد إيه.. لقيت نفسي سرير مستشفى، خراطيم وأجهزة من كل ناحية محاوطاني، وجهاز تنفس محطوط على بوقي بيساعدني أتنفس بصعوبة. جسمي كله كان عبارة عن كتلة ألم فظيع، مكنتش عارفة الوجع جاي منين بالظبط، كل حتة فيا بتصرخ من الوجع.
الدكتور دخل عليا بعد ما الممرضة بلغت إني فقت، وبصلي بنظرة كلها أسى وحزن على حالتي، وقال بصوت هادي وقاتل نزل عليا زي الصاعقة:
— «حمد الله على سلامتك يا بنتي.. إنتي عديتي مرحلة الخطر. بس للأسف، الضرب تسبب في كسر مضاعف في عظمة الفخذ، وتسبب في إجهاض.. إنتي فقدتي الجنين». سكت شوية وحول نظره للأرض وكمل بـصعوبة:
— «والنزيف كان شديد جداً، فاضطرينا نعمل عملية استئصال للرحم عشان ننقذ حياتك».
غمضت عيني، ودموعي نزلت في سكات حارق، وقولت من كل قلبي وكسرتي:
— «الحمد لله.. الحمد لله على كل شيء». مكنش فيه ألم أقسى من الوجع اللي عشته يوم ما خسرت عيلتي كلها وجنيني اللي كان أملي.. فقدان الجنين والرحم مكسرنيش زي ما كسرني الغدر والظلم اللي شوفتهم في البيت ده من ناس اعتبرتهم أهلي.
الضابط جه المستشفى عشان يحقق معايا بعد ما حالتي سمحت بالكلام، وحكيتله كل حاجة من طقطق للسلام عليكم، ومخبيتش أي تفصيلة عن ليلة الضرب والمؤامرة. وبعدها بكام يوم، عرفت الحقيقة كاملة من تحقيقات الشرطة
.. أمه دبرتلي مكيدة شيطانية خبيثة عشان تخلص مني للأبد. جابت ست من بره بفلوس، ولفقت قصة إن فيه راجل بيدخل الشقة في غيابه، وولعت النار في راس ابنها لحد ما عميت عينه وشلت تفكيره.
حازم لما عرف الحقيقة واكتشف إن أمه خدعته وإن مراته بريئة وشرفها طاهر، انهار تماماً وسلم نفسه للشرطة وهو بيبكي ندم ويقطع في نفسه من الحسرة. بس الندم مكنش هيرجعلي اللي راح، ولا هيصلح جسمي اللي اتدمر ورحمي اللي اتأخد مني. طلبت شرط واحد بس عشان أتنازل ومأوديهوش في داهية ويقضي عمره في السجن: “الطلاق”. وفعلاً، تم الطلاق للضرر بحكم المحكمة، وانتهى الكابوس ده رسمي وفلّت بجلدي وباقي روحي.
رجعت بيتي القديم..
بقيت بطولي تاني وسط حيطانه الباردة. قعدت سنة وتمن شهور عايشة في صمت تام، بتعافى جسدياً ونفسياً، وبعيد بناء نفسي حتة حتة. بس في يوم، بصيت في المراية وقلت لنفسي وأنا شايفه ملامحي اللي اتغيرت:
“مريم.. إنتي عديتي من الموت كذا مرة، ربنا كاتبلك تعيشي، يبقى لازم تعيشي بجد”.
نزلت ودورت على شغل بجدية، والحمد لله اشتغلت في شركة محترمة وقدرت أثبت نفسي فيها. اتعلمت السواقة واشتريت عربية صغيرة من فلوس أماناتي اللي كان شايلها لي عم أحمد من ورث أبويا. ودخلت رياضة قتالية (بوكسينج) عشان أرجع ثقتي في نفسي وأحس إني قادرة أحمي نفسي لو الزمن جار عليا تاني، وميبقاش في قوة في الدنيا تكسرني. بدأت أقف على رجلي بقوة.
وفي يوم من الايام وانا وسط شغلي …..تابع للجزء الاخير
